Accessibility links

هل ستحل مشكلة سد النهضة؟


مزارع سوداني شمالي الخرطوم ي

د. توفيق حميد/

عادت في الآونة الأخيرة أزمة "سد النهضة" تفرض نفسها من جديد على الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط.

وتم تداول الأزمة على جميع الأصعدة السياسية والإعلامية. فعلى سبيل المثال أثار الموضوع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمته الأخيرة أمام الأمم المتحدة.

وبعد تراشق بالكلمات وصل حدود التنويه إلى احتمالات قيام حرب، التقى السيسي رئيس وزراء أثيوبيا آبي أحمد في روسيا وعاد الأمل من جديد بتدخل سياسي ينهي الأزمة بحل سلمي.

وبعد ذلك قام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدعوة جميع الأطراف للحضور إلى واشنطن لمناقشة الخلاف الذي أثاره بناء هذا السد. وتمت هذه الخطوة بحضور ممثلين للبنك الدولي.

ومن الواضح أن الجانب الأثيوبي استغل نقطتين رئيسيتين في اتفاق النيل، الذي تم توقيعه عام 2015، وهما عدم تحديد حصة واضحة لكمية مياه النيل التي ستصل إلى الجانب المصري وعدم التأكيد على حق مصر في الـ"فيتو" (أي حق الاعتراض) لمنع بناء سدود على النيل بدون موافقتها بعد أن كان ذلك من حقها تبعا للاتفاقيات السابقة التي تم توقيعها من جانب بريطانيا مثل اتفاقية عام 1929.

قد تستغل الجماعات المتطرفة في المنطقة هذا الأمر بهدف زيادة التطرف الديني

ومما زاد الطين بلة وعقّد المشكلة، أن إعلان المبادئ الذي تم توقيعه في عام 2015 يجعل من المستحيل تدويل القضية ونقلها إلى محكمة دولية دون موافقة "جميع" الأطراف المعنيين أي مصر وأثيوبيا والسودان. وهذا يعني ببساطة أن مصر إن تضررت ليس من حقها تبعا لهذه الاتفاقية أن تأخذ الأمر إلى محكمة دولية كما حدث في قضية طابا مع إسرائيل.

ومن الواضح أن أثيوبيا استغلت هذه الثغرة في الاتفاق لصالحها دون مراعاة مبدأ عدم إلحاق ضرر بالجانب المصري والمذكور أيضا في الاتفاقية.

وبعد لقاء الرئيس السيسي ونظيره الأثيوبي في روسيا مؤخرا أعلن الأخير أنه لن يتم الإضرار بمصالح مصر في موضوع مياه النيل. واتفق الطرفان على التحرك الإيجابي لإنهاء المشكلة الفنية الخاصة بهذا الأمر.

وقد أحسن الجانب المصري بعدم الاكتفاء بهذا الوعد وإصراره بعد تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي على استكمال الضغوط السياسية من خلال الولايات المتحدة وقد يتطلب الأمر أيضا في المرحلة القادمة إشراك الدول الأوروبية وبخاصة الدول التي قد تتأثر سلبا بسبب هذه القضية.

إنشاءات سد النهضة في إثيوبيا
إنشاءات سد النهضة في إثيوبيا

فعلى سبيل المثال والافتراض النظري لو تفاقم الأمر ونشبت ـ لا قدر الله ـ حرب بين مصر وأثيوبيا في هذه المنطقة القريبة من باب المندب فإن ذلك قد يزيد من تكلفة الحاويات والسفن التي قد تعبر قناة السويس مما قد يضطرها إلى استخدام رأس الرجاء الصالح وهو أكثر تكلفة بكثير من استخدام قناة السويس. وقد يتسبب هذا الأمر بإبطاء حركة التجارة بين أوروبا والصين عبر قناة السويس ومن ثم زيادة الركود في الاقتصاد العالمي، الذي يعاني أصلا.

والجدير بالذكر أنه لو حصل هذا الاحتمال ـ أي الحرب ـ فإن كل موازين القوى العسكرية ستكون في صالح مصر نظرا لتفوق قواتها الحربية كما وكيفا على أثيوبيا. ولذا فمن الأرجح أن أثيوبيا ستحاول حل المشكلة بطريقة ترضي الجانب المصري حتى تتفادى مواجهة مدمرة للطرفين.

وقد قال رئيس وزراء أثيوبيا آبي أحمد في كلمته لمجلس الشعب الإثيوبي إن الحل السلمي هو الأمثل بالنسبة لجميع الأطراف وذلك بعد أن أبدى استعداد بلاده لمواجهة عسكرية إن تطلب الأمر.

وبالإضافة إلى ذلك فلو أصرت أثيوبيا على الاستمرار في بناء السد وحرمان مصر من كميات كبيرة من المياه مما قد يؤدي إلى شح مائي شديد في مصر فإن عواقب ذلك ستكون وخيمة على العالم، إذ قد تستغل الجماعات المتطرفة في المنطقة هذا الأمر بهدف زيادة التطرف الديني بحجة فشل الأنظمة الأخرى أو "غير الإسلامية" في نظرهم وذلك قد يتسبب ـ إن حدث ـ بحصول أعمال عنف عرقية ضد الأقليات ويهدد أمن قناة السويس وعمليات تسييل الغاز وتصديره لأوروبا من شمالي مصر.

ولذا فإن الجانب المصري عليه أن يوضح للعالم أن تداعيات هذه المشكلة، إن لم يتم حلها، لن تقف عند حدود مصر وحسب بل ستتعداها لتأثيرات عالمية سلبية على الكثيرين.

وعلى ما يبدو، فإن الضغط الدولي بدأ على أثيوبيا بالفعل بعد أن تراجعت الأخيرة عن موقفها الرافض للجوء إلى طرف رابع (كما أقرت المادة العاشرة من اتفاقية إعلان مبادئ وثيقة سد النهضة الموقعة عام 2015) ـ وذلك عقب أول مباحثات لها في واشنطن بعد دعوة الرئيس ترامب لجميع لأطراف المتنازعة.

أثيوبيا ستضطر في النهاية إلى إبداء مرونة أكثر في كمية المياه التي ستصل إلى مصر

فقد أقرت أثيوبيا (بعد رفضها سابقا!) في لقاءات واشنطن الأخيرة بالموافقة على اللجوء إلى الطرف الرابع إذا لم تسفر المفاوضات الجارية إلى اتفاق نهائي قبل يوم 15 يناير 2020.

ومن خلال نظرة واقعية للأحداث وللأسباب المذكورة أعلاه وبقراءة المدلولات السياسية الأخيرة، فإن المجتمع العالمي سيتدخل غالبا، وبقوة، ليحل هذه المشكلة بصورة عادلة وفعالة لجميع الأطراف لمنع الكوارث المحتملة والتي قد يتخطى مداها وبكثير حدود مصر وأثيوبيا!

وفي الغالب أيضا، أن أثيوبيا ستضطر في النهاية إلى إبداء مرونة أكثر في كمية المياه التي ستصل إلى مصر، ذلك أن مصلحتها ليست في تأخير مشروعها العملاق لإنتاج الطاقة الكهربائية من سد النهضة، والتي قد تتأخر أو تتعطل إذا ما قررت حكومة الأثيوبية أن تدخل في قضية تحكيم دولي طويلة المدى من أجل كمية المياه، خاصة وأن التوقعات العلمية كما جاءت في مجلة "ساينس ديلي" تشير إلى أن التغيرات المناخية في العالم سوف تزيد من كميات المياه في النيل الأزرق في العقود القادمة.

اقرأ للكاتب أيضا: لا... لتغيير الثوابت الدينية

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG