Accessibility links

هل السبيل إلى الاستنهاض هو المزيد من 'الوعي' العرقي؟


تمثال يحيي ذكرى تجارة الرقيق عند مدخل النصب التذكاري الوطني للسلم والعدالة في ولاية ألاباما

بقلم حسن منيمنة/

حادثة طرد دار الحضانة اللبنانية للطفل السوداني قبل أشهر قليلة، مهما اجتهد البعض بتلطيف تفاصيلها، دليل واضح على ترسخ العصبية العرقية في المجتمع اللبناني، بل يمكن الاستدلال بها على واقع أوسع يشمل المحيط العربي برمته، وصولا إلى التشخيص الذي يتقدم به الزميل منصور الحاج في مقاله "قراءة نقدية لواقع السود في المجتمعات العربية". على أنه قد يكون في هذا المقال بعض التعسف في المقاربة، وبعض التشدد غير المجدي في تصور الحل.

ناقدو الطرح الذي يتقدم به المقال المذكور من شأنهم أن يستفيضوا باستدعاء الشق النظري من الرصيد الإسلامي، بما يحويه من الدعوة إلى عدم المفاضلة إلا على أساس التقوى. غير أن الاعتزاز بالمبدأ من دون اعتبار التجربة التاريخية، والسعي إلى تجاهل أصالة العصبية العرقية لا ينفي الشعور المتحقق لدى صاحب المقال، وعموم أصحاب البشرات السمراء الداكنة في الوسط العربي، من أن لون بشرتهم مادة للطعن أو للنظرة الدونية.

قد يكون من الأجدى تحدي "بياض" "البيض"، بدلا من إثارة الوعي اللوني والعرقي لدى "السود"، على ضبابية التعريف

عنتر بن شداد، الشاعر الجاهلي وموضوع الحكاية الشعبية على مر العصور، عانى من هذا التمييز، فإن ارتقت به الثقافات العربية المتتالية كرمز للبطولة، فذلك لأنه تجاوز "النقص" الناتج عن لون بشرته. ثم هذا كافور الإخشيدي، حاكم مصر "الزنجي" في زمن المتنبي، نال من سيد الشعراء العرب المديح المدفوع، ولكن ما أن طرأ الخلاف بينهما، حتى أخرج المتنبي ما في صدره مجانا. "لا تشتري العبد إلا والعصا معه، إن العبيد لأنجاس مناكيد". ليست المأساة في كلام المتنبي، بل هي في أن المناهج الدراسية في العديد من الدول العربية تلقن الطلاب هذا النص، من باب تحصيل الحاصل ومن دون أي نقد اعتراضي. الأمثلة من الماضي والحاضر أكثر من أن تحصر، ولا جدوى من إنكارها أو تبديدها أو التحفيف من وطأتها.

غير أن لهذه العصبية العرقية سياق، إن أخرجت منه طرأ على اعتبارها الاختلال. ففي المجتمعات العربية عصبيات متشابكة واستكبارات متعددة الأضلاع والوجهات، منها العصبية العرقية واللونية من دون شك، ولكن لا هي الوحيدة ولا هي الغالبة دوما. العصبيات الأخرى نَسَبية وقبلية، وطنية وقومية، جهوية ومناطقية، طائفية ومذهبية، طبقية ومالية، لغوية وحضارية، جنسية وجيلية، وغيرها. وظيفة العصبيات هي النجاح في المسعى السائد في كافة هذه المجتمعات إلى التموضع الاجتماعي، أي زعم الفوقية للذات وإسقاط الدونية على الآخر.

اقرأ للكاتب أيضا: 'العداوة الفارسية العربية' مقولة فاسدة ومفسدة

أصحاب البشرات السمراء الداكنة يعانون من وطأة شكلين من العصبية. فالعصبية العرقية هي التي تسمح بنبذهم وإخراجهم من الجماعة "الفوقية" واعتبارهم جماعة "دونية" قائمة بذاتها. هم "سود" أو "أفارقة" أو "عبيد" أو "زنوج". ولكن حتى الذين يحظون بالبقاء ضمن الجماعة "الفوقية"، وطنية كانت أو قومية، فإن ترتيب الاستعلاء في صفوفهم قد ينبني على اعتبارات "لونية". فـ"الأشقر" أكثر حظوة من "الأسمر"، وصاحب الشعر الأملس من الأجعد، وكذلك صاحب العيون الزرقاء أو الخضراء من غيرها. وهذا التمييز اللوني، كما يلحظ منصور الحاج في مقاله، ينتشر كذلك في أوساط الجماعة "الدونية". ليست هذه ظاهرة مقتصرة على المحيط العربي، بل هي جدل قديم، وإن انخفض صوته، في الولايات المتحدة وغيرها من المجتمعات التعددية، إذ يبنى التمايز والمفاضلة وإن من دون تصريح على اكتساب سمات تقترب من الجماعة النابذة.

المثل الكاريبي، حيث تغلب الأصول الأفريقية، يقول: "المال يبيّض"، ففي هذا المثل اختصار لدور الطبقية في موازنة "العبء" أو "العيب" العرقي أو اللوني، مجازا وحقيقة. فالثري "الأسود"، وإن اشتدت دكانة لونه، يحظى بمكانة "الأبيض" من حيث السيادة والتقديم، كما أنه أقدر على انتقاء من هن أقل دكانة من النساء لـ"ترقية" نسله.

وكما الطبقية، كذلك سائر الاعتبارات العصبية في المحيط العربي. فالشريف أو السيد، أي من ينتسب إلى أحد السبطين الحسن أو الحسين، لا اعتبار للون بشرته. والتعالي على أساس الانتماءات الوطنية يزداد حدة وشدة بين الأقطار العربية من دون اعتبار للون، فيما تزخر وسائط التواصل الاجتماعي بأشكال المفاخرة الاعتباطية بين القوميات، بما يبعد التمايز اللوني داخل الجماعات المتطاحنة.

البديل الواضح المطلوب هو مواجهة كافة أشكال التمييز والسعي إلى تأسيس ثقافة الاعتزاز بالاختلاف

هوية كل فرد، في المجتمعات العربية وخارجها، هي مجموعة اعتبارات، تختلف بين المجتمع والآخر في ماهيتها وفي أهميتها. الاعتبار الأول في مكان ما قد يكون الطائفة، فيما هو العشيرة أو القبيلة في مكان آخر. قد يكون للدين حضور دائم في معظم الأوساط العربية، ولكن تعريفه قد يتوزع بين الالتزام والمحافظة والانفتاح. ويمكن في كل وسط عربي استشفاف منظومة من الاعتبارات على درجة من الاستقرار من حيث الماهية. غير أن أهمية هذه الاعتبارات تبقى عرضة للتبدل وفق الظروف الشخصية والاجتماعية.

مقال منصور الحاج يسير باتجاه تأصيل العصبية العرقية وتغليبها على كافة الاعتبارات الأخرى. ولا شك أنه بالنسبة لأعداد من أصحاب البشرة الداكنة، يغلب اعتبار اللون في العديد من الأحوال، بل ربما في معظم المواقف. ولكن السؤال الأساسي قد يكون ما هو تحديد "الأسود" لدى الحاج، وهل يتفق معه في تعريفه من يريد أن يشملهم بالدعوة إلى "الوعي" العرقي أو اللوني.

من السهل الشروع ببعض الفرز، حيث التباين جلي بين الأعراق لحداثة تجاورها، كما في الولايات المتحدة مثلا. تصيح المسألة أكثر تعقيدا حيث التدرج في لون البشرة هو السائد. أين ينتهي "العرق الأسود" ويبتدئ "العرق الأبيض" بالنسبة للحاج؟ هو لا يستطيع أن يزعم قرارا علميا بهذا الشأن، فالدراسات النسلية والتي تزداد اتساعا، تكشف عن تداخل واسع النطاق لا يمكن معه تحديد الأعراق على أساس موضوعي، بل لا بد من العودة إلى المقومات الثقافية والتعريف الذاتي.

ولكن التعريف الذاتي لا يحسم الجدل بشأن "الأبيض" و"الأسود". فالعائلات اللبنانية التي استهجنت اختلاط أطفالها بالطفل السوداني "الأسود" قد تكون على قناعة بأنها ناصعة البياض. ولكنها إن جاءت إلى بعض نواحي الولايات المتحدة مثلا، فإنها سوف تجد من ينزع عنها صفة "البياض" بالكامل ويدخلها في خانة "السمر" أو "الملونين" والتي تشمل "السود". ثم أن العديد من السودانيين، إذ يكتفون بصفة السمار، يتمايزون عن "السود" عند جنوبهم، ويستعلون إزاءهم.

ومسألة تجول خطوط التماس بين الأعراق، والإقرار بأنه ليس ثمة حدود موضوعية بينها تسمح بمراجعات شيقة للتاريخ، وإن كانت لا تزال غير مكتملة النضوج البحثي. فبدلا من القناعة الضمنية في الثقافة الغربية العالمية بأن "البيض" هم أصل الحضارة، يمكن إعادة تقييم التعريفات الذاتية للأقوام التي يستنسبها الغربيون كأصل لحضارتهم ـ المصريون القدماء وشعوب العراق القديم بسهولة، ولكن أيضا اليونانيون والذين كانت ملامح قدمائهم أقرب إلى السمار ـ لإدراجها في جماعة مركبة نبذت أجداد الغربيين من الشعوب الأوروبية القديمة لهمجيتها وتخلفها، قبل أن يُستحوز عليها في مرحلة لاحقة لتصبح أصل الحضارة الغربية، سيما وأن أحفاد القدماء من المصريين والعراقيين قد انقطعوا تماما عن ميراثهم، واعتمدوا الرواية الدينية الكتابية أساسا، وإن سعت بعض طوائفهم إلى الاستدراك الشكلي الخالي من المضمون بهذا الصدد لتحصيل مكان أصيل ضمن الحضارة العالمية.

فبدلا من أن يكون تعريف "البيض" الغرب وبعض حوض المتوسط، مع اجتهاد الساحل الجنوبي لهذا البحر للانتماء إلى العرق الفاضل، وتعريف "الأسود" أنه من هو جنوبي الصحراء الكبرى، بالإمكان جمع كامل حوض المتوسط، جنوبيه وشماليه بالتعريف "الأسمر" وضمه إلى سائر القارة السمراء، وإقصار "الأبيض" على ما يتيه في شماله. أليس هذا فعليا ما كانت عليه الرؤية النازية، وإن بمقادير تفضيلية مقلوبة. خواتيم القرن الماضي شهدت اندفاعا بحثيا في هذا الاتجاه، انطلاقا من مقولات تقدم بها باحثون أفارقة.

التجربة الأفريقية الأميركية هامة ومفيدة، لكن للاعتبار، لا للاستنساخ

لهذا المنحى تداعيات خطيرة على مستوى الهويات الذاتية والمجتمعية والحضارية، ولكنه يبقى مجهودا بحثيا محتاجا إلى تتمة، وكذلك إلى تصحيح، حين ضاع في سعي إلى استنساخ التمايز الغربي "الأبيض" الزاعم حصرية الإنتاج الحضاري، فاعتمد بدوره قراءة تبجحية عرقية مضادة.

ثمة وقائع لا يمكن إنكارها. "الأبيض" ليس أبيضا، و"الأسود" ليس أسودا. بل "الأبيض" كما "الأسود" على درجات متفاوتة من السمار. وعليه، عرضيا، لا تعدٍ في الأصل على العرق "الأسود" عند الاستعمال البديهي للسواد كإشارة إلى الظلمة وما شابه، ولا حاجة إلى اجتثاث هذه الاستعمالات، بل الحاجة إلى التخلي عن المجاز اللوني عند الكلام عن الأعراق.

اقرأ للكاتب أيضا: إسرائيل اليهودية.. كي تكون ردة الفعل نافعة

كي لا تقع "اللونية" في الفخ الذي وقعت فيه "الطبقية"، حين أرغمت "العمال والفلاحين" على العداء للرأسماليين فاستقطعت المجتمع أفقيا، و"القومية" الصارمة التي زعمت أولوية أو حصرية لقوم على حساب أقوام، فجزأت المجتمع عاموديا، قد يكون من الأجدى تحدي "بياض" "البيض"، بدلا من إثارة الوعي اللوني والعرقي لدى "السود"، على ضبابية التعريف، إذ من شأن هذا الوعي أن يضاعف الاصطفافات الفئوية والخلاف داخل المجتمعات المعنية بدلا من التأسيس لثقافة احترام الاختلاف.

التجربة الأفريقية الأميركية هامة ومفيدة، لكن للاعتبار، لا للاستنساخ. فالأفارقة الأميركيون إذ خرجوا من حقبة استرقاق وعبودية، في مجتمعات أميركية "بيضاء" مثابرة على نبذهم، قد اختاروا سبلا متعددة متباعدة، الكثير منها يدعو للتميز والتكامل والمساواة، والبعض للتواؤم والتجاوز، والقليل للتعالي. دراسة هذه التوجهات ضروري، ولكن واقع المجتمعات العربية المبنية على تداخل الأعراق لا يحبذ الحلول الأميركية القائمة على تجاور الأعراق. ثمة "سود" قابلين لهذا التعريف في المجتمعات العربية، ولكن الغالبية العظمى من "السود" في هذه المجتمعات هم جزء لا يتجزأ من المخزون الوراثي النسلي العام. الجميع في المحيط العربي أسمر، وإن كان سمار البعض أكثر دكانة. والفرز بين "أسود" وغيره بالتالي لا يستقيم، ولا يستقيم معه السعي إلى وعي عرقي. البديل الواضح المطلوب هو مواجهة كافة أشكال التمييز والسعي إلى تأسيس ثقافة الاعتزاز بالاختلاف.

مع كامل التقدير والاحترام للزميل منصور الحاج.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG