Accessibility links

هل آن الأوان للحركات الإسلامية أن تصبح أحزابا علمانية؟


زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي في جامع الزيتونة التاريخي خلال إحياء المولد النبوي

بقلم حسن منيمنة/

كلمة "علماني" بالأصل مصطلح من التراث اللغوي العربي المشرقي المسيحي، في إشارة إلى ما هو من هذا العالم (أو بالتفضيل الإسلامي، من هذه الدنيا، وبالتالي يكون المرادف "دنيوي")، في مقابل "الكهنوتي"، ما هو من اختصاص السلطة الروحية الرسولية المستمدة من الرب. وكما جرى تجيير المقابل الفرنسي لهذه الكلمة للإشارة إلى النظام السياسي المجرد من الوصاية الدينية، تطوّر معنى المصدر الصناعي العربي، "العلمانية" ليشير إلى فصل الدين عن الدولة أي لمنع التداخل بينهما بالمعنى الضيق، أو لإقامة الدولة خارج سلطة الدين الواحد، بالمعنى الرحب. يلاحظ هنا أن الاختيار المغاربي، لاختلاف السياق الفكري الاجتماعي، جاء لصالح "اللائكية" في استعارة مباشرة من الفرنسية، حيث المعنى الضيق هو السائد.

تمكن الفكر السياسي الإسلامي من الطعن بمصطلح "العلمانية" وصولا إلى وصفه بالردة والدين البديل. بل دُفع من يرى الصواب في مضمون العلمانية، في أكثر من مجتمع في المحيط العربي، إلى اللجوء إلى مصطلحات بديلة لتجنب اتهامات الإلحاد والكفر، فأصبحت العلمانية "مدنية" أو "ليبرالية"، لتتهم بالزندقة والنفاق، والأحرى بها أن تبقى "علمانية".

المراجعة لتاريخ الحاكمية وحاضر المرجعية يعطي الأحزاب الإسلامية فرصة لمنافسة نزيهة في المعترك الثقافي، بعيدا عن الإرهاب الفكري منها وعليها

غير أن هذا التقدم السجالي للفكر السياسي الإسلامي ليس انتصارا لمقولة على أخرى، بل تشتيت يفقد مفعوله لحوار لازم على مدى المحيط العربي، حيث يتجاور أصحاب التوجهات الإسلامية (بالمعنى السياسي، مع تجنب استعمال "الإسلاموية" والتي لا يرضى بها الإسلاميون أنفسهم)، وأصحاب التوجهات العلمانية الذين يبقون إبقاء الدين خارج نطاق السياسة.

وإذا كان المفهوم العلماني الضيق يتوخى إقصاء الدين عن السياسة، فإن الصيغة الأكثر انفتاحا من العلمانية لا تتحرج من الدعوة الإسلامية السياسية إن لم تكن بدورها إلزامية، أي لا تفترض حكما بأن السياسة هي وحسب من صلاحية الدين الحصرية.

اقرأ للكاتب أيضا: 'القومية البيضاء'، حيث تتماهى مع الاستعلائية الإسلامية

فالسؤال الذي تواجهه مجتمعات المحيط العربي هو هل أنها بإمكانها إنتاج إسلامية سياسية وعلمانية منفتحة قابلتين للتعايش؟ وقد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى بعض المنطلقات خارج السجاليات، مع الرضا بالخلاف.

رغم الغلبة الإسلامية على القراءة التاريخية للمجتمعات المختلفة في المحيط العربي، فرادى وجماعات، لا يلزم التسليم بالطرح القائل إن شكل الحكم السائد على مدى تاريخ المنطقة كان الدولة الدينية.

القول بالدولة الدينية قد ينطبق في عدة أوجه على حالة الدولة السعودية الأولى مثلا، ولكنه ينتفي في معظم الحالات، وإن كان الزعم خلاف ذلك. واختلاف الإسلاميين أنفسهم على صادقية مضمون طرحهم يكشف ذلك، إذ يعتبر البعض أنها تقتصر على صدر الإسلام، فيما يرى البعض الآخر أنها تمتد إلى العام 1924، عند إلغاء الجمهورية التركية الناشئة لمنصب الخليفة.

قد يكون من المفيد التمييز في الميزان المعتمد لدى الإسلاميين، وإن لم يكن معلنا، بين المرجعية والحاكمية. فالمرجعية هي الأساس المعرفي والأخلاقي والمنهجي، المتوافق عليه ضمنا بين الأطراف الحاكمة وجلّ الأوساط المحكومة، فيما الحاكمية هي الأصل المباشر لشكل الحكم ومضمونه.

يمكن بالتالي القول بأن الغالبية العظمى من الدول الموسومة بالإسلامية على مدى التاريخ، كانت "إسلامية" في مرجعيتها، لا في حاكميتها، أي أنها لم تكن دولا دينية بالمعنى السياسي، وإن كان للدين الإسلامي، في تجلياته الفقهية والكلامية والمسلكية، الصدارة في صياغة الهوية الجماعية.

لا حاجة هنا لحسم الجدل حول ما إذا كان النص الإسلامي يحتوي على ما يسمح بإقامة الدولة الدينية أم لا. فالسجل التاريخي برمّته حين شهد محاولات إقامة الدول الدينية، جاء على الدوام ليكشف عن الطبيعة المرتبكة للتطبيق، وليقصر عمر هذه المحاولات على الفترة الوجيزة. آخرها كان المسعى القطعي المتشدد لإقامة "الدولة الإسلامية" في العراق والشام وغيرها من الولايات. وفي هذه الحالة، كما في حالة الدولة السعودية الأولى أو دولة الموحدين في المغرب أو طالبان في أفغانستان، لم تقترب المحاولة من الإجماع لا على مستوى المجتمع ككل ولا حتى على مستوى من يدعو إلى إقامة الدولة الدينية.

وهنا تكمن المغالطة اليوم في الطرح السياسي الإسلامي الداعي إلى العودة المفترضة إلى "حاكمية الله". إذ أن الدولة الإسلامية القائمة على هذا المفهوم، خارج صدر الإسلام، والبعيد من حيث تفاصيله الوقائعية عن إمكانية التمحيص، لم تتحقق يوما. لا "إعادة" بالتالي، بل مشروع عقائدي لإقامة واقع جديد. وللإسلاميين الحق طبعا بالسعي إلى إقامته وفق الرؤى العديدة والمتضاربة غالبا والتي يعتنقونها، غير أن زعمهم أن في الأمر إحياء لما كان لا يستقيم، بل هو بحد ذاته من التدليس.

العلمانية ليست بالتالي طرحا ثوريا متطفلا على تاريخ الدول والمجتمعات في المنطقة، بل هي وحسب إقرار بدنيوية نظم الحكم فيها، بعد أن كانت هذه النظم، على مدى طويل من التاريخ، دنيوية في واقعها دينية في زعمها. بل هي أقرب إلى حقيقة المسار التاريخي للمجتمعات المعنية، لانسجامها مع المضمون، فيما الطروحات الإسلامية تريد قسرا فرض الشكل على أنه المضمون.

غير أن السؤال الحرج، والأجدر باهتمام الإسلاميين، ليس موضوع الحاكمية بل مسألة المرجعية. وقد يكون في إصرار الإسلاميين على الخوض بالحاكمية دون المرجعية، رغم الانتصار الآني والواهم المتحقق لهم عبر هذا التوجه، ابتعادا عن الواقع من شأنه استنزاف قدرتهم على الحوار البناء.

وهذا الخيار الإسلامي، أي التركيز على الحاكمية دون المرجعية، يعود في العديد من الحالات إلى قناعة قائمة على النظر حينا وعلى الافتراض المبدئي أحيانا أن المرجعية محسومة بما يتوافق مع رؤيتهم. أي أن المجتمعات المسلمة، من وجهة النظر العقائديين الإسلاميين، لا بد أن تكون مرجعيتها التلقائية إسلامية. هذا قول صادق في إجماله، على أن الخلاف في التفاصيل.

إذ على النقيض من القرار الفوقي المعتمد عقائديا، فإن الطابع الإسلامي للمرجعية في هذه المجتمعات ليس أحاديا ولا حصريا ولا منغلقا على ذاته، بل إن الوجه الإسلامي للمرجعية في العديد منها لم يجد حرجا ولا ترددا ولا تناقضا في استيعاب المادة الحداثية التي وفدت إليه خلال القرنين الماضيين، بل جرى فهم هذه المادة على أنها تعبير في غالبها عن مضمون ذاتي قائم للتوّ. والزخم الجديد في استقبال هذه المادة ساهم في التقريب لا بين المرجعيات المحلية وحسب، والتي كانت على مقادير من التمايز وفق الطوائف، بل بين المرجعية السائدة بطابعها الإسلامي الصريح، والمرجعية الغربية والتي كانت قد تطورت قلبا وقالبا باتجاه العالمية.

فالأزمة التي يعيشها العقائديون الإسلاميون اليوم هي أنهم يسعون جهارا إلى تحقيق حاكمية دينية خارج سياق السوابق التاريخية، مع افتراض انتظام المرجعية إسلاميا، وفق تصورهم القطعي، في عموم المجتمعات الإسلامية، فيما أن الواقع هو أن المرجعية، وإن بقيت إسلامية بالنسبة للبعض اسما وشكلا وشعورا، فإنها تخلت عن حصريتها وتناقضها التلقائي مع غيرها، بل أصبحت متماهية مع المرجعية العالمية على أكثر من مستوى. والرد العقائدي على هذا الواقع ليس إنكاره فقط، بل العمل على تفسيقه وتشذيذه، أي اعتباره وضعا طارئا مفروضا على هذه المجتمعات، فيما هو فعليا ناتج ذاتي لها منسجم مع تاريخها وحاضرها. بل إن التباعد بين واقع المرجعية والإسقاط القسري الإسلامي عليها يضع الإسلاميين في حالة صدام دائم مع قاعدتهم الشعبية المفترضة. وهنا تبدو "الدولة الإسلامية" في العراق والشام كالخاتمة الطبيعية لهذا التباعد، في صيغة تعاملها مع "رعيتها"، إذ لا تقرّ صراحة بإسلامية الرعية بل تلتزم لنفسها بإن "تعاملهم معاملة المسلمين ما لم يظهر منهم ناقض من نواقض الدين".

ما لا شك فيه على مدى المحيط العربي أنه في أوساط عدة ثمة طلب فكري سياسي اجتماعي لطرح سياسي مؤطر إسلاميا، غير أن امتناع معظم القوى الإسلامية، وليس كلها كما تشهد التجربة التونسية المتمثلة بحركة النهضة، عن المواجهة الفعلية للتعسف الفكري في التعاطي مع مسألتي الحاكمية والمرجعية يضع الحركات الإسلامية في موقع تصادمي قادر أن يتصدر آنيا ولكنه عاجز عن اجتراح الحلول الواقعية.

فالتحدي الذي تواجهه التوجهات الإسلامية هو لا في إعادة صياغتها لما تسعى إليه من حلول، بل في اعتماد الواقعية في تقييمها للأرضية التي ترتئي أن تطبق عليها الدعوة لهذه الحلول. الحركات الإسلامية تريد حاكمية الله للنظام السياسي والمرجعية الإسلامية الصرفة للنظام المعنوي الفكري الأخلاقي. وهذا وذاك لها. وهي هنا وهنالك لا تختلف عن الأحزاب الشيوعية وغيرها من التوجهات العقائدية، أي أنها أحزاب ذات مسعى مستقبلي، لا حركات استرجاع لماض هو على الأقل مختلف بشأنه، ينبني على قاعدة مرجعية لا تنسجم نظريتها مع تطبيقها.

الغالبية العظمى من الدول الموسومة بالإسلامية على مدى التاريخ، كانت "إسلامية" في مرجعيتها، لا في حاكميتها، أي أنها لم تكن دولا دينية بالمعنى السياسي

هذه المراجعة المطلوبة لتاريخ الحاكمية وحاضر المرجعية يعطي الأحزاب الإسلامية فرصة لمنافسة نزيهة في المعترك الثقافي، بعيدا عن الإرهاب الفكري منها وعليها. والأهم أنه يجعل منها، كما هو بديهي وطبيعي، أحزابا دنيوية في شكلها ومضمونها، لا تختلف في الشكل والسلوك عن غيرها من التوجهات العقائدية، وإن تباعدت عنها بطبيعة الحال من حيث المضمون.

هل يعمد بعضها إلى التورية والتقية تحت شعار التدرج؟ لا بأس، شرط بقاء الحالة الفكرية على الدرجة المطلوبة من الحريات القادرة على النقد والمتابعة وفضح المخادعة. فإن هي نافقت انكشفت أمام بيئتها وفشلت، وإن هي تدرجت صادقة، كان تدرجها في الاتجاهين، تستقطب على قاعدة المرحلي سعيا لما بعده، ولكن مع نجاح الاستقطاب في موقعه المرحلي تنتقل بهذا الموقع من المرحلية إلى الديمومة.

اقرأ للكاتب أيضا: الأممية "الأقوامية" المتجددة، في مواجهة "العالمية" المُتْعَبة

بل ما يصاحب التواضع الملازم لهذه المراجعة، أي إقرار التوجهات الإسلامية بأن التاريخ لا يشبه مسعاها السياسي، والواقع الثقافي لا يتوقف عند حدود قناعاتها، يجعل من هذه الأحزاب أحزابا علمانية بالمعنى الواسع للكلمة. ليس لها أن تشترك مع الأحزاب العقائدية العلمانية بطبيعة الحال بالدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، بل تتوافق معها بالإقرار بأن الفصل أو الاعتماد لأوجه من الدين في السياسة يتم بقرار سيادي للمواطنين، على قاعدة النظام التمثيلي المنصف الذي يبقى على مسافة واحدة من جميع المواطنين، أكثرياتهم وأقلياتهم.

جهاد المتشددين في الأحزاب الإسلامية من أجل حاكمية لم تتحقق تاريخيا ولا إجماع في أوساطهم على شكلها لم يصل إلى النتائج المبتغاة، في حين أنه جلب المآسي والدمار لديار عدة. ربما آن الأوان لهم أن يسعوا إلى أن يعيدوا النظر في واقعهم ويدركوا أن ساحة المواجهة الفكرية والتي من شأنهم إضافة الإيجابي والمنتج إليها هي مسألة المرجعية لا الحاكمية، والسير من أجل التأثير عبر الوسيلة الكفيلة بالمحافظة على قواعدهم وحواضنهم الشعبية. ربما آن الأوان للأحزاب الإسلامية أن تصبح أحزابا علمانية.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG