Accessibility links

هل سقطت الفرضيات المُؤَسِسة لـ'صفقة القرن' وكيف؟


جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي

بقلم عريب الرنتاوي/

بنى جارد كوشنير، كبير مستشاري الرئيس الأميركي وصهره وفريق البيت الأبيض العامل معه، مقاربتهما لحل أزمة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي على فرضيتين اثنتين: الأولى؛ أن تقديم حزمة إغراءات اقتصادية يصعب رفضها كفيل بدفع القيادة الفلسطينية للقبول بـ"مبادرة ترامب"، لاسيما إن كانت مشفوعة برزمة من العقوبات الاقتصادية في حال إصرار هذه القيادة على رفض الصفقة. والثانية؛ إدخال دول عربية حليفة للولايات المتحدة، وتحديدا "رباعي الاعتدال العربي"، إلى حلبة المفاوضات إلى جانب الفلسطينيين أو نيابة عنهم، وأقصد بالرباعي كلا من السعودية ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة.

ومنذ مجيء إدارة ترامب إلى البيت الأبيض وتكليف كل من جارد كوشنير وجيسون غرينبلات، من دون أن ننسى السفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، تعمل هذه "الترويكا" ما بوسعها على صياغة ما بات يعرف بـ "صفقة القرن"، وإعادة صياغتها من جديد، بعد كل جولة مكوكية بين عواصم دول المنطقة، ودائما بالتنسيق مع حكومة نتنياهو.

لكن حصاد الجهود التي بذلت طوال أزيد من عام على البدء بوضع النقاط فوق حروف "المبادرة"، يشف عن خطأ الفرضيتين كلتيهما.. فلا الفلسطينيون تراجعوا عن موقفهم الرافض للمبادرة، بل واستتبعوه بقرار قطع الاتصالات مع الإدارة الأميركية، بعد السادس من كانون الأول/ديسمبر عام 2017 عندما أعلن الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وقراره نقل سفارة بلاده إليها.. ولا الدول العربية المعتدلة، أبدت رغبة أو حماسة ظاهرتين للتساوق ـ علنا على الأقل ـ مع المبادرة المذكورة، أو هي أظهرت الاستعداد للتفاوض نيابة عن الفلسطينيين أو حتى ممارسة أعلى قدر من الضغوط عليهم لثنيهم عن مواقفهم.

لقد اصطدمت رهانات كوشنير وفرضياته بجدار مسدود، وعاد من آخر جولاته المكوكية في المنطقة بـ"قليل من الحمص"، حتى لا نقول "بخفي حنين". ومن الواضح تماما أن مبادرة ترامب بدأت بالترنح، وربما تسقط وتحرر شهادة وفاتها، قبل أن ترى النور... والأرجح أن هذه المبادرة، قد أضفت مزيدا من التعقيد والحساسية على أزمة، هي بحكم طبيعتها، من بين أكثر أزمات المنطقة تعقيدا وإثارة لشتى أنواع الحساسيات.

اقرأ للكاتب أيضا: نهاية "لحظتين" لا لحظة واحدة

لكن وبدل أن تعترف الإدارة و"الترويكا" الأميركية المكلفة بإدارة هذا الملف، بالفشل والسعي لاستنقاذ الموقف من جديد، وقبل فوات الأوان، نرى أنهما مصرتان على الإمعان في سلوك نفس الطريق على أمل الوصول إلى نتائج ونهايات مختلفة.

يعتقد كوشنير أن المشكلة تكاد تنحصر بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولهذا قرر مخاطبة الشعب الفلسطيني مباشرة من خلال مقابلة نادرة مع صحيفة "القدس" المقدسية، في حين أن عباس شخصيا هو الأكثر اعتدالا في الإطار القيادي الفلسطيني والأكثر رغبة في إتمام "صفقة سياسية" لطالما كانت رهان حياته كلها.

ينسى كوشنير، أو يتناسى، أن مواقف السلطة من "صفقة القرن" وقرار ترامب حول القدس وقطع الاتصالات مع الإدارة الأميركية تحظى بأوسع ترحيب وتأييد من قبل غالبية ساحقة من الفلسطينيين في الضفة والقدس وغزة، كما في دول المنافي والشتات. لا بل إن غالبية الشعب الفلسطيني تطالب عباس والقيادة الفلسطينية باتخاذ مواقف أكثر تشددا حيال واشنطن ومبادرتها ووساطتها.

سقط رهان كوشنير والإدارة الأول، على "تطويع" الموقف الفلسطيني باللجوء إلى تكتيك "العصا والجزرة" الذي اتبع حيال السلطة، خصوصا في الأشهر الماضية التي شهدت تجميد المساعدات الأميركية لها وللأونروا، فضلا عن قرار الإدارة بخصوص مكتب منظمة التحرير في العاصمة الأميركية واشنطن، وانسحاب الولايات المتحدة من اليونيسكو ومجلس حقوق الإنسان انتصارا لإسرائيل في مواجهة السلطة الفلسطينية وحلفائها.

أما الرهان الثاني، ويتعلق بما يمكن للدول العربية أن تفعله للضغط على الفلسطينيين للقبول بمبادرة ترامب والتساوق معها، أو القيام بأدوار تفاوضية نيابة عن الفلسطينيين... هذا الرهان، تكرر سقوطه مرات متتالية في فترة قياسية؛ في قمة الظهران العربية واجتماعات وزراء الخارجية العرب المتكررة وفي قمتين إسلاميتين متعاقبتين استقبلتهما تركيا... وبدا واضحا لزعماء الدول موضع الرهان أن "صفقة القرن" يصعب ابتلاعها وهضمها وتسويقها، وأن من يتورط في مهمة كهذه من شأنه أن يحرق أصابعه في نارها من دون نتيجة ترتجى.

وحتى بفرض صحة المعلومات (التسريبات) عن استعداد أبداه محمد بن سلمان أو محمد بن زايد للإدارة الأميركية لتليين المواقف الفلسطينية، فقد استشعرت قيادتا البلدين، أن مهمة كهذه قد تكون مكلفة لهما كثيرا، وهما المنخرطتان في صراعات محتدمة مع محور إيران وحلفائها ومحور قطر ـ تركيا ـ الإخوان المسلمين، وكان واضحا أكثر، في الحالة السعودية بخاصة، أن الملك سلمان لطالما تعمد بث رسائل تستبطن خلافا مع ما يقوله نجله وولي عهده أو يتعهد به بالنظر إلى إدراكه الأعمق بخطورة التورط في تسويق حل نهائي للمسألة الفلسطينية يصفه الفلسطينيون بـ"التصفوي" ويرى فيه المسلمون وكثرة كاثرة من مسيحيي المنطقة بأنه ينطوي على تفريط بالقدس، مفتاح الحرب والسلام على حد تعبير الملك عبد الله الثاني.

صحيح أن واشنطن لم ترفع الراية البيضاء بعد، وليس من المتوقع أن تفعل ذلك. وصحيح أيضا، أن ثمة محاولات كبرى تبذل لثني الفلسطينيين عن مواقفهم وإقناع الدول العربية بتقديم مزيد من الدعم والتسهيلات للفريق الأميركي.. بيد أن الصحيح كذلك، أن فرص نجاح المحاولات الأميركية الجديدة لن تكون أفضل من سابقاتها، والمرجح أنها ستنتهي إلى طريق مسدود.

اقرأ للكاتب أيضا: 'إخوان الأردن' وقرار 'النأي بالنفس' عن الشارع

لقد توافق العالم بأسره، على معايير الحل النهائي لقضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وحملت قرارات الشرعية الدولية المتراكمة معالم هذا الحل ومعاييره، واستبطنت الاتفاقات المبرمة في سياق عملية السلام الممتدة لقرابة الثلاثة عقود أسس وأركان الحل النهائي، والتي تبدأ بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية الذي بدأ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لكن إدارة ترامب تجاوزت كل هذه المرجعيات، وسعت في استبدالها بمرجعيات قررتها من جانب واحد ومن دون تشاور، إلا مع الجانب الإسرائيلي.

وإذا كان الفلسطينيون قد اعتادوا عبر سنوات وعقود من صراعهم في سبيل الحرية والاستقلال، على مقارعة مواقف أميركية منحازة لإسرائيل، إلا أنها المرة الأولى التي يجدون فيها أنفسهم في مواجهة مع موقف أميركي منحاز لليمين الإسرائيلي الأكثر تطرفا، دينيا وقوميا، وأمام "ترويكا" أميركية أكثر تشددا من الترويكا الحاكمة في إسرائيل ذاتها، فمواقف السفير الأميركي في إسرائيل تقابل بالاعتراض والامتعاض من قبل معسكر اليسار الإسرائيلي.

إن أرادت واشنطن حقا إغلاق ملف القضية الفلسطينية، أطول الصراعات والأزمات المفتوحة في المنطقة وأقدمها، وإن هي أرادت لدورها كوسيط وراعي لعملية السلام أن يستمر، فما عليها سوى أن تخطو خطوتين للوراء، فتعيد النظر في المبادرة التي يجري تسريب بنودها تباعا، وتعيد تعريف موقفها من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ليقتصر على القدس الغربية دون الشرقية، وأن تفتح الباب لشركاء دوليين وإقليميين، للمساهمة في رعاية عملية السلام والتوسط فيها، وبخلاف ذلك، لن يكتب لهذا الصراع المتقادم، أي انفراج في المدى المستقبلي المنظور، ولن يكون بمقدور واشنطن مواصلة دور الوسيط والحكم.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG