Accessibility links

هل أثبت "السلفيون" نظرية دارون؟


داروين

د. توفيق حميد/

يقوم الفكر السلفي على اتباع منهج التقليد الأعمى لما روته كتب التراث عن الرسول وعن السلف أو من يطلقون عليهم لقب "السلف الصالح" والتقليد عند "السلفيين" ليس له حدود. فالبعض يقلد في طريقة اللبس أو الزي فيلبسون الجلابيب مثلهم، والبعض يقلدهم في طريقة الأكل والشرب وحتى طرق الممارسة الجنسية، وهم يعتمدون في ذلك على كتب التراث والتي لا تفتأ تصف أدق حياة الرسول ومن يسمونهم بـ"السلف الصالح".

وأتذكر هنا حينما كنت عضوا في الجماعة الإسلامية المصرية بكلية طب جامعة القاهرة، وكنت حينذاك (1979 ـ 1980) متأثرا وبقوة بالفكر السلفي، وكان حلمي أن أتشبه بالرسول في كل شيء، فوصل الأمر بي إلى أن آكل وأشرب فقط بيدي اليمنى، وأطلق لحيتي وأحف الشارب مثلما كنت أعتقد أنه كان يفعل، ولم يقف التقليد الأعمى عندي عند هذا الحد، بل وصل بي الأمر أني كنت أحاول أن أنام على جانبي الأيمن مثلما كان يفعل الرسول، حسبما نصحني واحد من الأعضاء المخضرمين بالجماعة الإسلامية.

والمضحك المبكي هنا، أنه وبصفتنا طلاب في كلية الطب حاولنا أن نوجد "إعجازا علميا" في هذا الأمر بأن قلنا إن حكمة النوم على الناحية اليمنى هو لأن "الكبد" في الناحية اليمنى، وأن ذلك ـ أي النوم على الجانب الأيمن ـ يزيد من تدفق الدم باتجاه الكبد لإزالة السموم من الجسم.

مبدأ التقليد الأعمى للسابقين يتناقض تماما مع مبدأ إعلاء الفكر البشري

ومن الواضح أننا في الأمر السابق قد نسينا تماما أو تناسينا عمدا أن "الطحال"، وهو عضو هام لجهاز المناعة في الجسد البشري، يقع في "الناحية اليسرى"، أي إن كان النوم على الناحية اليمنى هو إعجاز علمي بالنسبة لـ"الكبد"، فإنه ـ أي النوم على الجانب الأيمن ـ يكون "جهلا مطبقا" بالنسبة للـ"طحال" الذي يقع على الجانب الأيسر!

وأعود إلى موضوع التقليد الأعمى فأتذكر كيف يهاجم السلفيون نظرية دارون، لأنها كما فهموها تقول إن الإنسان أصله قرد. وأتعجب من هجومهم على نظرية دارون، فهم بتقليدهم الأعمى للسلف يتفقون تماما معها لأن أكثر شيء مشهور عن القرود هو "التقليد الأعمى"، فإنك إن رميته بحجر وهو فوق الشجرة قلدك ورماك بجوزة هند! وإن أخرجت له لسانك فإنه يرد بالمثل! ففي واقع الأمر فإن مبدأ التقليد الأعمى الذي يسخرون من القرود أحيانا بسببه هو ما يفعلونه هم ـ أي السلفيون ـ أيضا بتقليدهم الأعمى لسلفهم بدون تفكير.

لو "اتبع" إبراهيم الخليل قومه وقلدهم كالعميان بدون نقد لأصبح عابدا للأصنام

والعجب العجاب هنا أن القرآن نهى عن عملية التقليد الأعمى للآباء والأجداد ومن نسميهم بالسلف حينما قال معاتبا على الأمم السابقة.

بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (سورة الزخرف آية 22)

وقال سبحانه:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (سورة البقرة آية 170)

وقال:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ (سورة لقمان آية 21)ِ

وقال:

وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (سورة الزخرف 23)

ومبدأ التقليد الأعمى للسابقين يتناقض تماما مع مبدأ إعلاء الفكر البشري، والذي دعا إليه القرآن الكريم في العديد من الآيات مثل:

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (النحل 12)

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الجاثية13 )

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ (طه 54)

فعلى الإخوة السلفيين أن يدركوا أن اتباعهم الأعمى للسلف يتعارض مع منهج القرآن في الفكر وإعمال العقل، وأنه لو "اتبع" إبراهيم الخليل قومه وقلدهم كالعميان بدون نقد لأصبح عابدا للأصنام والأوثان مثلهم وليس أبا الأنبياء وخليل الرحمن إبراهيم.

فالحمد لله أن إبراهيم عليه السلام لم يكن سلفيا فقلد من سلفوه وإلا لعبدنا كلنا اليوم الأوثان!

اقرأ للكاتب أيضا: الفارق بين "بني إسرائيل" و"اليهود" و"أصحاب السبت" و"الذين هادوا"

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG