Accessibility links

هل أصبح العالم فعلا ثنائي القطب؟


مراهنة بعض الأنظمة العربية على بوتين ليست خطوة بعيدة النظر

د. عماد بوظو/

قبل بضعة أيام أقسم أعضاء الكونغرس الأميركي اليمين القانونية لبداية عمل مجلسهم الجديد، وهو المجلس رقم 116 لهذه المؤسسة العريقة المستمرة في عملها بدون انقطاع منذ 230 سنة.

ضرب الكونغرس الحالي رقما قياسيا بعدد النساء فيه الذي تجاوز المئة، بينهن لأول مرة أميركية من أصول فلسطينية "رشيدة طليب" التي حضرت مرتدية زيا فلسطينيا، وأميركية من أصول صومالية إلهان عمر والتي دخلت الولايات المتحدة كلاجئة وحضرت إلى الكونغرس بحجابها لتكون أول عضوة محجبة في تاريخ الكونغرس الأميركي، ويضم لأول مرة نائبتين من السكان الأصليين. كما أن نسبة الأميركيين من أصول إفريقية عالية، رغم إصرار بعض الأوساط السياسية العربية من إسلامية وقومية ويسارية على الحديث عن عنصرية المجتمع الأميركي، فإن الولايات المتحدة هي واحدة من أكثر دول العالم تنوعا من حيث العرق والثقافة.

حضر كثير من النواب مع أولادهم وأحفادهم في استعراض عائلي حميم؛ وكانت هذه المناسبة مؤشرا جديدا على حيوية وتطور النظام الديمقراطي الأميركي.

يبدو أن هذا النموذج من الديمقراطية الأميركية لا يتماشى مع مزاج الكثير من العرب أحزابا وحكاما، بل يفضلون عليه استعراضات الزعيم الفرد على نمط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو يلعب الجودو أو يسبح في ماء بارد أو يخطب في جمع منضبط من موظفيه. يرى هؤلاء العرب أن الزعيم الذي عندما يدخل أي قاعة يقف جميع الحضور احتراما له ويتبارون بالتصفيق حتى يأمرهم هو بالتوقف أقوى من الرؤساء الأميركيين، الذين قد تمنعهم السلطات القضائية أو التشريعية من تنفيذ أحد القرارات، بل قد يخضع بعضهم لتحقيقات واستجوابات ومحاكمات حتى على موضوع صغير مثل نزوة جنسية.

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا يعرقل رجال الدين تعديل سن الزواج؟

ومما ساعد على الترويج لزعامة بوتين أن العقد الماضي كان ذهبيا بالنسبة له حيث تمكن من الاستفادة من سيطرة التيار الانعزالي على الحياة السياسية الأميركية خلال سنوات حكم الرئيس باراك أوباما والرئيس دونالد ترامب، مما أتاح له المجال للعمل على ملء الفراغ في مناطق مختلفة من العالم. بالإضافة إلى عمله على لعب دور أكبر دوليا، ومحاولة التأثير على الحياة الديمقراطية والعملية الانتخابية في كثير من دول الغرب بما فيها الولايات المتحدة الأميركية؛ وقد حققت هذه العمليات نجاحات لا يمكن إنكارها، كما أنه ما زال متربعا على قمة السلطة منذ عشرين عاما بينما تغير معظم القادة حول العالم، واعتمادا على هذه المعطيات روّج هؤلاء العرب لعودة العالم إلى ثنائية القطب مع ما اعتقدوا أنه تنامي القوة الروسية.

لكن باستثناء استعراضات بوتين، هل هناك عوامل قوة حقيقية عند هذا "القطب"؟ في المجال الاقتصادي تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى عالميا منذ عشرات السنين بفارق كبير عن سواها، فقد تجاوز اقتصادها عام 2018 عشرين تريليون دولار لتمثل لوحدها ربع الاقتصاد العالمي، وتلتها الصين 13 تريليون ثم اليابان 5 تريليون ثم ألمانيا فالهند ولا يوجد ذكر لروسيا ضمن الاقتصاديات العشر الكبرى، لأن الناتج الروسي الإجمالي يشكل أقل من واحد على عشرة من الناتج الوطني الأميركي، ويتكون بشكل رئيسي من المواد الخام كالنفط والغاز والمنتوجات الزراعية مثل الدول النامية والريعية.

وخلال العام الحالي 2019 ستكون الولايات المتحدة قد أصبحت أكبر منتج للطاقة في العالم متجاوزة روسيا. والدولار الأميركي ما زال هو العملة العالمية منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، وبه يتم تسعير المنتجات المختلفة، وبه تحسب أغلب الدول ميزانياتها كما تحتفظ به كاحتياطي نقدي، وترسخت قوته خلال الفترة الحالية وتأكد دوره كملاذ آمن بعد تأثير البريكست السلبي على اليورو والجنيه الإسترليني، كما تمسك الولايات المتحدة بالنظام البنكي والمصرفي العالمي لأن معظم المعاملات التجارية وخطابات الاعتماد تتم بالدولار.

ولا نجد روسيا في قائمة أكثر الدول تطورا في التكنولوجيا والبحث العلمي، بل نجد بالإضافة للولايات المتحدة واليابان دولا مثل الهند وفنلندا وكوريا الجنوبية. وعند إحصاء عدد الاختراعات تتربع الولايات المتحدة في المقدمة مع اكتشافات واختراعات قديمة وحديثة غيرت نمط حياة البشرية، فكل ما يتم استعماله في هذه الأيام هو من اختراع أميركي، من الهواتف المحمولة للكومبيوترات لشبكة الإنترنت لوسائل المواصلات والأدوات المنزلية.

فالعالم اليوم، من الصين للصحراء الإفريقية وغابات الأمازون، يعيش على الطريقة الأميركية. أحد إنجازات التطور العلمي الأميركي أنه قبل بضعة أسابيع فقط هبطت على سطح المريخ مركبة فضاء أميركية بعد رحلة استمرت ستة أشهر وأرسلت صورا حية للكوكب وسيقضي المسبار عامين هناك أي عام مريخي واحد لإجراء أبحاث لا سابقة لها في محاولة لمعرفة كيف تشكل الكوكب وأصل الأرض وغيرها؛ وذلك بعد ست سنوات من أول مركبة حطّت على سطح المريخ، وكانت أيضا أمريكية. وحتى اليوم ما زال هبوط مركبات مأهولة على سطح القمر حكرا على الولايات المتحدة.

يمكن ملاحظة حجم التفوق الأميركي من عدد جوائز نوبل التي نالتها الولايات المتحدة، إذ لا يكفي أنها أتت في المركز الأول بين دول العالم، بل حصلت على عدد من الجوائز يفوق مجموع الدول الخمس التي تلتها في الترتيب. والجوائز الأميركية كانت بشكل خاص في الفيزياء والطب وبقية العلوم، كما يمكن ملاحظة الفجوة بين أميركا وبقية العالم في الفارق بين وادي السيليكون في كاليفورنيا ونظرائه حول العالم أو بين وكالة ناسا الأميركية وقريناتها من وكالات الفضاء، أو بين هوليوود في عالم السينما وما يماثلها عند بعض الدول.

وحتى عندما يأتي الحديث على المجال العسكري فلا يوجد من يمكن مقارنته مع الولايات المتحدة خصوصا من ناحية التطور التكنولوجي أو حجم الميزانية التي هي أكبر من نظيرتها الروسية بأربعة عشر ضعفا؛ ولكن من المعروف أن الديمقراطيات تبذل جهودها دائما لتجنب التوترات والحروب لأن السلام والاستقرار يخدم نموها وازدهار شعوبها بعكس الديكتاتوريات التي تعيش على الأزمات والتوترات. ولذلك تبدو مواقف الأنظمة الديمقراطية أحيانا وكأنها مؤشر على الضعف، لكن هذه الدول عندما تضطر لدخول الحرب تصبح هزيمتها صعبة فنظامها الديمقراطي يعطيها مناعة لأن المواطن الحر يدافع عن بلده أكثر من الفرد في الدول الديكتاتورية. كما أن المناصب المدنية والعسكرية عند الديمقراطيات تتحدد بالكفاءة وليس بالولاء كما هو الحال عند الديكتاتوريات، ونتائج الحروب العربية ـ الإسرائيلية من الأمثلة على ذلك.

حاول بوتين استغلال عدم رغبة الأنظمة الديمقراطية بالتصعيد إلى درجة أنه وصل مؤخرا إلى درجة القيام بتصرفات استفزازية مثل احتجاز ثلاث سفن أوكرانية وبحارتها قبل عدة أسابيع باتهامات مشكوك في صحتها أو احتجاز مواطن أميركي حضر إلى روسيا من أجل زفاف صديقه واتهامه بالتجسس في محاولة لابتزاز الإدارة الأميركية على أمل إجراء عملية تبادل تشمل الجاسوسة الروسية بوتينا التي قررت مؤخرا التعاون مع التحقيق الأميركي حول تفاصيل مهمتها في الولايات المتحدة.

اقرأ للكاتب أيضا: التاريخ الكردي الذي يعيد نفسه

اختارت بعض الدول أن تدور في فلك بوتين لأن ذلك هو خيارها الوحيد نتيجة عزلتها الدولية، مثل النظامين السوري والإيراني، وبعضها الآخر دول ضعيفة وبحاجة لأي قوة دولية تدعمها مثل السلطة الفلسطينية أو النظام السوداني، ولكن كانت هناك أطراف عربية أخرى لم تكتف بمجرد التنسيق السياسي مع روسيا حول القضايا الإقليمية مثل الملف السوري أو الليبي بل وطدت علاقتها معها لأبعد من ذلك، كما وظفت إعلامها للترويج لسياسات بوتين وقوته المزعومة دون أن تكون مضطرة إلى ذلك، لأنها اعتبرت أن الخلافات بين الأحزاب السياسية وأعضاء الكونغرس وحتى بين بعض أعضاء السلطة التنفيذية في الإدارات الأميركية مؤشر ضعف.

إن مراهنة هذه الأنظمة العربية على بوتين ليست خطوة بعيدة النظر، فقد قام بالعديد من التصرفات التي يعتبرها العالم غير قانونية وقد لا يكون بالإمكان محاسبته على ذلك، ومن الممكن أن تستمر الجمهورية البوتينية لعدة سنوات أخرى، فما زال بوتين في السابعة والستين من العمر، ولكن لا يوجد مؤسسات تضمن المحافظة على هذه الدولة بعد غياب مؤسسها عن المشهد لسبب من الأسباب، وربما من الأفضل على حلفاء بوتين العرب أخذ ذلك في عين الاعتبار.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG