Accessibility links

هل أبقى الحاضر مجالا للتقشف؟


طفل كردي لاجئ من كوباني (أرشيف)

رياض عصمت/

مع قدوم عيد الفطر، وتقاليد تبادل الزيارات، اقتناء اللباس الجديد، أخذ العيديات وتهيئة الضيافات من حلويات وأطعمة شهية، عادت إليَّ ذكريات ركنت طويلا على رفوف الذاكرة. في زمن الطفولة، دأب والدي على تذكيرنا بأن النعم لا تدوم، وأنه يجب علينا أن نفكر دائما بمعاناة المحرومين خشية أن نصبح مثلهم ذات يوم، لأنه لا أحد يعلم علم اليقين ماذا تخبئ لنا الأقدار، ولأن التعود على شظف العيش يؤهلنا لمواجهة المخاطر الكامنة وراء منعطفات المستقبل الغامض. دأب أبي ـ رغم يسر الأحوال إبان طفولتنا ـ أن يلح علينا بضرورة تجنب الإسراف والبذخ والتفاخر، والابتعاد عن الادعاء والتباهي بالمظاهر، والنأي بالنفس عن التعالي على الآخرين مهما كانت طبقتهم الاجتماعية ووضعهم المادي، وذلك انطلاقا من احترام إنسانية البشر جميعا، والتعامل معهم على أساس أخلاقهم وسلوكهم، وليس على أساس على ما ورثوه من مال وأملاك دون عناء أو جهد. كان يردد دائما: "المال والمنصب مصيرهما الزوال، أما فعل الخير فيبقى خالدا، حتى بعد رحيل الإنسان عن هذه الدنيا الفانية".

لم يعد "شظف العيش" و"إن النعم لا تدوم" تمرينان يمكن أن نطلب من شبابنا ممارستهما لتحمل صعاب الحياة

بالفعل، تبدلت ظروف الحياة كثيرا حين كبرنا، وتفاوتت بين رفاه وحاجة. في الأيام السوداء، وجدت التدرب على "شظف العيش" ناجعا، لأن والدي سبق أن لقنني وأخوتي التواضع والزهد، وحفزنا إلى عدم الاستسلام أمام ضغوط الحياة بحيث نهدر قيمنا أمام التحديات. كان أبي يكرر دائما في أيام الرخاء: "اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم". كان يضيف ـ رحمه الله ـ إن هذا ليس حديثا نبويا شريفا، كما يشاع، ولكنه قول بالغ الحكمة، وكان يؤكد المقولة برواية ذكرياته عن والدته (المرحومة جدتي) وكيف كانت تتصرف بحسن تدبير في زمن الحرب العالمية الثانية لتأمين حاجيات بيتها الضرورية وسط ظروف الفقر المادي المدقع، نقص الموارد المادية وندرة المواد الغذائية من الأسواق. ظل والدي يقدِّر لوالدته عميقا، حتى رحيلها عن الحياة، حسن إدارتها لشؤون بيتها بحكمة وذكاء، بحيث كانت توفر لزوجها وأولادها وبناتها ما يقيتهم بأبخس الأثمان، وتشبع بطونهم الجائعة بتفننها الرائع في الطبخ، فلا تشعرهم بوطأة الحياة القاسية والظروف المعاشية البائسة إبان الحرب، بل توهمهم أنهم يعيشون في جنة النعيم رغم كل البؤس والفاقة من حولهم.

لم يتوقف عن ذكر أفضالها والإشادة بها كامرأة عظيمة، بالرغم من بساطة تعليمها، مما أوصله وأخوته إلى بر الأمان. كانت جدتي في أشد أيام الحرب عنفا تؤنس أولادها بحكاياتها المشوقة كي لا يقلقوا، وتجعل ابتسامات الأمل تحل محل اليأس، إلى أن انحسرت الغيوم الداكنة وعاد الخير يتدفق على أهل الشام.

أصبح من قبيل الكوميديا السوداء شحذ الهمم لتحمل مزيد من الصعاب والألم

على غرار جدتي، لم يشعرنا والدي يوما أن شيئا ينقصنا، حتى بعد أن تقاعد عن الوظيفة وأحيل إلى المعاش. جعل أبي في طفولتنا حتى من انقطاع الكهرباء أو إطلاق زمور الإنذار طقسا ممتعا على ضوء الفانوس الكازي والشموع شحيحة الضوء يسلينا خلاله بعزفه البارع على العود وغنائه العذب لأغاني محمد عبد الوهاب، ويروي لنا قصصا من الأدب أو الأفلام لساعات طويلة تجعلنا نتمنى استمرار انقطاع الكهرباء كل يوم وتكرار تلك العتمة المبهجة للروح والخيال.

مرَّ الزمن وكبرت وأخوتي بعد أن تلقينا دروس الحياة من جيلين، جيل جدتنا الراحلة، وجيل والدنا. تغيرت أمور كثيرة مع مرور الزمن. زاد التضخم النقدي مئات الأضعاف، لكن تعبير "تقشفوا.. فإن النعم لا تدوم" ظل حيا في ذاكرتي، خاصة كلما شعرت أن أفراد عائلتي يسترخون، مستمتعين بشعور الرفاه والأمان، وذلك خوفا من أن تتبدل الظروف من وضع الاطمئنان إلى وضع القلق، ومن وضع الاكتفاء إلى وضع الحاجة.

كان أفراد أسرتي في طفولتهم يضيقون ذرعا بتنبيهي المستمر لهم إلى ضرورة التقشف حتى ولو توفر المال لدينا، وذلك تحسبا من الصدمة إن تبدلت الأحوال مع مرور الزمن. لطالما كررت قائلا إن غنى الإنسان يكمن في غنى الروح، لا في غنى المادة، آملا في أن أنمي لديهم شعور الزهد، مذكرا إياهم بحكمة أبي وجدتي من قبله، مما حصننا في طفولتنا من الإحساس بالحرمان والنقص، خاصة في الزمن الذي قلَّت فيه الموارد في حين زادت تكاليف الحياة إلى حد باهظ. لا شك أن حياة الإنسان تمر في بظروف متباينة، تتراوح بين صعود وهبوط، سواء في العمل أم الدخل أم الصحة أم الطمأنينة أم المتاعب الوظيفية. في جميع هذه الظروف، يتحتم على المرء إجادة السباحة في خضم بحر هائج، فإذا لم يحسن العوم وسط الأمواج العاتية يكون مصيره المحتوم الغرق بدلا من الوصول إلى بر السلامة.

اليوم، ربما أكثر من أي عهد مضى، يخطر بالبال أن تعبير "تحمل شظف العيش" ضروري لوعي الفتيان قبل أن يبلغوا سن الشباب ويذهبوا لأداء الخدمة الإلزامية. لا شك أيضا أنه ضروري للفتاة التي ستدخل عش الزوجية، كما هو ضروري للطالب حين يسافر للدراسة إلى بلد عربي أو أجنبي. لا شك أن تربية النفس على تحمل الشدائد وعدم تقديم تنازلات تمس الكرامة من أجل إرضاء الملذات الدنيوية ضروري للشباب مع تردي الأوضاع المعاشية، وارتفاع التضخم النقدي في بعض البلدان أضعافا في انهيار غير مسبوق للعملة المحلية. جعل هذا حياة الناس صعبة للغاية، وجعل من شراء المازوت الضروري للتدفئة، الغاز الضروري للطبخ، البنزين الضروري للمواصلات، فضلا عن كثير من المواد الغذائية الأساسية الأخرى كالرز والسكر، رفاهية محصورة بالميسورين.

لم تعد هناك سقوف تحمي ملايين البشر ممن صاروا إما لاجئين رغما عنهم

هل بقي لحكمة الماضي مكان في عصرنا؟ عن أي "شظف عيش" يمكن أن نتحدث في زماننا الراهن؟ وأي استعداد وتهيئة للشدائد سنطلب من أطفالنا وشبابنا؟ صار الناس يعيشون أقسى شظف عيش على أرض الواقع، فهل نأمل من هؤلاء المزيد من التقشف والزهد والتضحية؟ صرت كلما رددت أمام أفراد أسرتي تعبير "شظف العيش" هذه الأيام أسمع ضحكات المرارة تتردد خلسة أو جهارا إزاء ما نقرأه جميعا من أخبار عن أحوال الناس البائسة في عديد من أوطاننا، خاصة أولئك الذين تهدمت منازلهم وفقدوا جميع ما يملكون، بما في ذلك الذكريات، ناهيك عن فقدان كثير منهم للأحبة والغوالي.

تغير الزمان، بل انقلب رأسا على عقب. أصبح من قبيل الكوميديا السوداء شحذ الهمم لتحمل مزيد من الصعاب والألم. لم تعد هناك سقوف تحمي ملايين البشر ممن صاروا إما لاجئين رغما عنهم، أو مهاجرين بإراداتهم، يقيمون في مخيمات بائسة في بلدان غير وطنهم الأم، أو يتوهون في غربة قاسية عبر بلاد الدنيا الشاسعة.

أي تقشف نريد تدريب النفوس لتحمله استعدادا لمستقبل مظلم وقد هبطت الأمور إلى حضيض يفوق أقصى حدود الخيال؟ لم يعد "شظف العيش" و"إن النعم لا تدوم" تمرينان يمكن أن نطلب من شبابنا ممارستهما لتحمل صعاب الحياة.

ذات يوم من الأيام، حين بلغت الخمسينيات من العمر، جاء شخص يدعي الحكمة لينصحني وصديق لي أن نتصرف بحرص وحذر تحسبا من المستقبل. عقب انصرافه، انفجر صديقي ضاحكا وقال: "عن أي مستقبل يتحدث؟ الظاهر أن صاحبنا لم يلاحظ أننا صرنا نعيش في المستقبل!".

اقرأ للكاتب أيضا: نار الغيرة تحرق حتى قلوب الأباطرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG