Accessibility links

هل هناك حلف عربي معاد للديمقراطية؟


متظاهرون في الجزائر

د. عماد بوظو/

نشرت صحيفة نيويورك تايمز قبل أسابيع تقريرا قالت فيه إن إدارة فيسبوك كشفت في الأول من أغسطس الماضي عن شركة مصرية مقرها في القاهرة اسمها "نيو ويفز" (الأمواج الجديدة)، أدارت مع شركة في الإمارات، تحمل اسما مشابها، 361 صفحة وحساب وهمي على موقعي فيسبوك وإنستغرام لديها ما مجموعه 13.7 مليون متابع، وقامت بحملة منظمة لدعم الجيش السوداني في قمعه الدموي للمحتجين أثناء حكم المجلس العسكري.

اتهمت هذه الحسابات الوهمية خلال الحملة قوى الحرية والتغيير، التي كانت تطالب بتسليم السلطة للمدنيين بعد الإطاحة بالبشير، بأنها "زرعت الفوضى في السودان وأن مطالبها بالديمقراطية سابقة لأوانها وخطيرة، وأنه لا بد من استعادة النظام وأن على الجيش أن يحكم".

وتابعت نيويورك تايمز بأن هذه الحملة كانت جزءا من عملية أكبر شملت عدة دول في الشرق الأوسط، كما أشارت إلى أن مالك الشركة في مصر ضابط متقاعد وأن مقرها في مبنى تابع للجيش شرقي القاهرة. لكن إدارة فيسبوك استدركت بأنها لا تملك الأدلة اللازمة لتثبت العلاقة بين الشركتين والحكومتين المصرية أو الإماراتية، كما نوّهت بأن حملات التأثير السرّي على الرأي العام عبر هذه الوسائل أصبحت أداة شائعة ومفضلة عند أنظمة حكم في بعض الدول مثل الصين وروسيا.

تأييد الحكومات المعادية الإسلام السياسي للأسد والمجالس العسكرية في الجزائر والسودان وحفتر يسيء لهذه الحكومات

من الصعب إيجاد مبررات أخلاقية أو إنسانية أو فائدة سياسية من قيام شركتين مقرهما دولة عربية بالتطوّع لدعم جهة عسكرية ارتكبت تجاوزات وجرائم في بلد عربي ثالث، ولكن هذا الاستغراب يقل عند تذكّر أن جميع الأنظمة العربية ومعها إيران وتركيا قد اتفقت على دعم الديكتاتور عمر البشير عندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية ضد حكمه رغم الكوارث التي جلبها على بلده خلال ثلاثين سنة من الحكم، ومن بينها تقسيم السودان إلى دولتين، ورغم صدور مذكّرة توقيف بحقه من قبل المحكمة الجنائية الدولية لاتهامه بارتكاب جرائم حرب في دارفور.

ونتيجة الانطباع الذي تركه بعض العرب بأنهم لا يرحبون بتحوّل السودان لدولة ديموقراطية فقد تحفظ الحراك الشعبي على الوساطات العربية لتقريب وجهات النظر بينه وبين المجلس العسكري بينما تعامل بإيجابية مع الوساطة الإثيوبية والإفريقية.

وفي سياق يتفق مع هذا التوجه قامت بعض الأطراف العربية بحملة ترويج لضابط ليبي متقاعد اسمه خليفة حفتر كزعيم جديد لليبيا لا يختلف كثيرا عن القذافي، بما يجعل كل التضحيات التي قدمها الليبيون لينالوا حريتهم تذهب أدراج الرياح، وانتقل دعم هذا "الجنرال" خلال الأشهر الماضية إلى مرحلة جديدة بدأت بترتيب لقاء له مع الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز في الرياض، واتصال هاتفي بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب لخلق انطباع بوجود دعم وتفويض إقليمي ودولي له لرئاسة ليبيا.

ترافقت هذه الخطوات مع دعم عسكري لهجومه على طرابلس في أوائل شهر أبريل الماضي والذي تعهد فيه بالسيطرة على المدينة وانتزاع السلطة من حكومة الوفاق المعترف بها دوليا خلال 48 ساعة، ولكن كل هذا التمهيد والتلميع السياسي والدعم العسكري الواسع لم يؤد حتى الآن إلى تحقيق أي نتيجة، إذ لا يبدو أن الليبيين مستعدين لقبول قذافي جديد.

ومن الطبيعي أن تدعم الأطراف التي ترى أن "المطالبة بالديمقراطية خطيرة وأن على الجيش أن يحكم"، جنرالات الجزائر في محاولاتهم الاحتفاظ بالسلطة بعد الإطاحة بعبد العزيز بوتفليقة، ولكن الدلائل تشير حتى الآن إلى أن الحراك الشعبي الذي يطالب بدولة مدنية مازال مستمرا ويرفض مخططات العسكريين باختزال مطالب التحول الديمقراطي بانتخابات رئاسية تأتي بواجهة جديدة بديلة عن صورة بوتفليقة تحكم من خلفها المؤسسة العسكرية.

وبما أن الجزائر اليوم هي ساحة مواجهة رئيسية بين قوى الديمقراطية ودعاة الحكم الفردي، فإن الكثير من وسائل الإعلام العربية تتبرع بالقيام بحملة دعائية منظمة لرئيس الأركان الجزائري تقوم خلالها بنشر صوره في بذلته العسكرية وبوضعيات مختلفة بطريقة لا تتماشى مع ادعائه عدم وجود طموح لديه للسلطة.

كما تتبنى هذه الأطراف موقفا ليّنا من النظام السوري رغم كل ما ارتكبه من جرائم، ويتم تبرير ذلك إما من خلال الترويج بأن هذا النظام قد انتصر ويجب التعامل بواقعية مع هذه "الحقيقة"، أو عبر المطالبة بعودته للجامعة العربية وادّعاء أن ابتعاد العرب عنه هو الذي رماه بأحضان إيران، رغم أنه لم يترك أحضان إيران منذ عام 1979.

ويتّبع هؤلاء لتبرير التقارب مع هذا النظام أساليب تدريجية مثل نشر مقال في صحيفة مقربة من إحدى الحكومات العربية يدعو للتعامل معه أو ترتيب زيارات لدمشق من قبل وفود غير رسمية من هذه البلدان.

من بين التبريرات التي يقدمها الداعمون للأنظمة العسكرية بأن ذلك يأتي في سياق صراعهم مع محور الإسلام السياسي، ولكنهم بمثل هذه السياسات يقدمون خدمة لهذا المحور، لأن استمرار الأنظمة الديكتاتورية يعطي الإسلاميين عشرات الأسباب لتهييج الشارع وتوظيفه في صفهم، بينما الأنظمة الديمقراطية تفضح حقيقة أنهم ليا يملكون برامج سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية قابلة للتطبيق في هذا العصر.

كما أن تأييد الحكومات المعادية الإسلام السياسي للأسد والمجالس العسكرية في الجزائر والسودان وحفتر يسيء لهذه الحكومات، ويعتبر إنقاذا للإسلام السياسي الذي يعيش أسوأ أيامه، إلى درجة أن شريحة كبيرة من الشارع العربي تعتبر بأن التنظيمات الإسلامية وأدواتها الإعلامية تسيء لأي حركة احتجاج شعبية عندما تدّعي تأييدها أو تحاول تسلقها.

تتبنى هذه الأطراف موقفا ليّنا من النظام السوري رغم كل ما ارتكبه من جرائم

كما يتفق المعسكر الذي يروّج للحكم العسكري والفردي مع الرؤية الروسية التي تعتبر أن كل ما حدث من مشاكل في المنطقة في مرحلة الربيع العربي لم يكن بسبب الديكتاتوريات التي حكمت الشعوب العربية لعشرات السنين، وليس بسبب فسادها وقمعها ومحاولتها توريث البلاد كملكية شخصية لأبنائها، بل إن التمرد على هذه الديكتاتوريات أو "الثورات الملونة"، حسب تسمية بوتين، هي التي جلبت كل هذه الكوارث! ولذلك تتطور علاقات هذا المعسكر مع روسيا إلى ما يشبه التحالف في الكثير من القضايا الإقليمية والدولية.

كما أن للجهود التي تبذلها هذه الدول العربية في محاولاتها للعب دور إقليمي ودعم قيام واستقرار أنظمة ديكتاتورية كلفة مادية قد تزيد الأعباء على اقتصاداتها التي لا تعيش أفضل حالاتها، فحتى الولايات المتحدة وهي أغنى دول العالم ترى أن اقتصادها لم يعد يحتمل تدخلات خارجية، فتركت الساحة لأنظمة فردية وديكتاتورية مثل روسيا والصين أو إيران وتركيا لتقوم باستعراضات قوة ونفوذ وهمي تستنزفها، ولذلك فإن المستشارين المتزلفين المحيطين ببعض الحكام العرب والذين يزيّنون لهم الطريق إلى الديكتاتورية ويشجعونهم على تشديد قبضتهم الأمنية في الداخل ودعم أي نظام فردي أو عسكري بالمنطقة، إنما يدفعونهم لسياسة قصيرة النظر من الصعب أن يكتب لها النجاح لأن العالم تغير والشعوب العربية أدركت مشروعية مطالبها وحجم قوتها.

اقرأ للكاتب أيضا: بوتين: وجودنا في سوريا لثلاثة أشهر وحسب!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG