Accessibility links

هل مسرحية اختطاف قنديل تهديد للسلم الأهلي؟


رجل أمن أردني أمام محكمة أمن الدولة في عمان

بقلم نضال منصور/

يلاحق الحظ العاثر حكومة رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز. منذ استلامه دفة السلطة والأزمات تلاحقه. إذا ما استثنينا المزاج الشعبي المعادي للحكومات وعدم الثقة بها مهما قالت ومهما فعلت، فإن "لعنات الطبيعة" لم ترحم حكومته ووضعتها في موقع حرج للغاية.

قبل أن تجف دماء الأبرياء الذين ذهبوا ضحايا السيول في البحر الميت، كانت الطبيعة تعلن غضبها مرة أخرى، فتعود السيول الجارفة لتأخذ معها 13 ضحية في مدن الجنوب وسط ذهول الناس وخوفهم. بعدها بأيام قليلة تسقط طفلة في "حفرة امتصاصية" تُستخدم لتجميع المجاري والعوادم لم تكن مغلقة، ويتبعها شاب لإنقاذها فيختنق ويغرق معها؛ وتبدأ حملة "التلاوم" والسؤال من المسؤول عما حدث؟

في الأردن، هناك من يعتقد بوجود عملية منظمة لجلد الذات، وتضخيم ومبالغة في التعامل مع الأزمات، وأن الشارع لم يعد يرحم، ويُحمّل الحكومات فوق طاقتها، ويعتقدون أن هذه المعارك والفوضى ساحتها مواقع التواصل الاجتماعي.

"الإقصائيون" من كل الاتجاهات يتخلون عن شعاراتهم إذا كانت المعارك مع من يختلفون معهم ... فيظهر عمق الأزمة وتسقط الأقنعة

سمعت أكثر من سياسي يقول "انظروا للحرائق في أميركا كم قتلت وأزهقت أرواحا، والحكومة الأميركية بعظمتها ومواردها حتى الآن لم تسيطر عليها، وبذات الوقت لم تسمع أصواتا تحملها المسؤولية وتطالب الوزراء بالاستقالة أو حتى احتجاجات غاضبة على مستوى الولايات"!

مقارنة، ربما تستحق الدراسة والتدقيق؛ وهو ما يقودنا لتساؤل آخر، هل نحن مجتمع نتقن الشكوى والتذمر وأصبح الأمر متعلق في سلوكياتنا؟ أم أن الواقع غير ذلك، والموقف نتاج تجارب مجتمعية لعقود أثبتت خلالها الحكومات المتعاقبة أنها ليست موضع ثقة، ولا تقوم بواجباتها التي أقسمت على القيام بها؟

اقرأ للكاتب أيضا: الأردن أمام مجلس حقوق الإنسان.. تجاهل وإنكار للتحديات الحقوقية

يخرج المجتمع الأردني من قصة فيغرق في قصة أخرى، وتخرج الحكومة من كبوة لتسقط في أخرى، وتظل وسائل التواصل الاجتماعي في حالة بث مستمر للأزمات المتلاحقة التي تعصف بنا.

آخر المشكلات التي لم تُغلق حتى الآن كانت القصة المزلزلة لاختطاف وتعذيب الباحث يونس قنديل التي خلقت حالة فزع وقلق لا سابق لها في الأردن، ودقت جرس الإنذار لحوادث لم يألفها الناس، وكانوا يسمعون عنها في دول الجوار ويُذهلون مما يحدث، وكيف يسكت الناس عنها.

المفاجأة، التي لم يتوقعها أحد وكانت من العيار الثقيل، أن الأجهزة الأمنية الأردنية أعلنت الأسبوع الماضي أن التحقيقات توصلت لاعتراف قنديل ذاته أن القضية مختلقة ومضللة، وأنه قام بالتعاون والاشتراك مع ابن شقيقته باختلاق كل هذه القضية وأنه لم يتعرض للاختطاف، وأن آثار "التعذيب" كانت بفعل ابن شقيقته وبرضاه شخصيا.

لم تنه مسرحية قنديل المفتعلة المخاوف والهواجس، بل أشعلت عاصفة من النقاش والاتهامات بين يصنفون بأنهم "إسلاميين" و"مدنيين". خلفية هذه الحرب المستعرة حتى الآن أن العديد من الشخصيات المحسوبة على "الإسلاميين" أيدت وبقوة منع إقامة مؤتمر مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، التي يشغل يونس قنديل موقع الأمين العام فيها، وتبع هذه الحملة التشكيك بالمؤتمر وبأهدافه وبأنه منصة لنشر الفكر الإلحادي والإساءة للدين الإسلامي، وهو ما دفع بالحكومة إلى التراجع وإلغاء الموافقة على عقد المؤتمر.

في الاتجاه الآخر تصدى العديد ممن يُحسبون على التيار المدني والتنويري لقرار الحكومة بمنع المؤتمر، ورفضوه، واعتبروا ذلك وصاية على عقول الناس، وحجرا على حرية التفكير والمعتقد، ومهادنة لخط "الإسلام السياسي" على حساب الدستور وسيادة القانون في الدولة، وتزامن كل هذا السجال مع إعلان قنديل ومؤسسة "مؤمنون بلا حدود" أنهم تلقوا الكثير من رسائل التهديد.

حين كشف الأمن العام أن قنديل اختلق القضية من ألفها إلى يائها، وأنه ضلل الرأي العام، وأن حكاية الاختطاف والتعذيب مفبركة، عادت رموز من التيار الإسلامي للهجوم على من ساندوا قنديل، وأطلقوا هاشتاغ "كاذبون بلا حدود". بدأوا بالتندر على رموز التيار المدني التنويري وتوجيه اتهامات لهم أيضا. الأبعد من كل ذلك هو الأسئلة التي طرحت حول من يقف وراء قنديل؟ وهل كانت العملية مخطط لها؟ وهل هذه القضية المفتعلة كانت تستهدف السلم المجتمعي الأردني؟ وذهبت أسئلة أخرى إلى إثارة علامات استفهام عمن يمول مؤسسة "مؤمنون بلا حدود".

المرجح أن "مسرحية قنديل" المفتعلة، التي أعلنها الأمن العام ولم يُصدر القضاء حكما فيها بعد، "ضعضعت" وأضعفت مناصري التنوير والإصلاح في الأردن، ووجهت لهم صفعة قاسية لم يكن يتوقعونها، وبالتأكيد لا يريدونها أو يتمنونها.

تمسكت أصوات في التيار المدني والتنويري بالقول بأنهم دافعوا عن مبادئ حرية التعبير والمعتقد، وتنصلوا، وأدانوا فعلة قنديل، وأكدوا أنهم لا يدافعون عن أشخاص بل عن قيم يؤمنون بها.

أزعجتني قصة يونس قنديل كثيرا؛ تساءلت مع نفسي لماذا يفعل ذلك بنفسه؟ وهل يمكن لشخص في حالة نفسية سوية أن يقبل "التعذيب" ليصبح ضحية يشار لها بالبنان؟

أشعر بالألم حين يصبح الدفاع عن المبادئ والقيم محرجا، ويضعك في دائرة الاتهام، ويوفر فرصة لمن لا يؤمن بهذه القيم ولا يقبل بتعددية الآراء أن "ينهشك" ويلصق بك كل التهم دون أن يرمش له جفن.

ما لم يرصده المتخاصمون أنهم عبّدوا الطريق لتمرير تعديل قانون الجرائم الإلكترونية

أحس بالسخرية حين يقف من تعرض للمنع والتضييق لسنوات وعقود في صف السلطة التي تمنع وتزجر، لأن من تعرض للظلم والمنع هذه المرة مخالف له بالرأي والفكر والمعتقد.

تنبهت بقلق كبير جدا للإقصائيين في بلادي، من كل الاتجاهات، الإسلاميين والمدنيين، اليساريين والمحافظين، هؤلاء جميعا، بمختلف مواقفهم، يتخلون عن شعاراتهم إذا كانت المعارك مع من يختلفون معه. وقضية يونس قنديل كانت كاشفة لي، وربما لآخرين عن عمق الأزمة، وسقوط الأقنعة.

اقرأ للكاتب أيضا: بعد كارثة البحر الميت... غياب الاعتذار

لم تنته قصة يونس قنديل، الذي أوقفه المدعي العم مع ابن شقيقته، ولا يعرف ماذا سيكون قرار القضاء، والأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي قطعي، لكن الثابت أن هذه القضية ستترك علاماتها وسيكون لها ذيول وتداعيات.

ما لم يرصده المتخاصمون، والمتناحرون، بإقصائهم وتطرفهم ومغالاتهم، أنهم عبّدوا الطريق لتمرير تعديل قانون الجرائم الإلكترونية، فما حدث أعطى مبررا للقول إن الفضاء الإلكتروني أصبح خطرا على السلم المجتمعي، ويهيئ الظروف لفتن تهدد البلاد والعباد، وأن درء هذه الأخطار يتقدم على فوائد حرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة!

فهل تنظر الأطراف المتناحرة أبعد من أنوفها، وترى أن حروب "داحس والغبراء" التي افتعلوها، وما زالوا، ستكون وبالا علينا ولطمة موجعة؟

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG