Accessibility links

نعمة الكبرياء ونقمة الغرور


إزالة صورة حسني مبارك من أحد شوارع مدينة الإسكندرية خلال ثورة 25 يناير 2011

بقلم رياض عصمت/

سمعت حوارا مع مصطفى الفقي الذي سبق أن عمل سكرتيرا للمعلومات مع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، قال فيه ما مفاده: "يبدأ الرؤساء مناصبهم عادة بتواضع وزهد، ثم يتغيرون. كان مبارك مصمما لدى استلامه الرئاسة ألا يبقى في منصبه سوى دورة رئاسية واحدة، لكن حاشية الرؤساء تزين لهم بتملقها صورة ما يلبثون أن يستمرؤونها".

وأضاف الفقي قائلا: "تكمن المشكلة في تحول الرئيس إلى زعيم، بحيث يعتقد أن كل ما يقرره ويقدم عليه هو الصواب بعينه، وأن أي شخص يهمس له بالحقيقة الموضوعية إنما يؤرقه ويزعجه ويكدر مزاجه".

إن الكبرياء نعمة في النفس البشرية تثير الاحترام والتقدير، لكنه يمكن بسهولة أن يتحول عند أي مدير أو وزير إلى نقمة تنم عن الغرور.

نلاحظ أنه كثيرا ما توزع الحقائب الوزارية على أشخاص لا علاقة لهم بمجالات عمل وزارتهم، وذلك نتيجة انتمائهم للحزب الحاكم أو لأحزاب تنضوي تحت ائتلاف حكومي، وليس حسب مؤهلاتهم العلمية أو كفاءاتهم المهنية. لذلك، يلج بعض هؤلاء مكاتب وزارتهم بتواضع ووجل، معتمدين على مستشارين يعوضون عن الخبرة التي يفتقدونها ليسدوا لهم النصح الأمين. ما أن تمضي بضعة أسابيع أو شهور قليلة إلا ويركب في عقول أولئك المسؤولين الأغرار أنهم يملكون مفاتيح المعرفة، وأنهم جهابذة في اختصاص وزاراتهم، وكثيرا ما يعزلون المستشارين الذين علموهم، أو يطيحون بمعاونيهم ممن أمضوا عمرا من الخبرة في مجالات عملهم.

لا شك أن الدعاية والإعلام يلعبان دورا مهما في تهيئة المسؤول لتصديق عبقريته

تكمن المشكلة في اقتناع الجالس على الكرسي بامتلاكه الحكمة المقدسة التي لا يخالطها باطل، بحيث يتعنت في رأيه بغرور صلف، رافضا كل ما يخالف مزاجه، ومستسيغا ما يهمس به في أذنيه ثلة المغرضين الذين يغلفون نفاقهم الممجوج بورق "سيلوفان" براق ومغر من المحاباة والتملق والتمجيد. لذلك، لا يسمح في دول أوروبا الغربية والبلدان الإسكندنافية باحتكار أي منصب من قبل أي إنسان، مهما بلغت قدراته. إن المناصب تبادلية، والجميع خاضع لقانون المحاسبة على الأداء، من أصغر موظف إلى أعلى مسؤول. إن العمود الفقري للديموقراطية في المجتمعات المتطورة هو في الانتقال السلس للناس في تقلد المناصب، وتطوير العمل عبر تبديل الخبرات بين مسؤول وآخر، مما يشكل ركيزة أساسية ضامنة للإصلاح.

لا شك أن الدعاية والإعلام يلعبان دورا مهما سواء في تهيئة المسؤول لتصديق عبقريته أم في إقناع الناس الآخرين بوجوب الاستسلام المطلق لحكمة ذلك المسؤول الجديد. فالإعلام الموجه يصيغ الأمور على هواه، نقيضا لما يفعل الإعلام الحر. بالتالي، فإن صاحب منصب جديد قد يلمع حتى يخال الناس تعيينه بمثابة نعمة إلهية من قبل السماء. لكن بمجرد أن تتجمع غيوم غضب على أدائه، تبدأ أسافين عجيبة مفاجئة تضرب في سمعته وتشكك في نزاهته تمهيدا لإقصائه وعزله. هكذا، يجد الشخص الذي كان يحلق فوق السحاب عن طريق تمجيد غير مستحق، يسقط من عل إلى حضيض لم يخطر له على بال من دون أن يرتكب ذنبا يذكر. إنها لعبة الإعلام الموجه الذي تحركه قوى أمنية خفية، تمهد تارة لبريق مسؤول كأنه نجم يضيء سماء الوطن، ثم تحطيم ذلك المسؤول نفسه بعد حين وكأنه شهاب يهدد سلامة ذلك الوطن.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف صور شكسبير جنون الطغيان

هناك مسرحية رائعة للمؤلف المصري سعد الدين وهبة عنوانها "يا سلام سلم.. الحيطة بتتكلم" تصور مزارا وهميا يستغله شخص نصاب وامرأته للكسب من الناس، إذ يتحول صوتها القادم من وراء الجدار إلى إيمان مطلق لديهم، ينصتون له ويتبركون به. في البداية، تنطق المرأة بالحقيقة المطلقة كضمير للشعب، وتكسب اقتناع المؤمنين بمعجزة ذلك الصوت الحكيم الغامض الذي يعتقدون أن أحجارا تنطق به لتتنبأ بالمستقبل وتدلهم على طريق الصواب. لكن السلطة تدرك سر لعبة تلك المرأة وقرينها، فتشتري ضميرهما وتوظفهما لخدمة أغراضها.

قصد سعد الدين وهبة في تلك المسرحية أن يوحي رمزيا إلى قدرة الإعلام على تضليل عقول الناس، وإلى تلاعب السلطة به ليهيمن على العقول والأفئدة، مشيرا إلى انفضاض الشعب بعد حين عن ذلك الصوت الذي كان يعبر عنهم عندما يلاحظون تغيره ليتبع من لا يضمر الخير لهم. أذكر أن الممثلة القديرة سميحة أيوب لعبت بطولة هذه المسرحية بتألقها المعتاد، مؤدية دور صاحبة الصوت الذي كان يوحي للناس بالحقيقة، ثم يتحول إلى ترويج الأباطيل بأوامر سلطوية، تؤدي إلى عدم تصديق أبناء الشعب لما باتوا يسمعون.

هناك مسرحية رائعة أخرى للمؤلف السوري وليد إخلاصي عنوانها "مقام إبراهيم وصفية"، تشبه إلى حد ما مسرحية شكسبير "روميو وجولييت"، إنما بإطار شرقي محض. تدور حبكة تلك المسرحية حول صراع بين عائلتين متناحرتين يؤدي في النهاية إلى أن يدفن عاشقان متحابان في قبر من الحجر وهما على قيد الحياة. إنها حبكة مأساوية مفجعة تحرض المتفرج على شجب الأحقاد التي تدفن المحبة وتزرع الفرقة والعداوة والخلاف بين الأشقاء.

إن الإنسان حسب النظرية الوجودية حر ويتحمل مسؤولية أفعاله، لأنه مخير لا مسير

الطريف، أن الصديق وليد إخلاصي روى لي كيف دأب عديد من مشاهدي المسرحية على سؤاله: "أين يقع مزار إبراهيم وصفية؟" كان يجيب ضاحكا: "في خيالي". أوحت براعة مسرحيته للمشاهدين بمصداقية وجود مزار دفن فيه عاشقان وهما على قيد الحياة، خاصة في زمن بدأت تتجمع فيه سحب الطائفية تدريجيا عن طريق المحسوبية والاستغلال البشع اللذين أديا في ما بعد إلى نزيف الدماء العبثي من أبناء وطن واحد عاش شعبه قرونا عديدة من التسامح والتعايش والانسجام.

توجد استثناءات قليلة في بعض الدول الغربية المتقدمة ذات التعددية السياسية والإعلامية لظاهرة الترويج الإعلامي للحتمية في العالم العربي، ورفض نزعة التغيير، وتزيين ضرورة رضا المحكوم عن الحاكم الذي أرسله القدر وكأنه نعمة إلهية يجب أن تواجه بالحمد والشكر طوال الحياة وحتى الممات. بالتالي، صار الاستمرار في النهج ذاته عبر عقود من الزمن يعتبر أمرا بديهيا ومنطقيا، بينما يشكل طرح أي بديل عما هو قائم انتهاكا صارخا لما هو طبيعي وآمن بحيث يهدد بكارثة قومية كبرى.

اقرأ للكاتب أيضا: هل نشعر بالخوف والشفقة في عصر التكنولوجيا؟

على نقيض دول العالم المتقدمة، نلاحظ تجاهلا في الأنظمة الشمولية للمقولة الوجودية التي تؤكد أن خيارات الإنسان وحدها هي ما يملي النتائج المستقبلية، سواء أصاب فيها أم أخطأ. إن الإنسان حسب النظرية الوجودية حر ويتحمل مسؤولية أفعاله، لأنه مخير لا مسير.

دأب الإعلام الموجه على القيام بعكس ذلك، فهو يعتبر أولا أن سلوك المسؤول ـ على مختلف درجات المناصب ـ هو التصرف الوحيد السليم، لأن الظروف المحيطة به تجبره على اتخاذ قراراته، ولأنه حكيم زمانه. من جهة أخرى، نجد الإعلام يحترف تمجيد الأشخاص وتحويلهم إلى رموز، ثم تحطيمهم عندما تأتي أوامر خفية لتوعز بذلك.

في المجتمعات المتقدمة، من الملاحظ أنه ألغي وجود وزارات الإعلام، وترك للصحافة المطبوعة والمسموعة والمرئية حريتها في التعبير والتنافس في ما بينها على إقناع الناس، وإن كان ذلك يؤدي أحيانا إلى تشويش المواطن. أما وزارات الثقافة، فأبقي عليها، وأعطيت مزيدا من النفوذ والدعم. مسك الختام، إن المسؤول الناجح هو من يتذكر تلك العبارة التي خطت في لوحة على جدار مكتبه، ومفادها: "لو دامت لغيرك، ما وصلت إليك".

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG