Accessibility links

"هلع" اقتصادي في لبنان.. وناشطون: الأزمة "متعمدة" للضغط على المتظاهرين


لبنانيون يشترون المواد الغذائية تحسبا لتدهور الأوضاع في البلاد

في أحد المتاجر الكبرى في بيروت، تضع سناء أكياسا من الفاصولياء فوق كومة من المواد الغذائية الأخرى في عربتها على غرار آخرين توافدوا لشراء الحاجيات الأساسية خشية من انقطاعها أو استباقا لارتفاع حاد في أسعارها، في خضم موجة احتجاجات غير مسبوقة ضد الطبقة السياسية في لبنان.

وتقول سناء المرأة الأربعينية التي فضلت إعطاء اسم مستعار لأنها موظفة حكومية: "لا أذكر أننا قمنا بالتمون بهذه الطريقة من قبل .. نحن مخنوقون، نتمون تحسبا للأيام المقبلة والمرحلة الضبابية التي تنتظرنا".

ويتهافت المستهلكون إلى برادات اللحوم والأجبان وقسم الخضار والفاكهة ويملؤون الممرات المخصصة للحبوب والمعلبات، فيما تخلو ممرات أخرى للكماليات، مثل المشروبات الكحولية والحلويات من الزبائن.

وتضيف سناء التي كان ولداها يلعبان حولها في ممرات المتجر ويناديانها بين الحين والآخر "في السابق كنت كل ما آتي إلى السوبرماركت، أقول لأولادي: اشتروا ما تريدون، أما الآن فممنوع عليهم سوى اختيار شيء واحد فقط لأنني أريد أن أشتري المواد الغذائية فقط".

وتخرج امرأة بعربتين مليئتين من المتجر وتفرغ بمساعدة عامل أجنبي، واحدة منها في صندوق سيارتها الذي تحول بذلك إلى مخزن لعبوات المياه البلاستيكية قبل أن تنقل باقي الأغراض إلى مقاعد السيارة.

ويقول أنطوان ديراني، 63 عاما، الذي ملأ عربته بمواد غذائية: "نحن نعيش في صلب الأزمة"، مضيفا "نتمون اليوم ليكون لدينا احتياطات في المنزل".

ويعود الرجل الذي غزا الشيب شعره بالذاكرة إلى سنوات الحرب الأهلية (1975-1990) متمنيا ألا تعود تلك الأيام. ويقول: "أذكر تماما كيف كنا نقف في الصف ونترجى البائعين للحصول على ربطة خبز فقط".

مواطن لبناني يتزود بالمواد الغذائية خشية تدهور الأوضاع في البلاد
مواطن لبناني يتزود بالمواد الغذائية خشية تدهور الأوضاع في البلاد

في لبنان، ارتفاع في أسعار سلع أساسية وأزمة في صرف العملات الصعبة وظهور أسواق موازية وإغلاق محطات وقود، وسط تخوف من إغلاق المستشفيات، أزمات اقتصادية تتزايد وسط أمل ضئيل بحل قريب.

وبدأت التحركات الشعبية، غير المسبوقة في لبنان أساسا بسبب ازدياد الوضع الاقتصادي سوءا ومعارضة المواطنين لزيادة الضرائب عليهم، وتخوفهم من تدهور قيمة الليرة، ليطالب المحتجون بالقضاء على أوجه الفساد وتحسين الظروف المعيشية.

وتسود حالة من الخوف بين المواطنين غير القادرين على تحصيل ما يريدون من ودائعهم المصرفية مع تشديد المصارف إجراءات الحد من بيع الدولار والخشية من زيادة ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

ويواجه لبنان بالفعل أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الأهلية، وتفاقمت هذه الأزمة مؤخرا، ما ينذر بأزمة طويلة الأمد خاصة مع تعمق معاناة اللبنانيين اليومية.

ويرى البعض بأن الأزمات التي تعصف بلبنان "متعمدة" من قبل الحكومة للضغط على المتظاهرين وتحميلهم سبب ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية.

وقال مغرد آخر يحمل حسابه اسم محمد الأمين إن "الشعب والثورة ليسا مسؤولان عن شلل أي قطاع في الدولة بل تتحمل ذلك الوزارات، ولا ينبغي أن تحيل فشلها إلى الشعب".

أزمة أسعار

بات التجار غير القادرين على الحصول على الدولارات من المصارف يتلاعبون بالأسعار ويبيعون بضائعهم بسعر الصرف الذي يناسبهم.

وطال ارتفاع الأسعار العديد من المواد الغذائية من البيض إلى اللحوم والأجبان والألبان، والخضار بنسب مختلفة.

ويتوافد اللبنانيون إلى المؤسسات التجارية الضخمة للتموين خشية انقطاع البضائع وتحسبا لارتفاع جديد في أسعارها.

ويبلغ سعر الصرف الرسمي حاليا 1507.5 ليرات مقابل الدولار الواحد، لكنه ارتفع منذ مطلع أغسطس ووصل في السوق الموازية إلى 1800 ليرة للمرة الأولى منذ 22 عاما.

أزمة في المصارف

وللمرة الأولى منذ أكثر من عقدين من الزمن، ظهرت خلال الصيف سوق صرف موازية يباع الدولار فيها أحيانا بقيمة تصل إلى 1800 ليرة، فيما لا يزال السعر الرسمي لليرة ثابتا على 1507.

ويمكن استخدام الدولار في لبنان بالتوازي مع الليرة في العمليات المصرفية والتجارية كافة، لكن في الأسابيع الأخيرة، بات من شبه المستحيل سحب الدولار من أجهزة الصرف الآلي، كما فرضت المصارف قيودا على عمليات سحب الأموال بالدولار والتحويل من الليرة إلى الدولار، رغم أن مصرف لبنان المركزي لم يعلن عن أي قيود رسمية على رؤوس الأموال.

واتخذت المصارف اللبنانية إجراءات للحد من بيع الدولار وفرضت خلال الأسبوع الحالي قيودا إضافية بعد توقف دام أسبوعين جراء الاحتجاجات الشعبية.

لبنانيان يستخدمان آلة السحب النقدي وسط إجراءات مشددة فرضتها البنوك على سحب الدولار الأميركي
لبنانيان يستخدمان آلة السحب النقدي وسط إجراءات مشددة فرضتها البنوك على سحب الدولار الأميركي

ولم يعد بإمكان المواطنين الحصول على الدولار من الصراف الآلي، بينما يطلب منهم تسديد بعض مدفوعاتهم من قروض وفواتير بالدولار.

وخلال الأسبوع الماضي، تداول مواطنون مقاطع فيديو عدة تظهر مشاجرات مع موظفين في المصارف لعدم السماح لهم بسحب ما يريدون من مبالغ بالدولار، أو لعدم قبول المصارف أن يدفعوا مستحقات قروضهم بالليرة اللبنانية.

أثار الأمر حالة هلع لدى المواطنين الذين ارتفع طلبهم على الدولار كونهم يسددون أقساطا وفواتير عدة بهذه العملة، ولدى أصحاب محطات الوقود ومستوردي الدقيق والأدوية الذين يدفعون فواتيرهم بالعملة الخضراء.

وقال أحد المغردين ساخرا: "كنا نطالب باسترجاع الأموال المنهوبة، أصبحنا نطالب باسترجاع أموالنا من البنوك".

لكن سليم صفير رئيس جمعية مصارف لبنان قال في مؤتمر صحفي، السبت، بعد اجتماع مع الرئيس ميشال عون ووزيري المالية والاقتصاد وحاكم مصرف لبنان ومسؤولين آخرين بشأن الوضع الاقتصادي في البلاد إن أموال المودعين محفوظة ولا داعي للهلع"، في محاولة لتهدئة المخاوف المتعلقة بالقيود على بعض عمليات السحب والتي فرضت منذ خروج احتجاجات على مستوى البلاد.

وتغلق المصارف أبوابها مجددا يومي السبت والاثنين بمناسبة عيد المولد النبوي برغم أن العطلة الرسمية الاثنين فقط، في خطوة رأى مراقبون أن الهدف منها قد يكون التخفيف من الضغط عليها.

وخارج البنوك، شارك الناس في احتجاجات عديدة ضد سياسات المصارف والتي يتهمونها بالفساد، ويقولون إنها تسببت في حرمان الأفراد العاديين من القروض مع ارتفاع معدلات الفائدة.

شارك الناس في احتجاجات عديدة ضد سياسات المصارف والتي يتهمونها بالفساد
شارك الناس في احتجاجات عديدة ضد سياسات المصارف والتي يتهمونها بالفساد

وزادت الأمور سوءا بعدما نشرت صحيفة محلية مقتطفات من تقرير رسمي الشهر الماضي أشارت إلى أن لبنانيين بارزين استفادوا من قروض إسكان مدعومة.

المستشفيات تتوقف

وأعلنت المستشفيات اللبنانية أنها ستتوقف عن استقبال المرضى ليوم واحد، نهار الجمعة المقبل، كإجراء تحذيري، في حال لم تستجب المصارف خلال مهلة أسبوع لطلبها تسهيل تحويل الأموال بالدولار الأميركي لشراء مستلزمات طبية، في وقت تمرّ البلاد بأزمة مالية خانقة تتسم بنقص الدولار.

ومنذ أغسطس، حدت المصارف تدريجيا من عمليات بيع العملة الخضراء التي ارتفع سعر صرفها في السوق السوداء.

وأغلقت المصارف أبوابها في الأسبوعين الأولين من حراك شعبي مستمر منذ 17 أكتوبر يطالب برحيل الطبقة السياسية كلها بعد أن بدأ على خلفية مطالب معيشية.

وإضافة إلى شح الدولار، تعاني المستشفيات وفق نقيب المستشفيات في لبنان سليمان هارون، من نقص السيولة لديها "جراء تأخر المؤسسات الضامنة (العامة) في سداد المستحقات المتوجبة منذ عام 2011 والتي تجاوزت قيمتها 2000 مليار ليرة لبنانية".

ويضيف أن المستشفيات أصبحت "غير قادرة على سداد مستحقات مستوردي الأدوية والمستلزمات الطبية وهؤلاء بدورهم أصبحوا غير قادرين على استيراد هذه المواد بسبب نقص السيولة".

وحذر من "كارثة صحية كبيرة إذا لم يتم تدارك الوضع فورا" مشيرا إلى أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية الحالي في البلاد "يكفي لمدة لا تتجاوز شهرا واحدا.

محطات الوقود تغلق​

أغلقت محطات وقود عدة السبت أبوابها في لبنان مع انتهاء المخزون لديها وصعوبة القدرة على الشراء من المستوردين بالدولار الأميركي وسط وضع اقتصادي متأزم واستمرار التحركات الشعبية ضد الطبقة السياسية.

وأفاد مصور لوكالة الصحافة الفرنسية بإغلاق محطات عدة في بيروت أبوابها بعد انتهاء مخزون البنزين لديها، فيما لا تزال أخرى تعمل إلى أن ينتهي مخزونها.

محطة بنزين مغلقة في العاصمة اللبنانية بيروت في 9 نوفمبر 2019
محطة بنزين مغلقة في العاصمة اللبنانية بيروت في 9 نوفمبر 2019

أزمة في القمح والدواء

على مدى الأيام القليلة الماضية قال مستوردو الوقود والقمح والأدوية إنهم يواجهون صعوبات في تأمين العملة الأجنبية اللازمة للاستيراد.

لكن قناة الجديد نقلت عن وزير الاقتصاد اللبناني منصور بطيش قوله إن حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة أكد أن "اعتمادات النفط والدواء والطحين (الدقيق) مؤمنة".

الحل في تشكيل "حكومة"

حض البنك الدولي لبنان الأربعاء على تشكيل حكومة جديدة سريعا، محذرا من احتمال تزايد الفقر والبطالة في البلاد خلال الأشهر المقبلة.

وقال البنك الدولي في بيان إن "الخطوة الأكثر إلحاحا هي تشكيل حكومة سريعا تنسجم مع تطلعات جميع اللبنانيين".

وصدر البيان بعد لقاء مسؤولين في البنك الدولي الرئيس اللبناني ميشال عون الذي تعهد القيام بإصلاحات لمكافحة الفساد بعد التظاهرات.

وأشار البنك الدولي إلى أنه "كان قد توقع سابقا انكماشا صغيرا في 2019"، أما الآن "فنتوقع أن يكون الركود أكثر أهمية بسبب الضغوط الاقتصادية والمالية المتزايدة".

وحذر من أن "الآتي يمكن أن يكون أسوأ إن لم تتم المعالجة فورا"، فقد "يرتفع الفقر إلى 50% إذا تفاقم الوضع الاقتصادي سوءا"، كما أن "معدل البطالة، خاصة بين الشباب، المرتفع أصلا، قد يرتفع أكثر وبشكل حاد".

من جهته، قال المدير الإقليمي للبنك الدولي ساروج كومار جاه بعد لقائه عون إنه "مع مرور كل يوم، يصبح الموقف أكثر حدة وهذا من شأنه أن يجعل التعافي صعبا للغاية".

وقدر البنك الدولي عدد اللبنانيين الفقراء عام 2018 بحوالي الثلث.

ومنذ استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري في 29 أكتوبر تحت ضغط الشارع، ليس هناك أي بوادر لتشكيل حكومة جديدة يطالب المتظاهرون بأن تضم اختصاصيين من خارج الأحزاب التقليدية.

ولم يدع عون حتى الآن إلى الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس جديد للحكومة. ويجري المسؤولون، وفق ما تنقل وسائل اعلام محلية، لقاءات للتفاهم حول صيغة الحكومة قبل بدء تلك الاستشارات.

XS
SM
MD
LG