Accessibility links

هل التطبيع مع إسرائيل "خيانة عظمى"؟


الأستاذ الجامعي قيس سعيد محتفلا بانتخابه رئيسا

حسن منيمنة/

الأستاذ الجامعي الوقور قيس سعيد فاز في انتخابات الرئاسة التونسية. ومن تابع المناظرة التي أجراها مع منافسه رجل الأعمال نبيل القروي يدرك بأن هذا الفوز جاء عن جدارة.

نبيل القروي بدا صادقا حين تقدّم بأفكار عدة، بعضها شجاع وبعضها جسور، خارج الأطر المتعارف عليها، وهو قد أورد مقترحاته وفصّلها باللهجة التونسية، ما يجعلها أقرب للمستمع ويبرز انسجامها مع المنطق السليم.

في المقابل حافظ قيس سعيد على مستوى مرتفع من الفصاحة والبلاغة، وشدّد في أفكاره وطروحاته على الالتزام بالإطار الدستوري المتشكل في أعقاب الثورة، واضعا نفسه باستمرار في موقع خدمة المواطن التونسي والسعي الفاعل إلى التعبير عن توجهاته وآرائه. فالمسألة كما طرحها قيس سعيد ضمنا ليست في المباشرة بثورة على الثورة، بل في تحقيق مضمون الثورة التي أنجزها التونسيون في ربيعٍ، بلادهم تبقى فيه الياسمين الوحيد.

ترصّد الحقوق إلى مآلاتها لا ينتهي عند الإقرار بالحق الفلسطيني

قيس سعيد لم يخرج عن منطق الاعتدال والهدوء والمحافظة إلا في موضوع واحد، مسألة "التطبيع" مع إسرائيل. والوجه العملي لهذه المسألة في تونس هو السماح للإسرائيليين بالدخول إلى تونس بجوازات سفرهم الإسرائيلية.

موقف قيس سعيد كان واضحا وصارما. ليس في الأمر عداوة لأي من القادمين، بل تونس ترحّب بالجميع، شرط إشهار جواز آخر. إذ لا تطبيع مع إسرائيل بأي شكل. بل كما قال قيس سعيد وكرّر، التطبيع مع إسرائيل "خيانة عظمى".

لليهود في تونس تاريخ عريق يعود إلى ما قبل الفتوحات الإسلامية. ففي حين أن المسيحية لم تكن قد توطدت في المنطقة المغاربية عند قدوم الإسلام، بل كثرت فيها السجالات اللاهوتية والفلسفية وصولا إلى بعض الغلبة للمذهب الآريوسي، والذي ينسجم مع المعتقد الإسلامي في إنكاره ألوهية المسيح، ما قد يفسّر استيعاب تابعيه واندثار المسيحية المغاربية، فإن الحضور اليهودي، في الحواضر المدنية كما في الأوساط الريفية كان راسخا، واستمرّ على مدى القرون، مع وفود جاليات إضافية من الأندلس وغيرها من النواحي الأوروبية. وجزيرة جربة التونسية على وجه الخصوص تحضن أحد أقدم المعابد اليهودية، وسط تواجد يهودي متواصل ومميّز في طابعه وخصوصيته.

والتجاور، بل التلاحم، بين المسلمين واليهود في تونس هو ما أشار إليه قيس سعيد في استعادته لذكرى حماية والده لجيرانه اليهود من بطش النازيين. بل لعموم المنطقة المغاربية سجل مشرّف في هذا الصدد طوال الحرب العالمية الثانية.

ورغم تضاؤل أعداد اليهود في تونس على مدى العقود، فإن العواطف الطيبة لعموم التونسيين إزاء مواطنيهم اليهود تبرز من خلال الحنين إلى زمن تواجدهم، والظاهر في الإنتاج الثقافي التونسي.

ودون الإفراط في تنزيه التاريخ المحلي عن صفحات أقل إشراقا لا يخلو منها أي تاريخ، فإنه من الواضح أنه لا يجوز إعادة موقف قيس سعيد حول التطبيع، وما يشكله من صدى لمواقف مطابقة واسعة النطاق في أوساط التونسيين، إلا إلى ثبات التقييم الأخلاقي لدى الرجل طوال حياته، كما يتبين من شهادات طلابه ومعارفه.

أي أنه لو جاء الكلام عن كون التطبيع خيانة عظمى من أحد السياسيين الممعنين بالفساد والتجاوزات، كما هو حال العديد من رؤوس الأنظمة في المحيط العربي في مراحل سابقة ومستمرة، لكان من السهل وسمه بالنفاق والتوظيف الشعبوي.

أما أن يصدر من رجل متحفظ في معظم مواقفه، وغير محتاج لتعبئة استدراكية، بل أن يأتي مصحوبا بثمن محتمل في عواصم خارجية سوف يحتاج الرئيس العتيد إليها، فدليل إلى وجوب التفاعل الموضوعي مع هذه المقولة.

لليهود في تونس تاريخ عريق يعود إلى ما قبل الفتوحات الإسلامية

مع مطلق التقدير والاحترام لشخصك ومواقفك، سيدي الرئيس، يمكن للمرء أن يختلف مع نظرتك للتطبيع، بالمعنى الضيق المتداول في تونس والذي يكاد أن يقتصر على الموافقة على الدخول بجوازات السفر الإسرائيلية، أو بالمعنى الأوسع، دون أن يكون قد ارتكب "خيانة عظمى".

