Accessibility links

ننتظر حكومة نصرالله بفارغ الصبر!


يلتقط صورة لسيارة احترقت خلال هجوم مناصري "حزب الله" و"حركة أمل" على المتظاهرين في بيروت

فارس خشّان/

يملك الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله جوابا عن كل سؤال، وتصوّرا للخروج من أي مأزق، وحلّا لمطلق مشكلة، وثقة غير متناهية بقوة حزبه تعينه على تحدّي الكون، والأهم رؤية اقتصادية من شأنها أن تخلط أوراق النظام العالمي.

ومثله مثل جميع من يملك هذه الرؤية الموسوعية لبلده وإقليمه والكون، يفترض أن يتحيّن نصرالله الفرصة لترجمة نظرياته ومقولاته وأفكاره وتصوراته وتطلعاته، على الواقع.

وها هو الحظ يبتسم له. الثورة التي اندلعت في لبنان، منذ 17 أكتوبر، أبعدت من يقف حجر عثرة في طريقه، فسعد الحريري نأى بنفسه عن قائمة الأسماء التي يمكن تكليفها تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، ووليد جنبلاط أعلن أنه لا يرغب بمشاركة حزبه "التقدمي الاشتراكي" في الحكومة العتيدة، ومثله فعل سمير جعجع، بصفته رئيسا لـ"حزب القوات اللبنانية"، ناهيك بالتخلي المستدام لرئيس "حزب الكتائب اللبنانية" سامي الجميل.

مع انكفاء هذه القوى التي لا تقاسمه نظرته إلى شؤون لبنان وشجونه، يفترض المنطق أن يجمّع نصرالله قواه وحلفاءه وتابعيه، ويسارع إلى تشكيل حكومة تحوّل كلماته أفعالا وتصوّراته قرارات ورؤاه نهجا.

يفترض أن يتحيّن نصرالله الفرصة لترجمة نظرياته ومقولاته وأفكاره وتصوراته وتطلعاته

في الحكومة العتيدة هذه، لن يحول أحد دون التواصل الرسمي مع بشار الأسد، رئيس النظام السوري، من أجل الدخول، في ورشة إعادة إعمار بلاده، من الباب العريض، ومن أجل استعمال المعابر البرية على اختلافها، ودون عقد اتفاقات مع العراق لتصريف المنتوجات الزراعية اللبنانية، ومع إيران لتسليح الجيش وتوفير الكهرباء ومد المصرف المركزي بالعملات النادرة الشحيحة في لبنان، ومع روسيا للنهوض بالقطاع الخاص اللبناني، ومع الصين من أجل استثمار ملياراتها الحائرة، في المشاريع "الممنوعة عليها"، ولا حتى مع كوريا الشمالية أو فنزويلا.

وفي هذه الحكومة العتيدة، لن تكون ثمة خشية من أن تخرج أصوات تحول دون محو إسرائيل من الوجود في غضون سبع دقائق أو سبع ساعات أو سبعة أيام أو حتى سبعة أشهر.

واشنطن ستكون، والحالة هذه، خارج المعادلة اللبنانية كليّا، فليس لديها وزير واحد يتماهى مع إملاءاتها، في حين أنّ أوروبا لن تجد من يهتم بها وبشروطها طالما أن أحدا لن يسأل لا عن "سيدر" ولا عن تعهداته ومساعداته ومشاريعه.

والدول الخليجية تتقدمها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ستكون في أصعب أيامها، فإخراجها من العقل اللبناني إلى الأبد، سيكون أسهل من سحب الشعرة من العجين، فلا حاجة إلى مساعداتها، والبدائل وجدت في سوريا للمستثمرين والعاملين اللبنانيين في دولها.

في الحكومة العتيدة هذه، لن يحول أحد دون التواصل الرسمي مع بشار الأسد

وعلى مستوى المعارضة، لن يكون لها أي صوت في البلاد، فهي مكوّنة من فاسدين تنتظرهم السجون قبل المحاكم، فيما وطأة "الجيش والشعب والمقاومة" ستخرس الجميع، وفق السيناريوهات الإيرانية الانتصارية التي لم تجف دماء آخر فصولها.

إنها الفرصة الذهبية، فلماذا لا ينتهزها نصرالله ومن يسيرون في هدى سياسته؟ لماذا هذا الإصرار على الاشتراك مع المصنّفين عملاء والموسومين بالفساد والمتورطين بمخطط تفقير الشعب منذ ثلاثين سنة؟

يستحيل أن يقبل عاقل بأن يشترك في الحكم مع من يضعون له العراقيل ومع من يرفضون تطلعاته، ومع من يهشّمون رؤاه.

الحريري وجنبلاط وجعجع والجميّل، قالوا، كل من موقعه، وكل انطلاقا من وضعيته، نحن لا نستطيع، بعد اليوم، بالاشتراك مع "حزب الله" وحاملي توجيهاته، أن ننقذ الأوضاع، ونقترح ترك هذه المهمة لطاقات المجتمع المدني التي تجلّت مبدعة ومسالمة ووحدوية ونشطة، لأنها قادرة أن تقدم للعالم صورة جديدة للبنان، وتملك مؤهلات إعادة ضخ الثقة محليا وإقليميا ودوليا، وبالتالي، بمساعدة كل قادر في أي موقع كان، تستطيع أن تستعيد ثقة الداخل، من جهة أولى، وأن تستقطب الاستثمارات الخارجية من جهة ثانية، وأن تزيل القرارات المؤذية، من جهة ثالثة.

أقدم يا "حزب الله". الجميع ينتظر. العالم يحبس أنفاسه

"حزب الله" لا يريد ما يريد هؤلاء. يرفض ذلك. يقاومه. يتحدّاه. ونصرالله قدّم، في المقابل، مطالعته الاقتصادية البديلة، فترك له هؤلاء المجال واسعا حتى ينفّذها. لديه الأكثرية في المجلس النيابي، ورئيس الجمهورية، والآن سيكون لديه كامل مجلس الوزراء.

أقدم يا "حزب الله". الجميع ينتظر. العالم يحبس أنفاسه. أوروبا ومعها روسيا والصين، عجزت عن إيجاد ما يحررها من همينة الدولار ودولة الدولار، وهي الآن، ترجو أن تترجم تصوراتك، حتى تسير على هديها، ومعها فنزويلا التي تستغيث، وإيران التي تجوع، وسوريا التي أخسرتها الأزمة اللبنانية الخانقة رئتها الحيوية، والعراق الذي لم تقو الدماء بعد على ثورته.

أقدم يا "حزب الله" وشكّل حكومتك من دون "عملاء الأمريكان" و"أتباع الخليج" و"ضعفاء أوروبا" و"لصوص المال العام"، فخلاص الكون أصبح أمانة بين يديك.

اقرأ للكاتب أيضا: جبران باسيل "ولي عهد" لبنان

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG