Accessibility links

نفاق ناصع


نحن، باختصار، أيقونة التناقض ومثال ناصع للنفاق الاجتماعي

ابتهال الخطيب/

سبق أن أثار تصريح لعادل إمام بعدم قبوله احتراف ابنته للفن احتراما لعاداتهم الأسرية جدلا واسعا في الأوساط الفنية، التي اعتبرت التصريح جارحا لبقية الفنانات المزاولات للمهنة. وكان أن أطلق سعيد صالح تصريحا مشابها من حيث عدم قبوله بأن تؤدي ابنته مشاهد معينة على الشاشة حتى لو كان هو قد قام بمثلها.

حضرني الموضوع وأنا أقرأ حول قضية رهف القنون، والتي سبقها عدد من القضايا المشابهة في منطقة الخليج العربي تحديدا، ومنطقة الشرق الأوسط عموما، لنساء من مختلف الفئات العمرية يعانين من تسلط ذكوري وقمع اجتماعي وقانوني بسبب تقاليد وعادات بل وقوانين بنيت كلها على ذكورية شوفينية بحتة.

الرابط بين موضوع ابنتي الفنانين وقضايا رهف وغيرها من الفتيات والسيدات في الوطن العربي، وهو عامل "النفاق الاجتماعي" الذي نعيشه اليوم والذي يتسبب في شرذمة نفسيات وأفكار العديد من شباب وشابات القرن الحادي والعشرين، هؤلاء الذين كبروا في عالم مفتوح، والمطلعون تماما على تفاصيل حياة غيرهم من أبناء جيلهم الذين يعيشون في النصف الآخر من الكرة الأرضية، والمدركون لحجم الحرية التي يعيشها نظراؤهم والتي حرموا هم وأجيال سبقتهم منها.

اقرأ للكاتبة أيضا: اعتذار

أدرك هؤلاء أن حيواتهم ملك لهم، وأن حق تقرير المصير هو حق إنساني يجب ألا تسلبه عادات أو تقاليد وألا يهدده خوف أو وجل. نعيش نحن حياة منفتحة على العالم، ونصيّف في ربوع أوروبا، ونرسل أبناءنا للدراسة في الخارج، ونستورد المنتجات الغربية ونتواصل مع العالم من خلال تكنولوجيا متطورة نستوردها من الغرب كذلك، إلا أننا في الوقت ذاته نرفض أن يعيش أبناؤنا بعقولهم المتأثرة بهذا المحيط والمعجونة بمعطياته وتبعاته، ونفرض عليهم طوقا حديديا صارما من العادات والتقاليد والعيب والحرام. طوق لم يعودوا هم يرونه أو يستشعروا له قدسية، طوق شبوا عنه وتحررت رقابهم منه بعد أن رأت ما رأت من تنوع العالم وتطور فكره الإنساني والحقوقي.

ليست قضية رهف أو بقية الفتيات الهاربات من ذكورية الشرق الأوسط إلى محاولة عدالة الغرب (البعيدة تماما عن أي درجة من الكمال) منحصرة في هذه النقطة بكل تأكيد، ليست هي نتاج النفاق الاجتماعي الذي نعيشه في حيواتنا اليومية فقط، إنما هي نتاج جذور شوفينية ضاربة في العمق، وتراث أو تفسير ديني ضارب في التمييز الجنسي، وعادات وتقاليد ضاربة في الذكورية، هذا إلى جانب الخوف؛ خوف اجتماعي وسياسي بل واقتصادي من تحرر المرأة واستكمالها لمواطنتها وإنسانيتها.

يخرج علينا ممثلون كبار قضوا أعمارهم تقديما للفن مع زميلات لهن ليعلنوها صريحة بلا خشية أو خجل أن ذات الفن هذا لا يليق ببناتهن
يخرج علينا ممثلون كبار قضوا أعمارهم تقديما للفن مع زميلات لهن ليعلنوها صريحة بلا خشية أو خجل أن ذات الفن هذا لا يليق ببناتهن

إلا أن النفاق الاجتماعي هو نقطة أثقل مما نزنها به، وأخطر مما نقيمها، وأشد تأثيرا عن بقية ما عداها من نقاط وأسباب رغم بساطة مظهرها على خارطة مشاكلنا الاجتماعية والثقافية.

نحن نتفرج على الرقص ونحرمه، نعشق السينما والتلفزيون ونرفض امتهان أبنائنا لفنونهما. نبيح لأبنائنا الذكور غير ما نبيح للبنات خوفا لا من إله أو مبدأ ولكن من كلام الناس. نلبس حين نسافر غير ما نلبس في بلداننا. نقول غير ما نفعل ونظهر غير ما نعتقد ونفكر.

نحن مجتمع عربي إسلامي يصلي ويصوم ويملأ المساجد ومقار تحفيظ القرآن والجمعيات الخيرية والأحزاب الدينية، إلا أنه الأكثر إغراقا في الفساد واستخدام الواسطة والكذب وعدم احترام الوقت وعدم احترام الآخر أثناء القيادة والأكثر ممارسة للتدليس والغش.

نحن مجتمع عربي إسلامي مغرق في المحافظة، والأكثر حديثا عن الشرف والعرض وتقديسا للتغطية والحشمة، إلا أنه الأكثر ارتفاعا لنسبة التحرش بالنساء في العالم أجمع.

نحن شعوب تدقق جدا على صحة وضوئها ودقة صلاتها ونقاء صيامها، إلا أننا الأكثر عنصرية وطائفية بين شعوب العالم، بل وفئوية وطبقية، حيث لا تزال أصالة الدم، خصوصا في منطقة الخليج، عاملا قاطعا في تحديد العلاقات الاجتماعية، وحيث لا يزال الفقر عيبا، وحيث لا "يسخر قوم من قوم" كما نسخر نحن، وحيث لا يتمنى للآخرين "سوء المنقلب في المال والأهل والولد" كما نتمناه نحن خصوصا تجاه المسيحيين واليهود الذين ندعو عليهم بعد كل صلاة، وحيث الزواج بين الشيعة والسنة، دع عنك بين المسلمين وغير المسلمين، معضلة اجتماعية وثقافية وأحيانا قانونية.

نحن، باختصار، أيقونة التناقض ومثال ناصع للنفاق الاجتماعي، نفاق لربما خلقه تاريخنا الصعب، وواقعنا العسير، وظروفنا السياسية المعقدة، وصراعاتنا الدينية السياسية المستمرة، نفاق تعايشنا معه واعتدناه حتى أصبح واقع حال، لا أحد يستشعره أو يستنكره أو يخشاه، حتى ليخرج علينا ممثلون كبار قضوا أعمارهم تقديما للفن مع زميلاتهم ليعلنوها صريحة بلا خشية أو خجل أن ذات الفن هذا لا يليق ببناتهم، بنات العائلات المحافظة والأسر الملتزمة؛ أي اضطراب فكري يعبر عنه هذا الرأي وهو، يفترض، أنه قادم من أكثر فئات المجتمع تحررا وثقافة؟

لا أحد يعرف بالضبط تفاصيل قصة رهف، ولا يمكن التسرع بالحكم على أهلها، وهذا ليس دورنا على كل حال ولا هو المطلوب منا. رهف فتاة في مقتبل العمر، خرجت، بإرادتها، فارة من حياة لا ترغب بها وإن كانت حياة معقولة ومريحة. هي فتاة يمكن لها أن تتزوج وتنجب طبقا للعرف الاجتماعي والقانوني في بلداننا، وعليه، يحق لها أن تتخذ قرارات مصيرية في حياتها. فإن كان اختيارها هو مغادرة حياتها الحالية، هي أو غيرها من الفتيات اللواتي انتشرت قصصهن مؤخرا، فعلى العالم أن يؤمنهن ضد أي عنف قد يحيق بهن أو ضد أي تهديد لأمنهن أو قسر أو قمع في حيواتهن.

اقرأ للكاتبة أيضا: مفتاح

أما صحة أو خطأ قرارات هؤلاء السيدات ومدى تأثير هذه القرارات اجتماعيا أو عائليا، تلك كلها تبعات لا تخص العالم ويجب ألا تكون عوامل مؤثرة في قرار حماية هؤلاء النساء.

لقد تغيرت الدنيا، ومعها أقبل جيل لم يعد يرضخ، جيل مصرّ أن يحيا الحياة التي يختارها. فتيات لم يعدن يرضين بعادات وتقاليد وقراءات دينية وقوانين مدنية تضعهن في مكانة متدنية أو تعرضهن لقمع أو قسر أو تهديد.

نهاية هذا الصراع واضحة، وعلى دولنا أن تستبق الأحداث وتؤمن مواطناتها ضد كل من يبتغي بهن سوءا أو يبتغي بحياتهن قمعا أو تهديدا.

لقد ولى زمن الرضوخ، وها هي شرارة الحرية تتشبث بخشب الماضي البائد، فإما محاصرة النيران بالعدالة والإنسانية واحترام الحقوق، وإما وببساطة ومباشرة، نحترق جميعا.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)
XS
SM
MD
LG