المسلمة الأولى هنا هي أن الشعب الفلسطيني قد تعرّض دون شك لظلم تاريخي بواح بإخراجه من دياره ومنعه من العودة إليها وبإخضاع من بقي على أرضه للاحتلال والتمييز. والإقرار بهذا العدوان السافر على حياة الإنسان الفلسطيني وحريته وكرامته وأرضه هو معيار الالتزام بالقيم العالمية ومقياس المصادقة على حقوق الإنسان.

بل إن تخلف الغرب وغيره عن الوضوح والصراحة في هذا الشأن هو من الأسباب الجوهرية لاختلال المنظومة الدولية المشهرة لهذه القيم والحقوق، ولإتاحة المجال أمام بروز غيرها من الطروح، رغم الضمور الموضوعي في مضمون هذه البدائل.

غير أن ترصّد الحقوق إلى مآلاتها لا ينتهي عند الإقرار بالحق الفلسطيني. بل بغضّ النظر عن أية قراءة للمسؤوليات حول أصول مصاب الفلسطينيين، وإن مع التسليم الفرضي بأن المسألة كانت مجرد فعل استعماري استيطاني لصهيونية عنصرية، على ما في ذلك من إهمال لتفاصيل ناقضة، فإن الحال، عند الحد الأدنى، قد استحال بفعل التقادم، وللإسرائيليين اليوم كذلك حقوق لا بد قطعا من موازنتها عند اعتبار الحق الفلسطيني.

والتطبيع، أي مد اليد إلى الإنسان الإسرائيلي على أساس المساواة، لدعوته إلى الخروج من قناعة مبنية على قراءة لتاريخ مؤلم، مبالغ بها أو مختلف عليها لا فرق، ولتبديد مخاوف قائمة على استماعه لدعوات صريحة في جواره إلى طرده واستئصاله وإبادته بوصفه تجسيدا للشر، قد لا يكون البتة خيانة عظمى، بل قد يرى فيه البعض واجبا إنسانيا تجاه المجتمع الإسرائيلي كما تجاه المجتمع الفلسطيني.

فلو كان الهدف هو إنزال الهزيمة بإسرائيل، وإذا كان التصور هو أن المواجهة هي حرب تاريخية ووجودية مع كيان غاصب، فإن الكلام عن "خيانة عظمى" يتطلب المجاهرة بطبيعة هذه الملحمة والاستحصال من كافة الجمهور المحارب على عقود بيعة للجهاد المطلوب، إذ لا تستقيم الخيانة دون العهد. وإلزام العموم دون التزامهم تعسف يمتهنه الطفاة. واليقين هو أن الرئيس التونسي الجديد، في قراءة وإن سريعة لإنسانية خطابه، لا ينحى هذا المنحى.

أما إذا كان الرجاء أن يستتب سلام في المنطقة قائم على صلح تاريخي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما بين كافة مجتمعات المنطقة واليهود عامة، يحفظ للجميع حقوقهم غير القابلة للتصرف، فإن الوصول إلى هذا الهدف، والذي يبقى للأسف بعيد المنال، فلا يستقيم إلا بالتطبيع، أي بالإقرار بأن التاريخ ظالم، والألم واقع، والخلاف قائم، والاختلال في تحميل المسؤوليات حاصل، إنما الثابت هو المساواة في الإنسانية، وأن الحوار القائم على حفظ الكرامة هو السبيل إلى الكسب المتبادل.

يوصد المعترضون على مقولة التطبيع كوسيلة لتحقيق الصلح الباب أمام النظر بالموضوع بإشهار شعار "الخيانة ليست وجهة نظر". مع انتفاء الإجماع الموضوعي حول أية مسألة، يمكن إدراج هذا الشعار في إطار الترويع الفكري، إذ أن مضمونه الفعلي هو "وجهة النظر المختلفة هي خيانة". والتخوين، مع تواجد مَن مِن شأنه الإمساك بزمام الأمور فعلا لا قولا وحسب، كما التكفير، هو تهديد صريح.

الوصول إلى السلام، والذي يبقى للأسف بعيد المنال، فلا يستقيم إلا بالتطبيع

هي مسألة خطيرة قد شهدت انحدارا باتجاه الأذى في أكثر من حالة في المحيط العربي، ولكنها لا تنطبق على قيس سعيد، فهو إذ يتحدث في إطار احترام المجتمع التونسي للنظام والحريات، ليس مسؤولا عن التجاوزات والإساءات خارجه.

بل ما هو جلي لدى الرئيس التونسي الجديد هو أنه لا يغيّب القناعة الأخلاقية عن الخطاب السياسي. الأمل الصادق هو بالتالي أن يضع الأستاذ الفاضل قيس سعيد مقام الرئاسة التونسية في موقع التأثير على هذا الموضوع الهام في الوعي التونسي وفي الضمير العالمي، حيث ما يزال مستفيقا.

رغم فيض المسؤوليات التي من شأنها أن تستهلك جهود الرئيس التونسي وأوقاته، ليته يشرف على نقاش راق، كما يليق به، حول مسألة التطبيع، هل هو خيانة عظمى أو واجب إنساني، في الفضاء العربي ابتداء، ثم مع الجوار المتوسطي وما يتعداه. التعويل، مجددا، هو على ربيع يأتي من تونس.

اقرأ للكاتب أيضا: "زكام" الولايات المتحدة و"حمى" العالم

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG