Accessibility links

نحو علمانية مشرقية: الحاجة لتأهيل الطائفية


تظاهرة لناشطين مدنيين في بيروت عام 2012

بقلم حسن منيمنة/

هل دول المشرق أوطان دائمة ونهائية؟ ربما هكذا يريدها أهلها، أو معظمهم، أو النخبة الفكرية والاجتماعية والسياسية منهم. إلا أن إرادتهم هذه يشوبها قدر من الالتباس العائد إلى جدلية ضمنية بين الوطنية والطائفية. فالوطنية، المحمودة وفق الخطاب العلني السائد، هي الأساس والجوهر، فيما الطائفية، المذمومة، هي الآفة والعَرَض. اعتناق الوطنية والإصرار عليها دليل رقي، فيما الجنوح إلى الطائفية رجعية وتخلف عن تحقيق الحداثة. هكذا في العلن ومن حيث المبدأ. أما في الواقع والسر، فالطائفية تصبغ أوجه حياة معظم أهالي هذه الأوطان، من أحوالهم الشخصية إلى مواقفهم السياسية مرورا بخياراتهم الأسرية والعاطفية.

في الإصرار على التزام الخطاب الجامع، رغم الواقع الأقل استجماعا، قدر من الرياء، وقد يكون في بعض الأحيان حاجة لازمة لتجنب الصدام، وضمان البقاء. غير أنه في هذا التكاذب أيضا ما يدعو إلى التفاؤل، إذا كان ينضوي على قناعة ما بأن الإطار الوطني، وإن لم يكن قابلا للتحقق لفساد الآخرين وطائفيتهم، يحمل القيمة من حيث المبدأ.

التعبير الطائفي الرصين في العلن قد يكون العلاج للعصبية الطائفية المتشنجة في السر

والواقع الذي تعيشه المجتمعات المشرقية هو حالة قناعات متشابهة متضادة: حيث يغلب أن يرى المشرقي في محيطه الطائفي، على إقراره بعلله، ما هو الأقرب إلى الوطنية والأبعد عن الطائفية، ويرى في محيط غيره ما هو منغمس بالفئوية وعصي عن الحس الوطني. المسألة هي على الغالب إضفاء أوزان. فما يطال طائفة الذات من شوائب لا يبدو خطيرا بل يوسم بالمرحلي العابر، أما ما يعتري طائفة الآخرين، فيظهر جسيما متأصلا غير قابل للتذليل ومدعاة أسف وإدانة.

خارج القلة في كل صف، واليائسة من هذا الأمر العضال واللامبالية بالتالي لما قد يطال هؤلاء الآخرين من ظلم، يغلب من يرى أنه ومن معه على حق وأنه ثمة ما يبرر التوجه العام لجماعته الطائفية على أنه الموقف الأصح، وإن اختلف معها بالتفاصيل. فالعصبية الطائفية والتي تنتاب الفرد تأتي مدعومة بالقناعة الدفاعية، أي الرضا الذاتي عن أن شعوره الطائفي هذا هو ردة فعل وحسب على استشراء الطائفية لدى الآخرين، ولا بد من هذا الشعور بالتالي صونا للذات. والقناعات المحصنة المتواجهة هذه تجتمع لتشكل بنيانا طائفيا متينا عجزت الاقتراحات الوطنية المتتالية على مدى قرن كامل من أن تهدمه.

اقرأ للكاتب أيضا: الحالة السنية في المشرق (2) لبنان: من 'رفض الانضمام' إلى 'لبنان أولا'

قد يكون الإشكال الضامن لعناد الطائفية في المقاربة المتبعة إزاءها، لا في أحوال الطوائف نفسها. ففي كافة دول المشرق، المطروح هو اعتناق وطنية تشهر قناعتها بديمومة الوطن ونهائيته، فيما هذه الأوطان طرية العود، هشة، مقتضبة الوجود والتاريخ، لا يحظى بقاؤها بثقة مواطنيها، ولم تبلغ بعد من العمر مئويتها الأولى.

لبنان عاش عقوده الثلاثة الأولى في ظل الانتداب، أي الوصاية الخارجية، ثم أتبع ذلك بأربعين عاما من الاستقلال المرصع بالأزمات، قبل أن يقع في فخ حروب استمرت خمسة عشر عاما، تخللتها الاحتلالات المتناوبة، وانتهت الحروب ولم تنته الاحتلالات، وإن كان آخرها، وأذكاها، على قدر من التعمية.

سورية شهدت بدورها الانتداب ثم الانقلابات ثم الاتحاد ثم الانفصال، وانقلابات إضافية وحركات تصحيحية، حتى استقر حال السلطة فيها على استبداد الأب ثم الابن، ويوم رفع بعض أهلها الصوت، قتلهم نظامها قبل أن يشاركه الفعل القاصي والداني.

فلسطين انتدبت، وإذ خرجت إسرائيل من الانتداب بنصفها، فإن أشقاءها أنكروا عليها أن تكون، بل شاءوا لها الانتظار ريثما يعدون العدة لإحقاقها بالكامل، وهي ما زالت على الانتظار، فيما توأمتها كبرت ونضجت واستقرت.

والتقلب حال الأردن كذلك وهو الذي تباهى رأس دولة الانتداب أنه أنشأه بشطحة قلم، فقد اقتصر على ضفة ثم جمع الضفتين ثم عاد إلى الضفة الواحدة وثمة من يود له أن يعاود احتضان الضفتين.

أما العراق، إذ بدا أكثر هذه الدول المشرقية استقرارا، وأنجحها في خطابه الوطني، فقد نهشته الثورات واستنزفه الاستبداد والحصار، قبل أن يحرره الآخرون ويتركونه جريحا مهددا بالتقسيم.

الخطاب الفكري والسياسي في كل من هذه الأوطان اجتهد لتأصيل حاضره بتاريخ أعاد صياغته ليصبح مقدمة لبزوغه. ولكن الواقع هو أن الخيار المطروح أمام المشرقي على الغالب هو بين وطن يافع وطائفة ناضجة، أولهما وعد لم يبلغ حد الإيفاء والأخرى حقيقة معاشة وإن ببعض الحرج.

الفكرة الوطنية في المشرق بالمعنى الحالي، والذي يقرن ما بين السيادة والهوية الجامعة المانعة، مستقاة من أوروبا. عرف المحيط العثماني طرحا وطنيا، ابتدأ مع التنظيمات التي أقرها الباب العالي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، غير أن تلك كانت وطنية عثمانية متراخية من حيث الصفة الذاتية وقائمة على الانتماء لإطار سياسي شاسع وممركز، لا الدولة المحلية المتفردة بالسيادة والمشتركة باللغة والتاريخ والهوية، كما كان الحال في أجزاء متعاظمة من القارة الأوروبية. فالنموذج الأوروبي كان أكثر حزما واستقطابا، ومالت إليه تيارات عدة داخل العالم العثماني، ولا سيما منها الحركة الطورانية، وما استولدته من ردود فعل قومية، ومنها العروبية.

واليوم، بعد مضي قرن ونصف على هذا الاندفاع، يجوز التساؤل ما إذا كانت التوجهات الفكرية في المحيط العثماني قد تسرعت في اعتناق النموذج الأوروبي. وفي حين لا يمكن إغفال دور المتابعين الأوروبيين للواقع الشرقي عامة في تفكيكه بناء على اعتباراتهم الذاتية، فإن اختزال الهوية وإلزام الانتقال من الطائفة إلى الوطن، أو إلى ما يتعداه، هو فعل محلي ساوى بين الطائفة والفرقة الفئوية، فكان لا بد بنظره من تجاوز الطائفة لتحقيق الجماعة الوطنية.

وباستثناء الحالة اليهودية في إسرائيل، وهذه من حيث التأطير استيراد مباشر من أوروبا، إذ شكل الوافدون منها من اليهود الصلب الفكري والسياسي للمجتمع الناشئ، لم يشهد المشرق نزعات داعية إلى تحقيق الدولة الطائفية القائمة على السيادة وأحادية الهوية. بل العكس هو الصحيح، فرغم إقدام فرنسا، بصفتها السلطة المنتدبة على رسم معالم نظام مشرقي قائم على الطائفية كهوية وطنية، فإن غالب أعيان الطوائف "المستفيدة"، بما في ذلك قادتهم الروحيين، رفضوا الفرز واستعادوا الانضمام إلى الصيغة الجامعة.

المبالغة التالية التي حصلت هي الافتراض بأن الهويات الطائفية هي إما صنيعة استعمارية أو مخلفات تاريخية بائدة، وإن التخلي عنها هو شرط لتحقيق الانتماء الأعلى (للوطن أو ما يتعداه)، وعليه فإن كافة دول المشرق انتهجت نظم تعام أو تكاذب، عبر إنكار الحقائق الطائفية وافتراض وحدة وهمية بين الطوائف على أساس الوطنية أو القومية، أو عبر الزعم بأن أي إقرار بالواقع الطائفي، كما في لبنان، هو آني مرحلي إلى أن يتحقق المطلوب من إزالة الاعتبار للطائفية.

لا يجوز بالطبع الانتقال بالتصوير من هذا التفريط إلى الإفراط في زعم الغلبة المطلقة للمنطق الطائفي. فجميع هذه الدول قد شهدت نشوء جسور أفقية تجمع شرائح متماثلة ضمن عاموديات الطوائف المختلفة، بل قد ترتقي في حالات قليلة إلى تغليب صادق للهوية الجامعة على الهوية الطائفية. هذا حال بعض الأوساط الشبابية المدينية من الطبقات القادرة على الاستهلاك الكمالي، والتي تجري مراعاتها بالتالي، بما يتجاوز حجمها الفعلي، في الإنتاج الفني والفكري. وهذا الإنتاج يبرز كدليل ظني أو واهم على صعود الهوية الواحدة. غير أن الواقع الذي لا بد من الإقرار به والتفاعل معه هو أنه، فيما يتعدى الاستثناءات، لا تزال الانتماءات الطائفية فاعلة و"تنافسية" في عموم دول المشرق.

كما أنه لمن يعتز بانتمائه الطائفي الحق بألا يجرم لاعتزازه هذا، فإن لمن تجاوز منطق الاعتزاز هذا الحق بأن يخرج عن القيد الطائفي

هذه حقيقة استقرائية وليست تسليما عقائديا. غير أنه ثمة حقيقة استنتاجية مقابلة تتضح من خلال موازنة الواقع بالقيم العالمية، وهي أن ديمومة هذه الدول، واستقرارها ورخاؤها، لا تتحقق إلا بالنظام السياسي العلماني، أي الذي يفصل الدين عن الدولة ويقر بالتعددية المشهودة تاريخيا. والقول هنا بتحقق التعددية لا يتوقف عند حضور الطوائف المختلفة وحسب، بل يشمل أيضا الغياب التلقائي للقراءة السياسية الواحدة حيث لطائفة ما، كما الشيعة في العراق، أو السنة في سورية، الغلبة العددية. نعم، ثمة من يرى خلاف ذلك من الإسلاميين، وثمة من يعتبر أنه قادر على إثبات قناعته في حال جرت الانتخابات الحرة النزيهة. ما هو أقرب إلى الرجحان من منظور اليوم هو أنه كلما اقتربت الانتخابات من الحرية والنزاهة، كما يتجلى في العراق، كلما تبين الوهن في هذا الزعم. ولا حاجة للادعاء بأنه طرح خاطئ، بل لأصحابه أن يعملوا ما شاءوا على تأكيد صوابه. ولكن، إلى أن ترسو السياسة في المشرق على النظم المستقرة الواضحة، فإنه لا تسليم بأن صوت العقائديين من الإسلاميين ينطق بموقف عموم المسلمين، بل هو صوت أقلية عقائدية، ذات تأثير لاستدعائها الهيبة الدينية، ينحسر مع اتضاح البدائل.

والسبيل إلى الاستقرار، بما يسمح بفرز المواقف على أساس صناديق الاقتراع لا التأكيدات العقائدية الصادحة، قد يكون بعدم سحب الطائفة من التداول الخطابي والسياسي، لما في ذلك من إتاحة للخطاب التأحيدي القسري في ظل الاستبداد، سواء من السلطويين أو من الذين يسعون إلى القيام مقامهم باسم الدين. الهويات الطائفية مترسخة وبناءة وما من مبرر، لا تاريخي ولا نظري، لاعتبارها على النقيض من الهوية الوطنية الجامعة، بل قد يكون الأنسب إعادة تأطير التعبير عنها ليندرج في إطار الثروة التعددية للوطن، لا في سياق التفاضل والتفاخر. فالتعبير الطائفي الرصين في العلن قد يكون العلاج للعصبية الطائفية المتشنجة في السر.

اقرأ للكاتب أيضا: الحالة السنية في المشرق (1): مقدمة في الأبعاد الدينية

على أن ثمة شرط يقتضيه الإنصاف. كما أنه لمن يعتز بانتمائه الطائفي الحق بألا يجرم لاعتزازه هذا، فإن لمن تجاوز منطق الاعتزاز هذا الحق بأن يخرج عن القيد الطائفي. في لبنان، حيث النظام الطائفي حقيقة يجري التصريح بها، اقتراح تكرر بأشكال وأسماء مختلفة على مدى العقود الماضية، وهو إنشاء ما أسماه الراحل الكبير ريمون إدة في خمسينيات القرن الماضي "طائفة الحق العام". الانتماء إلى هذه الطائفة العتيدة طوعي، وهويتها الذاتية تتجاوز الطوائف، بغض النظر عن تدين من قد ينتمي إليها أو عدم تدينه.

المقايضة المنصفة التي قد تطرح على الأجواء الطائفية هي الانتهاء من اعتبار الطائفية حالة عابرة، أي إعادة تأهيل الطوائف كجزء من النسيج الاجتماعي الوطني، يقتضي المراعاة والمحاصصة في أكثر من موقع، مقابل إفساح المجال لطائفة حق عام، يقرر المنتمين إليها شكل أحوالها الشخصية، لتتحقق في المشرق صيغة جديدة للعلمانية تقف فيها الدول بالفعل على مسافة واحدة من جميع الطوائف، وتقر بحق المواطن بألا تكون هويته قسرا طائفية.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG