Accessibility links

هل الأخلاق حكر على الدين؟


تظاهرة في إندونسيا ضد "الشيوعية والإلحاد"

ماهر جبره/

كنت أتحاور مع صديق أميركي عن حرية الاعتقاد عندما سألني: هل يعلن الملحدون عن أنفسهم في العالم العربي؟ فقلت له في الأغلب لا لأنهم يخافون. فسألني وما هي فكرة الناس هناك عن الشخص الملحد؟ لحظتها تذكرت السؤال الذي لاحظت تكراره على موقع فيسبوك عندما يعلن شخص ما عن إلحاده أو تركه للدين. ألا وهو: هل تمارس الجنس مع والدتك أو أختك؟ فإن كنت بلا دين فما الذي يمنعك من ذلك؟

وعلى قدر سذاجة السؤال إلا أنه يعكس فكرة تربى عليها معظمنا في العالم العربي وهي أن الدين هو مصدر الأخلاق الوحيد. وإنه لو اختفى الدين من الحياة، لاختفت معه الأخلاق بالضرورة وتحولت الدنيا إلى غابة.

وعليه، فالملحد الذي لا يؤمن بوجود إله في تصورنا هو بالضرورة شخص غير أخلاقي وليس لديه أي مبادئ. وبالتالي فهو سيفعل أشد الموبقات التي لا يتخيلها أي شخص عاقل أو سوي. وبناء على هذه الفرضية سيكون السؤال العبثي عن ممارسة الجنس بين أفراد الأسرة الواحدة منطقيا ومبررا.

الواقع أن القتل باسم الله حاضر بقوة ووضوح في تاريخنا وحاضرنا

ولكن هل حقا الدين هو مصدر الأخلاق الوحيد؟ وهل ما تعلمناه عن أننا أفضل من المجتمعات المتحررة، لأننا أخلاقيون ومتدينون بينما هم أقل تدينا ومنحلون، حقيقي؟

اعتدنا أن نلخص مفهوم الأخلاق في فكرة الجنس، وبما أننا نرى الحرية الجنسية انحلالا أخلاقيا، وكل من يمارسها منحلا، فنحن إذا أصحاب الفضيلة والأخلاق السامية الوحيدون على هذا الكوكب. ولكن الحقيقة أن الأخلاق هي القيم والمبادئ التي تنظم الحياة والعلاقات بين أفراد المجتمع، وهي مفهوم أوسع بكثير من قضية الحرية الجنسية، التي لا يتسع هذا المقال لمناقشتها.

فالأخلاق مفهوم واسع يشمل العدل والأمانة واحترام حقوق وحريات الآخرين، وتقديس حقهم في الاختلاف دون اضطهاد، وأمور أخرى كثيرة. وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي: "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا". فالأخلاق والحضارة مترابطتان، ولا يمكن فصل تطور ونهضة المجتمعات أو انهيارها وتفسخها عن أخلاقها.

والسؤال هنا لو كانت الأديان الإبراهيمية أو السماوية هي مصدر الأخلاق الوحيد، فكيف عاش البشر قبلها؟ فهل كانت الإنسانية قبل الإيمان بالله غير أخلاقية؟ فهل كان مثلا المصريون القدماء بلا أخلاق؟ وإذا كانوا كذلك فكيف استطاعوا أن يبنوا حضارة عظيمة، نفتخر بها حتى الآن؟

ماذا أيضا عن المجتمعات التي هجرت الدين نسبيا؟ فاليوم هناك دول مثل الدنمارك أو كندا أو أستراليا أو فرنسا بها نسب عالية من اللادينيين. فأرقام اللادينيين تزداد يوم بعد يوم وبالأخص بين الأجيال الجديدة؛ وحتى في عالمنا العربي حيث كشف آخر استبيان قامت به شبكة الباروميتر العربي، أن نسبة من يعرّفون أنفسهم بأنهم لادينيين تصل إلى 13 في المئة من بين العينة التي تم تطبيق الاستبيان عليها في في 10 دول عربية بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية. فكيف نفسر تقدم هذه المجتمعات وتطورها واحترامها لحقوق الإنسان، لو نظرنا لها باعتبارها مجتمعات غير أخلاقية؟

وفي المقابل، إذا كان الدين هو المصدر الوحيد للأخلاق، وباعتبار أن الشرق الأوسط هو المكان الذي نشأت فيه الأديان السماوية وشعوبه من أكثر شعوب العالم تدينا. فكيف نفسر انتشار أزمات أخلاقية مثلا الرشوة والفساد والتحرش الجنسي والعنف ضد المرأة والطفل على نطاق واسع في مجتمعاتنا؟ فالقاهرة مثلا من أخطر مدن العالم على النساء بسبب انتشار التحرش الجنسي فيها بشكل وبائي، والأردن من الأعلى عالميا في جرائم الشرف.

بل والأهم هو كيف نفسر الحروب والدمار والدم في منطقتنا على نطاق واسع؟ فلو راجعت مؤشر السلام العالمي لسنة 2018 ستجد أن أيسلندا، وهي دولة فيها نسبة عالية من اللادينيين، تتصدر القائمة، أي أنها أكثر دولة تتمتع بالسلام في العالم. بينما ستجد دول مثل ليبيا والصومال وأفغانستان وسوريا في ذيل القائمة، كأكثر دول تفتقر إلى السلام.

الأخلاق مفهوم واسع يشمل العدل والأمانة واحترام حقوق وحريات الآخرين

أي أن هؤلاء ممن ننظر إليهم باعتبارهم كفارا يعيشون مع بعضهم البعض في سلام، بينما مازلنا نحن المؤمنون نقاتل بعضنا البعض.

ربما سيرد البعض "هؤلاء لا يفهمون الدين بالشكل الصحيح". ولكن الواقع أن القتل باسم الله حاضر بقوة ووضوح في تاريخنا وحاضرنا.

بالتأكيد لا أقصد هنا التقليل من دور الدين في مسألة الأخلاق، ولكن المقصود ببساطة هنا هو أن نحاول أن نفهم الآخر المختلف وأن نراجع النظرة الأخلاقية الاستعلائية غير المبررة لدينا، التي نرى بها غيرنا باعتبارهم غير أخلاقيين. وأننا أفضل من "الغرب المنحل الكافر" لأننا مؤمنون وهم ليسوا كذلك.

فهذه النظرة هي التي يبني عليها المتطرف شرعية نفي وشيطنة الآخر، وهي التي تجعله يقتل الأبرياء في شارع أو سوق أوروبي متخيلا أنه يطهر العالم من شرهم. ولعل الوقت قد حان لندرك أن الأخلاق ليست حكرا على الدين. وأن الآخرين لديهم من الأخلاق ما يساهم بشكل واضح في تقدمهم. أخلاق ربما نفتقدها نحن ونحتاج أن نتعلمها منهم.

اقرأ للكاتب أيضا: قتل الأطفال تعذيبا.. جنة لن تكون آخر ضحية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG