Accessibility links

هل ما زال أمل الديمقراطية ممكنا؟


ربما كان صحيحا أن التاريخ الآني يكتبه المنتصرون، لكن التاريخ الخالد يكتبه أصحاب الحق

رياض عصمت/

دأب أبي ـ رحمه الله ـ في طفولتنا، حين كانت اختلاف الرأي يفرق بين أفراد أسرتنا الواحدة حول مسألة ما ويكاد يدفعنا إلى الشجار بدل الحوار، أن يحول دون استفحال الخلاف بيننا بأن يقترح اللجوء إلى ما كان يطلق عليه اسم "لعبة الحظ". كانت اللعبة تقتضي كتابة علامات (+) على ثلاث قصاصات ورق صغيرة وعلامات (-) على ثلاث ورقات مماثلة، طيها جميعا، خلطها ثم إلقائها كالودع الذي تلقيه العرافة بهدف "فتح الفال". كان أبي يطلب منا سحب ثلاث أوراق مطوية منها دون تعيين بأعين مغمضة. كنا نفتحها، فإذا وجدنا أنها ثلاث زوائد، كان أبي يقول: "في الخطوة خير، ويفترض أن نقدم عليها". أما في حال كانت ثلاث نواقص، فكان يقول: "في الأمر شر، ويستحسن أن نتجنبه". أما إذا اخترنا بالصدفة ثلاث ورقات تحمل زائدين وناقص، أو ناقصين وزائد، فكان أبي يحثنا مبتسما على اللجوء إلى ضرورة إحكام العقل عبر نقاش ديمقراطي هادئ كي نتوصل إلى القرار الأنسب عن قناعة ومنطق.

لم يكن أبي يقدم على تلك اللعبة لإيمانه المطلق بالغيبيات، موقنا بأن القدر سيعطينا إشارة كي نقدم على أمر معين أو نتجنبه، بل كان حريصا أن يعلمنا فائدة الحوار في إدارة شؤوننا، وهذا أبرز سمات الديمقراطية.

الديمقراطية كمشروع وتصور قابلة للتحقيق في الوجدان العربي

تقودنا متابعة الأحداث التي تجري مؤخرا في بلدين شقيقين هما الجزائر والسودان إلى التساؤل: ترى، هل للديمقراطية أملٌ في العالم العربي؟ هل يمكن أن تسمح بها الأنظمة المختلفة؟ وهل تصلح الشعوب العربية عامة لتقبل فكرة الديمقراطية، بعد أن اعتادت منذ عقود عديدة من الزمن أن تعيش تحت أمرة زعيم حتى يغيبه الموت أو يخطف منه المنصب انقلاب عسكري؟ يصر كثيرون على أن الديمقراطية تحتاج لتأسيس بطيء قد يستمر قرونا عدة، وأن العالم الغربي لم يصل إليها إلا بعد حقب طويلة من عهود الملكية والصراع بين الكنيسة والعرش. لذا، فإن المناداة بالديمقراطية في منطقتنا من العالم هي مجرد شعار ظاهري فقط، يرفع لكسب الأنصار والمؤيدين عبر إيجاد برلمانات وهيئات استشارية وقضائية تبدو مستقلة في الظاهر، لكن السلطة الحقيقية تبقى في يد شخص أو حزب.

هكذا، سواء كانت الجهة إسلامية متطرفة أو يسارية تقدمية أو قومية متحمسة، فإن الممارسات جميعا حتى الآن ترجح الشك في صلاحية الديمقراطية للعالم العربي.

للأسف الأشد أيضا، فإن كل تلك الأطراف في منطقتنا أثبتت خطأها، لأن الديمقراطية كمشروع وتصور قابلة للتحقيق في الوجدان العربي. لا يجهل مسلم جملة "واجعلوا أمركم شورى بينكم". أما حركات التحرر القومية وحركات اليسار العربية بدرجاتها المتعددة فقامت لتكرس العمل الجماعي والرأي المشترك، ولو كان ضمن إطار حزب واحد أو جبهة وطنية تشكل ائتلاف أحزاب.

عمل الجمهوريين بعد انقلاباتهم على الأنظمة الملكية على تأسيس البرلمانات وصياغة الدساتير من منطلقات ديمقراطية ـ ولو شكليا ـ كي يرضوا الجماهير التي ساندتهم من أجل انتقال السلطة، وإن مانع بعضهم تداولها وتشبثوا بعروشهم عقودا عدة.

يقال إن الظاهر بيبرس كان أول من ابتدع تاريخيا مفهوم "القائد الخالد". بالتأكيد، سبق أن هيمن هذا المفهوم على ممالك عديدة في أوروبا والعالم، لكنه ما لبث أن انحسر تدريجيا في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وسواها.

منحت الدساتير الغربية مسؤوليها حرية القرار، لكنها تضمنت محاسبتهم على حسن أدائهم أو سوئه من قبل المعارضة، وهي معارضة كثيرا ما تفوز بالحكم عن طريق صناديق الاقتراع عبر انتخابات نزيهة. أعتقد أنه مهما طال الأمر وتأخر، ومهما جرت العرقلة والمماطلة من قبل جهة مستفيدة أو أخرى، فإن الديمقراطية لا بد أن تنتصر في آخر المطاف في كل مكان وزمان.

هنا، لا بأس أن نتذكر سلسلة المسرحيات التاريخية التي ألفها وليم شكسبير عن ملوك مثل هنري الرابع وهنري الخامس وريتشارد الثاني وريتشارد الثالث وسواهم، مستلهما أحداثها وشخصياتها من سجلات التاريخ القديمة، ومتناولا فيها سياسة الحكام، فطنتهم أو غباءهم، بالتحليل الدرامي.

في تلك المسرحيات التي استقاها شكسبير من هولنشيد وبلوتارك وسواهما من المؤرخين، صوَّر شكسبير بشكل أو بآخر نشوء طبع الاستبداد عند الحاكم الديكتاتور الذي يخال نفسه بعد فترة من الزمن ظل الله على الأرض، وذلك بعد أن يروج أتباعه من المنافقين لهذه الصورة الخيالية.

يذكر عشاق المسرح العالمي أيضا ثلاث مسرحيات شهيرة تدور عن موضوع واحد وشخصيتين بعينهما، وهي: "جريمة في الكاتدرائية" تأليف الأميركي ت. س. إليوت، "رجل لكل العصور" تأليف البريطاني روبرت بولت، و"بيكيت أو شرف الله" تأليف الفرنسي جان آنوي. كل واحدة من هذه المسرحيات تروي قصة الصداقة الحميمة التي تربط بين نبيل ورجل دين، لكن النبيل عندما يرتقي إلى العرش ليصبح ملكا لا يحتمل انتقاد صديقه القديم الذي عينه أسقفا للمملكة متوقعا منه الولاء التام، في حين يدافع الأسقف عن القيم التي يؤمن بها وإن أثار بذلك حفيظة الملك. لهذا، لا يتورع الملك أن يوعز بتصفية صديقه القديم لإسكات صوته الناقد المعارض لسلطة عرشه.

في حقب التاريخ، تلاحق السلطة الحاكمة كل من يعلو صوته بالاحتجاج ويعلن على الملأ مطالب مشروعة، فتصمه بأنه قليل الوفاء وناكر للجميل، بل غالبا ما تنعته بصفة العمالة، إن لم تتهمه بالخيانة العظمى ودعم الإرهاب. بالمقابل، تطارد اللعنة تاريخيا كل من يلجأ إلى القسوة والعنف ضد المطالبين بالحقوق المشروعة، وضد المنادين بالإصلاح والعدالة والحرية، من فرعون إلى نيرون إلى كاليغولا إلى فرانكو وسواهم من الديكتاتوريين.

في الختام، يبدو ملاك الموت ديمقراطيا في حصده الأرواح كافة دون تفريق بين غني وفقير، بين ضعيف وقدير. منذ زمن التراجيديين الإغريق وشكسبير وأشباح المقتولين تطارد قاتليها، وتظل تلاحقهم بلعنة أبدية، فتقتص منهم وهم على قيد الحياة قبل أن يواريهم الثرى. من كريون إلى كلوديوس، من ريتشارد الثالث إلى ماكبث. ربما ينجح الطغاة في الصعود، لكن المسألة لا تنتهي بانتصار القاتل ونسيان المقتول.

إن ما يبقى خالدا ليس "قوة الحاكم"، بل "قوة المحكوم"

في الواقع، ما زال التاريخ يذكر سبارتاكوس، وبالكاد يذكر اسم الجنرال الذي صلبه ظنا منه أنه هزم ثورته. ما زال التاريخ يذكر زنوبيا، وينسى معظم الناس اسم القائد الروماني الذي أسرها أو اسم كسرى الذي تآمر على استقلال تدمر. الأمثلة عديدة في التاريخ القديم والحديث، لها بداية وليس لها نهاية.

ربما كان صحيحا أن التاريخ الآني يكتبه المنتصرون، لكن التاريخ الخالد يكتبه أصحاب الحق. تقول الحكمة: "من يضحك أخيرا، يضحك كثيرا"، ويقول وليم شكسبير: "العبرة بالخواتيم".

إن ما يبقى خالدا ليس "قوة الحاكم"، بل "قوة المحكوم"، لأن المحكوم وحده هو الشعب الذي يمد الحاكم بالشرعية ويمنحه إياها ليس قسرا، وإنما طوعا بكامل وعيه وإيمانه وإرادته.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يعرف الإرهاب دينا أو طائفة؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG