Accessibility links

نهاية عراق الشيعية السياسية


يجب أن يشق فتية الثورة طريقهم إلى البرلمان لمسح لحظة الذل هذه، ولإعادة الماء إلى وجه هذا البلد الغني والكبير والمهم

حازم الأمين/

إذا كان من ضحية واقعية للحرب غير الواقعية بين طهران وواشنطن فهو العراق، العراق الذي انتهكت سيادته مرتين، والعراق الذي هرع النصف "الشيعي" من برلمانه للتصويت على قرار إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، والعراق الذي بذلت طبقته السياسية كل ماء وجهها على مذبح هذا النزاع، والعراق الذي قبل الإهانة المزدوجة. هذا العراق هو غير عراق الثورة والساحات وعراق فتية الانتفاضة.

ما جرى في جلسة البؤس البرلماني عشية قتل واشنطن قاسم سليماني، كان بؤسا مضاعفا. هتف نواب الأمة لجنرال إيراني كما يهتف قطيع لكرازه. لم يكترث ممثلو الأحزاب الشيعية إلى غياب شركائهم السنة العرب والأكراد، لم يكترثوا إلى شبان الساحات والجسور المطالبين بحياة أفضل وبجوع أقل. ساقهم الهلع إلى الانفصال عن العراق وعن أنفسهم. هتفوا لسليماني في البرلمان. جرى ذلك تحت أنظار العالم. كل العالم.

سبق الجلسة إقدام واشنطن على قتل سليماني، وعلى الإعلان عن أنها قتلته بالقرب من مطار بغداد، وأعقب ذلك قصف طهران مواقع في العراق بصواريخ بالستية، أصابت، أو لم تصب شيئا.

من يعرف العراق، العراق العميق، يعرف أن هذا المآل لا يستقيم

إنها إحدى النهايات الكثيرة لهذا العراق، علما أن هذا الأخير كان استأنف محاولات استيقاظ مذهلة قام بها شبان المدن الشيعية حين انتفضوا على الحكومة الشيعية وعلى البرلمان الشيعي وعلى القوانين الشيعية المجحفة، وعلى سلطة أحزاب الشيعة الفاسدين.

لماذا وصل سليماني إلى مطار بغداد في تلك الليلة؟ لم يصلها كضيف! ولماذا كان متاحا لطائرة أميركية أن تستهدفه قرب المطار؟ علما أنها لم تستأذن أحدا عندما قتلته على أرض العراق! ولماذا أرسلت طهران تلك الصواريخ البالستية البائسة إلى البلد الذي هتف برلمانه لجنرالها قبل يوم من فعلتها؟ هذا العراق المصاب بسيادته وبكرامته عليه أن يجيب على هذه الأسئلة، وأن يشعر بأنه معني بتوضيحها لأهله.

الرحلة من عراق قيس الخزعلي إلى عراق ساحة التحرير يجب أن تمر على هذه الأسئلة وأن تبحث لها عن إجابات. هذه النخبة السياسية المرتهنة والضعيفة الحساسية حيال سيادة البلد الذي تمثله، يجب أن ترحل فورا. يجب أن يشق فتية الثورة طريقهم إلى البرلمان لمسح لحظة الذل هذه، ولإعادة الماء إلى وجه هذا البلد الغني والكبير والمهم.

لم يكترث ممثلو الأحزاب الشيعية إلى غياب شركائهم السنة العرب والأكراد، لم يكترثوا إلى شبان الساحات

عبرت الصواريخ البالستية من فوق رؤوس أهل البرلمان، وقبلها كانت عبرت الطائرة التي قتلت سليماني، وقبلها كانت أيضا قد عبرت الطائرة التي تقل سليماني! أي سيادة هذه يا نواب الأمة؟ وأي عراق هذا الذي تسعون إليه عندما وافقتم على التصويت على قرار لم يشترك معكم فيه شركاؤكم السنة والأكراد؟ كانت لحظة الحقيقة في حينها. لحظة حقيقتكم. ضعف حساسيتكم وضعف رغبتكم في العيش مع شركاء لن يستقيم العراق من دونهم.

وفي لحظة الهلع تلك، صمت الجميع. كلمة يتيمة من رئيس البرلمان أشار فيها إلى أن القرار كان شيعيا وليس عراقيا، لم يتوقف عندها أحد منكم!

النواب مرتهنون بالكامل وثوار الساحة أحرار بالكامل. هذه هي المعادلة. لقد أخذتم العراق إلى أسوأ مما كان الطاغية قد وضعه فيه. أضفتم إلى دموية الطاغية وفساده بعدا جديدا يتمثل في ضعف في الكرامة الوطنية، وارتهانا لدولة أخرى، ولدول أخرى.

من يعرف العراق، العراق العميق، يعرف أن هذا المآل لا يستقيم. يعرف أن جزءا من شعور العراقي بنفسه ينطوي على قدر من عراقية متضخمة لا تنسجم مع مشهد الهتاف لسليماني في البرلمان! فمن أين أتى هؤلاء بكل هذا الهوان؟ الطاقة على المهانة هي امتداد لممارسة خضعوا لها في زمن سبق وصولهم إلى البرلمان، وسبق تتويجهم قادة لحشود الله ولأحزابه وعصائبه.

النواب مرتهنون بالكامل وثوار الساحة أحرار بالكامل

لقد أعلنت أحزاب الشيعة في يوم التصويت استعدادها للعيش لوحدها. لم تكترث لشركائها، والأهم أنها لم تكترث للعراق.

كانت فزعة كاشفة لحقيقة الهوية المتشكلة من مزيج من الولادة في دولة الطاغية، ومن النشأة في ظل استتباع الجنرال الإيراني، وبينهما علاقة فصامية مع مُحتلٍ ومحررٍ في آن، عبر عنها خير تعبير شريط فيديو وزعه شباب ساحة التحرير، في نصفه الأول يشكر نوري المالكي واشنطن على تحريرها العراق، وفي نصفه الثاني يهددها بوصفها دولة محتلة!

الأرجح أن المواجهة بين واشنطن وطهران أخذت حجمها. الخسائر واضحة، والخاسر الأكبر هو العراق. المحنة كبيرة، وبغداد اليوم في مهب أزمة تتراوح بين احتمالات عقاب ستفضي إلى مزيد من الإفلاس، والتحاق بالكامل بـ"المحور" مع ما يجره ذلك من جوع مضاعف.

فرصة العراق الوحيدة هي ساحة التحرير.

اقرأ للكاتب أيضا: عام بغداد وبيروت وكارلوس غصن

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG