Accessibility links

هل نشعر بالخوف والشفقة في عصر التكنولوجيا؟


مسرح شيكاغو الشهير

بقلم رياض عصمت/

ما هي ضرورة وجود المسرح في عصر يحفل بالدراما التلفزيونية والسينمائية التي تدخل إلى بيوتنا عبر محطات التلفزيون الفضائية ومواقع "نتفليكس" و"يوتيوب" و"أمازون" وسواها من الوسائل التكنولوجية العديدة المتاحة الآن؟ لماذا يستمر المسرح وقد تطورت تقنيات السينما بصورة مذهلة عبر التقنية ثلاثية الأبعاد مما ينذر بانحسار الجمهور عن ارتياد المسارح؟ كيف يمكن للمسرح الحياة والازدهار بينما يتيح التلفزيون بتكلفة زهيدة متعا درامية من مختلف الأنماط والأشكال للمشاهد المسترخي على أريكته في بيته المريح دون تجشم عناء قيادة السيارة وركنها في مرآب ودفع ثمن تذكرة باهظة؟ لماذا المسرح طالما أنه يمكن للإنترنت أن يرضي فضول الإنسان وينقله إلى آفاق ما كان ليحلم بها قبل عقود قليلة من الزمان؟ هل بدأ العد التدريجي لأفول الحاجة إلى المسرح في حياتنا في القرن الحادي والعشرين؟

قبل مدة قصيرة، حضرت في مسرح صغير جدا يدعى A Red Orchid في شيكاغو عرضا مسرحيا بعنوان "خائن"Traitorلمؤلف موفور النشاط هو بريت نوفو Brett Neveu. اقتبس مسرحيته بشكل حر عن مسرحية المؤلف النرويجي هنريك إبسن "عدو الشعب"، لكنه جعل أحداثها تدور في زماننا المعاصر في الولايات المتحدة، مقربا شخصياتها وموضوعها من الجمهور المعاصر.

تطرح المسرحية مواجهة الفرد صاحب الضمير للجماعة الحريصة على مصالحها النفعية. وفي حين يكتشف رجل عالم أن مياه الينبوع المفترض أنها صحية هي مياه ملوثة، يتهمه الآخرون من أهل البلدة بالخيانة لأنه سيقطع رزقهم بضرب حركة السياحة، ويضطهدونه ويؤذون سمعته بمن فيهم شقيقته التي تشغل منصب محافظ البلدة. بالتالي، يطلق العالم بعد صدمته بخذلان الناس من حوله صيحته الشهيرة: "إن ينابيع حياتنا مسممة".

إن الحاجة الحقيقية إلى المسرح تجعله ضروريا للإنسان مثل الحاجة إلى الماء والهواء والطعام، لأنه غذاء الروح

لم يكن معمار المسرح الصغير الذي لا يستوعب سوى 60 متفرجا تقريبا هو ما استرعى اهتمامي فقط، ولا النص البارع الذي صاغه مؤلف موهوب، وإنما تصدي النجم السينمائي المعروف مايكل شانون (بطل أفلام "شكل الماء"، "حيوانات ليلية" و"12 قويا") لمهمة الإخراج المسرحي. ما الذي يدفع نجما يمثل فيلمين هوليووديين في العام الواحد، وينال أجرا عاليا على كل دور، أن يبذل جهده ووقته مقابل أجر زهيد لإخراج نص في مسرح لا يتسع سوى لبضع دزينات من المتفرجين؟ لا أجد دافعا سوى دافع الإيمان القوي في روح فنان أصيل بأن المسرح يستحق التضحية، وأنه مدرسة للفنان مهما علا شأنه واغتنى جيبه من الأعمال الفنية واسعة الانتشار، والتي تدر عليه دخلا عاليا. بالتالي، يمكننا القول إن من الصعب أن يموت فن المسرح بسبب منافسة التكنولوجيا الحديثة المبهرة في مجالي السينما والتلفزيون. المرجح أن يزداد المسرح خصوصية، بل قوة ونضارة وحيوية، وأن يكتسب لغته التعبيرية المميزة التي تختلف عنهما.

اقرأ للكاتب أيضا: كيف تغير الحرب طبائع البشر!

حضر المخرج/النجم مايكل شانون افتتاح عرضه، ومر قرب صف الناس الواقفين في انتظار أن تفتح الأبواب، ثم دخل معهم وسط الزحام. لم يضايقه أحد خلال دخوله بطلب التقاط صورة "سيلفي"، ولم يطلب منه أحد التوقيع على أوتوغراف، بل رمقه الحاضرون مبتسمين بود واحترام بالغين، لأنه فنان أخلص لتاريخ انطلاقته من ذلك المسرح الصغير في قلب شيكاغو، فعاد إليه نجما ليسهم بالإخراج ـ وربما بالأداء ـ لفرقته، إيمانا منه برسالة المسرح السامية ودوره في إصلاح المجتمع.

كذلك فعل من قبله نجوم أوسع شهرة في ذروة نجاحهم، نذكر منهم داستن هوفمان الذي لعب بطولة مسرحية آرثر ميلر "موت بائع جوال"، ومارتن شين الذي لعب بطولة مسرحية عن رجل مصاب بالإيدز. واليوم، لا يتوانى نجوم شباب اشتهروا من خلال السينما والتلفزيون ببذل جهد مضاعف دون التفكير بالمال من أجل إرضاء ذواتهم، وجلب الجمهور إلى المسرح، ونذكر منهم على سبيل المثال دانيال رادكليف (بطل سلسلة أفلام "هاري بوتر") وإميليا كلارك (بطلة مسلسل "لعبة العروش".

منذ أرسطو، كتب كثيرون عن مغزى كلمة "كاثارسيز"، أي تطهير النفس نتيجة إحساس بالخوف والشفقة. بعيدا عن أي تعقيد، "الكاثارسيز" هو تلك الرعشة التي تصيب أحيانا عمودنا الفقري نتيجة التوحد مع آلام وآمال شخصية درامية، مما يطهر مشاعرنا. السؤال الذي لا بد أن يراود البال: متى شعرنا آخر مرة بهذا الأثر؟ وهل مر بنا هذا الإحساس ونحن نتفرج على التلفزيون مثلا، أم أنه إحساس يقتصر على المسرح؟ شخصيا، أعترف أن إحساس "الكاثارسيز" انتابني خلال حضوري ندرة من أفلام السينما الخالدة، لكنه انتابني أكثر مع بعض العروض المسرحية التي حضرت في عواصم المسرح العالمية الكبرى مثل لندن ونيويورك. للأسف الشديد، أكاد لا أذكر الآن أن ذلك الإحساس انتابني مع عروض المسرح العربي، والمؤكد أكثر أنه لم يداهمني وأنا أتابع أي مسلسل تلفزيوني عربي في موسم الذروة للمشاهدة التلفزيونية خلال شهر رمضان.

ما زلت أذكر حضوري في لندن ذات مرة مسرحية سبق لي أن حضرت لها عروضا مختلفة لها بأكثر من لغة، وهي مسرحية آرثر ميلر "كلهم أبنائي" ـ ربما لأنني سبق أن التقيت بالمؤلف شخصيا حوالي أسبوع في مؤتمر في مدينة سالزبورغ بالنمسا. وبالرغم من معرفتي الجيدة بمسرحية "كلهم أبنائي"، لم أكن اتوقع أن ذلك العرض يمكن أن يحدث عندي صدمة "الكاثارسيز" التي تحدث عنها أرسطو، إذ نادرا ما داهمني ذلك الشعور بالتطهير أمام ما حضرت من إخراجات سابقة للمسرحية ذاتها في لندن أيضا.

كثيرا ما يكون الأثر العاطفي للمسرح، بما يحمله من تنوير وتثوير، أعمق من باقي الفنون الدرامية

لكن شعور الخوف والشفقة تصاعد تدريجيا في داخلي مشهدا تلو مشهد إلى أن وصل إلى الذروة مع طلقة المسدس التي أطلقها الأب على نفسه منتحرا لإدراكه أنه كان السبب الحقيقي وراء انتحار ولده الطيار الحربي خجلا من مسؤولية والده عن مصرع عدد من زملائه الطيارين. نجم شعوري عن توحد الممثلين الرائع مع شخصياتهم، وانتقال ذلك التوحد إلينا كمتفرجين ليهزنا الحدث الدرامي ويعصف بكياننا، كما هزهم وعصف بهم. هكذا، مثل شحنة الكهرباء التي تصعق الجسد، صعق العرض أرواح الجمهور بصورة نادرا ما تتحقق من خلال التلفزيون، ونادرا ما تتحقق مع بعض أفلام السينما العظيمة.

ظلت ذكرى هذا الإحساس مهيمنة على وجداني لسنوات عديدة إلى أن قمت بإعداد نص "كلهم أبنائي" لصالح فرقة "مسرح دمشق القومي" في العام 2012 ناقلا زمن أحداثها إلى فترة حرب العراق كي أحقق تأثيرا عاطفيا أقوى على المتفرج السوري. تخليت عن مهمة الإخراج للمخرج مأمون الخطيب، مكتفيا بمحاولة إضفاء تأثير "الكاثارسيز" المنشود من خلال ترجمة وإعداد النص، وأعتقد جازما أن قرب الأحداث زمنيا وجغرافيا ووجدانيا من المتفرج أسهم إلى حد كبير في إحراز تأثير التطهير المأمول.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تنبأ سام شيبرد بلا معقولية المستقبل؟

في مناسبة أخرى، داهمني "الكاثارسيز" برعشة في عمودي الفقري وأنا أشاهد بصحبة المؤلف التشيلي الشهير آرييل دورفمان فيلما اقتبس عن مسرحيته "الموت والعذراء" من إخراج رومان بولانسكي وبطولة سيغورني ويفر.

تدور المسرحية عن امرأة سبق أن تعرضت للاغتصاب خلال سجنها السياسي وهي معصوبة العينين من قبل طبيب السجن. ذات ليلة، وبعد أن خرجت لتتزوج وتطوي صفحة الماضي الأليم، يقرع باب الشاليه ويستضيف زوجها رجلا تعطلت سيارته، فإذا بها تميزه من صوته على أنه الرجل الذي قام باغتصابها على وقع لحن الموسيقار شوبرت، فتقرر الانتقام منه بإعدامه. يحاول زوجها جاهدا ثنيها عن عزمها، بينما يبذل الضيف المقيد جهده لإقناعها بأنه ليس الشخص الذي تتهمه. دفعني الإحساس بشعور الخوف بالشفقة يوم شاهدت الفيلم في عرض خاص مع مؤلف العمل الأصلي إلى استئذان آرييل دورفمان بأن اقوم بإخراج مسرحيته في دمشق مع تعديل طفيف كي لا يساء تأويل خاتمتها، فتكرم بإعطائي الضوء الأخضر، كما تبرع بالنص دون مقابل. هكذا، أخرجت "الموت والعذراء" كعرض تخرج لطلبة التمثيل عام 1999 من "المعهد العالي للفنون المسرحية" بكل ما تتضمنه من موضوع سياسي جريء وساخن، وتخرجت بدور البطولة فيها الممثلة الموهوبة سلافة المعمار.

يقول المسرحي العالمي يوجينيو باربا، المدير الفني لمسرح "أودين" الدنماركي: "المسرح جزيرة للحرية". كثيرا ما يكون الأثر العاطفي للمسرح، بما يحمله من تنوير وتثوير، أعمق من باقي الفنون الدرامية، رغم ضآلة إمكانات المسرح وتقنياته بالمقارنة مع تطور التلفزيون والسينما. لا ينكر أحد تأثير الفنين المبهر على المشاهد، لكنه تأثير عابر مثل تأثير أفلام الأبطال الخارقين والخيال العلمي، بحيث ربما يذكره المرء فيما بعد بابتسامة بعد خروجه من ظلمات السحر إلى ضياء الواقع، وكأنما كان واقعا تحت إيهام ساحر بارع. أما تأثير الأداء المسرحي الحي، فيبقى في الوجدان طويلا بطقسيته وبساطته، بصراحته وجرأته، بتعبيره عن الدفء الإنساني، بتحديه للطغيان، وبتكريمه للحرية. ذلك هو ما يميز المسرح في زماننا الراهن، زمن هيمنة الإنترنت وإبهار السينما ثلاثية الأبعاد وتقنيات التلفزيون المتقدمة. إن الحاجة الحقيقية إلى المسرح تجعله ضروريا للإنسان مثل الحاجة إلى الماء والهواء والطعام، لأنه غذاء الروح، وهذا سر ازدهار الفرق المسرحية الكبرى في كل مكان متحضر من عالمنا المعاصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG