Accessibility links

هل تفضل أن تكون الأعلى أم الأقوى؟


ما هو الحل لتفادي هذا، ولجعل المسؤول الأقوى ينصاع لحكمة الأعلى والسير على هدى توجيهاته وقراراته؟

رياض عصمت/

تذكرني الأحداث التي تعصف حاليا بعدة دول من العالم النامي بقصة كنا نتداولها همسا متمازحين في سبعينيات القرن العشرين. إبان سنوات عملي الطويلة في مجال التلفزيون، دأبت وأحد الأصدقاء الحميمين أن نتساءل عن جدوى دعم هذا المسؤول أو ذاك لاقتراح برنامج أو سيناريو ما تقدم أحدنا به: "هل ترانا سننال الدعم المنشود من الأعلى أم من الأقوى؟" هناك فارق مستتر لا يلحظه عامة الناس بين الأعلى والأقوى، أي بين من هو أرفع منصبا رفيعا من الناحية الإدارية دون أن يملك سلطة فعلية تذكر، وبين من يشغل منصبا أدنى، لكن القرار والصلاحيات ملك يديه.

عادة، يطال الحساب عن الخطأ المسؤول الأعلى، لأن الأقوى يعمل في الخفاء ويعلق الأغلاط على مشجب المسؤول الأعلى الذي يتوهم في نفسه السلطة المطلقة، ويستعرض عضلاته رغم أنه لا يملك من القوة إلا الظاهر فقط.

أحيانا أخرى، يتوهم أحد الأشخاص أن واسطته تمنحه مناعة ضد معارضة قراراته وتحول دون أن يعفى من منصبه، فيقع في كمائن يفاجأ في النهاية أنها تؤدي إلى إزاحته عن منصبه والتخلي عنه بعد أن كبر رأسه وصار عبئا ثقيلا على من يدعمه. يصدق هذا الأمر بشكل خاص على أصحاب المناصب السياسية الحساسة، وبالأخص المراكز العسكرية والأمنية.

من الملاحظ في معظم دول العالم النامي أن الكفاءة لا تكون غالبا سمة صاحب المنصب الأعلى

دأبنا أن نمازح بعضنا في حقبة الشباب متسائلين: "هل رئيس الدائرة أعلى منصبا أم المدير؟ أم أن المدير أعلى منصبا من الرئيس؟" ثم نمضي في مزاحنا قائلين: "يتوقف على الجواب من يتوجب عليه أن يطيع أوامر من". كان دافع ذلك الجدل أن تسمية "الرئيس" تطلق عادةً في التلفزيون على رؤساء الدوائر، مثل "رئيس الدائرة الثقافية" أو "رئيس دائرة الدراما" أو "رئيس دائرة التقييم الفكري والفني" (وهي ذاتها "دائرة الرقابة" مع تعديل للإسم،) وعديد من الدوائر الأخرى. أما تسمية "المدير"، فكانت تطلق على المناصب الأرفع، مثل "المدير العام"، "مدير التلفزيون"، "مدير الإذاعة"، "مدير الإنتاج" و"مدير الشؤون الإدارية والمالية".

بالطبع، كانت المفارقة اللغوية لا تخلو من الطرافة، لكنها لا تخلو من بعض الصحة أيضا، نظرا لأن بعض رؤساء الدوائر كانوا يمتلكون بالفعل صلات بأحد الأجهزة الأمنية تجعل كلمتهم مهابة، وقرارهم لا يرد.

لجأت بعض الدول ـ نذكر من بينها مصر وإيران على سبيل المثال، لا الحصر ـ إلى التخلص من هذه الإشكالية اللغوية بإطلاق لقب "الرئيس" President على الشخص الذي يشغل أعلى منصب في المؤسسة الإعلامية، وبالتالي أصبح "الرئيس" أعلى وأقوى من "المدير"، وهو الوضع الطبيعي من الناحيتين اللغوية والعملية.

عرفت صديقا آخر يتحلى بالظرف كان يحرص في المؤتمرات الإعلامية على أن يفوز في الانتخابات برئاسة المؤتمر في كل مرة بما كان يملكه من ذكاء وحضور وخفة دم. سألته ذات مرة: "ما الذي يجعلك تحرص على تحمل عبء المسؤولية بإصرارك على أن تترأس المؤتمرات دائما؟ إنك لا تنال تعويضا لقاء هذا العبء، ولن تخسر جزءا من مكافأتك لو بقيت مجرد عضو، مثلك مثل الباقين! فلماذا تصر على الرئاسة؟" أجابني: "طوال عمري وأنا حريص على إرضاء عقدتي النفسية بأن أجعل الناس ينادونني ولو خلال المؤتمرات فقط بلقب /سيدي الرئيس/".

في الواقع، يستطيع المرء أن يفرق بين هو أقوى ومن هو أعلى في مختلف المجالات. ربما جرى أن يكون رئيس دائرة أقوى سلطة من مدير محطته أحيانا، وأن يكون مدير عام أثقل وزنا من وزيره أحيانا. لا يشكل هذا مشكلة عند الوزير الكفء أو المدير الحكيم، لأنه واجب واحدهما أن يحرص على أن يحيط نفسه بأشخاص أفضل منه خبرة في الأمور التنفيذية، مدركا أنه يصبح أكثر جدارة بالاحترام والنجاح إذا تعاون مع مساعدين يفوقونه معرفة ويقدمون له النصح الأمين لتحقيق ما هو أفضل. يصدق العكس تماماً عندما يغار المسؤول الأعلى من تفوق الأدنى منه مرتبة إدارية، فيضايقهم ويرفض مقترحاتهم ويفرض ظله الثقيل وقراراته المجحفة عليهم بمناسبة ومن دون مناسبة، بل يعفيهم أحيانا من مناصبهم ويستبدلهم بمن يطيعه طاعة عمياء دون نقاش. بالتأكيد، فإن مثل هذا المسؤول "يحفر قبره بيديه".

رغم مفارقة الأعلى والأقوى، لا بد أن نتذكر أن الحياة لا تقبل الثبات، بل تتطلب القبول بمبدأ التغيير. يجرى أحيانا هذا التأكيد نتيجة نية إصلاحية وهمية عبر تأكيد ضرورة التسلسل الإداري وتجنب قبول هيمنة الأقوى على الأعلى. هذا المبدأ سليم من الناحية النظرية فقط، أما عمليا فإنه صعب التطبيق ويتناسى عامل الكفاءة، بل ربما أدى إلى الوقوع في أخطاء أدهى وأمر، لأن التعيينات تجري غالبا بالواسطة، وليس بناء على الخبرة والموهبة.

يفيد الواقع العملي أنه كثيرا ما يتكاثر خصوم الإنسان الكفء ويستخدمون مختلف أصناف الأسلحة لطعنه في الظهر، وللتغطية على الفساد المستشري بتحميل كاهل الشخص البريء تبعات ذلك الفساد وتبرئة المذنبين المستترين. كثيرا أيضا ما يعزو المسؤول الأعلى أي خطأ يحصل عمدا أو صدفة للأدنى من أجل إنقاذ الكرسي من تحته، لكنه يفشل في إدانة الأقوى حتى ولو كان من يستوجب العقاب.

أحيانا أخرى، يقود المسؤول الأعلى وهم التخلص من منافس خطر يمتلك كفاءة أو خبرة تفوقه، فيجلب من هو أضعف منه قدرات وأكثر طاعة.

من الملاحظ في معظم دول العالم النامي أن الكفاءة لا تكون غالبا سمة صاحب المنصب الأعلى. لذا، اعتبر في بعض البلدان تعيين شخص في المنصب الأعلى إجراء سياسيا، وترك لهؤلاء مسؤوليات رسمية، وبالأحرى شكلية. أما الإدارة الفعلية لعمل الوزارات والمؤسسات، فأوليت إلى أشخاص أدنى منصبا، لكنهم يملكون الرؤية والقدرات، بحيث منحوا الحرية والثقة التامتين، وأصبحوا الأقوى عن جدارة بالرغم من أنهم ليسوا الأعلى.

هناك أشخاص يسارعون إلى تصديق شهادة واحدة تهمس في أذنهم، فيسلمون بها دون تدقيق

خلال عملي المديد في مجال المسرح تعلمت تدريجيا أنه إذا وقعت غلطة تقنية بسيطة ما خلال العرض، فمن الأفضل تجاهلها وعدم المغامرة بإصلاحها، لأن القيام بالتصحيح يلفت الأنظار إلى الغلط ويفاقم الإحساس به. التصحيح الأفضل يجب أن يتم في تجنب الوقوع في الغلطة في يوم آخر للعرض المسرحي، أي الاستفادة من الدرس مستقبلا.

لاحظت خلال عقود عديدة من الزمن في العمل في مجالات تراوحت بين الفنون والدبلوماسية، بين الثقافة والإدارة، أنه من الضروري التوازن الدقيق كلاعب أكروبات على حبل مشدود بين حكمتين: أولهما أن "إصلاح الخطأ فضيلة،" وثانيهما أن "التقلب في القرار مصيبة". هناك أشخاص يسارعون إلى تصديق شهادة واحدة تهمس في أذنهم، فيسلمون بها دون تدقيق، ويتخذون بناء عليها قرارا يبدو لهم بعد حين مجحفا وغير منطقي. بالتالي، عندما يهمس لهم شخص آخر بنصيحة مختلفة، يغير المسؤول قراره إلى النقيض. الأطرف أن ناصحا ثالثا قد يقدم على همسة مغايرة للناصحين السابقين، فيقتنع المسؤول بتغيير قراره مرة ثالثة. بالتالي، ينجم عن ذلك تخبط في المؤسسة بأكملها نظرا للتقلب بين رأي ونقيضه على طريقة "كلام الليل يمحوه النهار".

ما هو الحل لتفادي هذا، ولجعل المسؤول الأقوى ينصاع لحكمة الأعلى والسير على هدى توجيهاته وقراراته؟ الجواب البسيط يكمن في إصغاء المسؤول الأعلى إلى تقاطع الآراء قبل اتخاذ قرار متسرع، بحيث لا يترك مجالا لتفوق سلطة الأقوى، لأن الأعلى يكرس بديمقراطية وتمحيص ووعي مبدأ القرار الجماعي، والجماعة أقوى من أي فرد. بالتالي، استطعنا ـ صديقي القديم وأنا ـ حل معضلة التساؤل المشروع بيننا. وهكذا، بدلا من تفضيل كون واحدنا أن يكون الأعلى أم الأقوى، صار التوحيد بين كون المرء الأعلى والأقوى معا خلال شغله لموقع معين في فترة تكليفه بمسؤوليته هو الغاية المنشودة. هل لدى أولئك الذين يصرون على الحفاظ على المنصب الأعلى القدرة حقاً أن يكونوا الأقوى، أم أنهم مجرد واجهات شكلية لا حول لها ولا قوة؟

اقرأ للكاتب أيضا: شهر الاحتفالات بالثقافة السوداء

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG