Accessibility links

هل يصمد الحب في عيد المحبة؟


شباب عراقيون بزي سانتاكلوز يعزفون الموسيقى في أحد المجمعات التجارية بمدينة إربيل

رياض عصمت/

يبلغ إيمان الإنسان بالحب الذروة في سن الشباب. أما عندما يوغل الإنسان في العمر ويصبح كهلا أو كهلة، فتحل المحبة مكان الحب، وربما تتحول العلاقة إلى صداقة. الحب قضية جديرة بالإيمان، مثل العقائد السياسية والأديان،. كلما طال أمد إيمانك بالحب، فأنت أكثر قدرة على الاحتفاظ بنضارة الشباب. الحب الحقيقي نقي ومطلق، لا غرض له، لا منفعة فيه ولا تدليس. تتلخص سمات الحب الصادق في الشاعرية، والعطاء، والتضحية، والانسجام، والإيثار، وسمو النفس، وذوبان كيان في آخر. بالتالي، فإن أصغر وحدة بشرية هي اثنان، لا واحد. النفس البشرية ليست بركة نائية ومنعزلة، بل هي نهر متدفق يروي ظمأ العطشان ويحيل الصحراء إلى اخضرار.

قال الحكيم للشاب العازف عن الزواج: "الحب عاطفة، أما الزواج فهو عقل." أسهب الحكيم في حديثه قائلا إنه يمكن لعاطفة الحب النبيلة أن تنشأ، لكن الزمن وعوامل الطبيعة يعملان فيها عملهما مثل العواصف والأمواج، بحيث يذوب الحب أحيانا، وربما تؤثر عليه عوامل الحت لتبقيه فتاتا أحيانا أخرى. أما إذا صمد الحب عبر ارتباط حياتي، فإنه كثيرا ما يتحول إلى صداقة ملؤها المحبة والتآلف والتناغم، وربما تزينه مسؤولية الاعتناء بالأولاد وصيانة العائلة من الأخطار. بالمقابل، يمكن للهيب الحب أن يتلاشى كشمعة هبت عليها ريح عاصفة أو يخبو لهيبه المتأجج بفعل الضغط الاجتماعي ليصبح جمرا تحت الرماد. إذا أراد العاشق معرفة مستقبل علاقته بحبيبته، أو أرادت العاشقة معرفة أفق صلتها مع حبيبها، ليس ثمة أفضل من السفر للكشف عن انسجام حبيبين أو تناقض طبعيهما.

تتميز اللغة العربية بين لغات العالم بغنى مفرداتها التي تميز كل عاطفة على حدة، بل كل مخلوق حي وكل جماد. على سبيل المثال، ينضوي تحت كلمة "حب" Love مفردات تمثل درجات متباينة منه، يحمل كل منها اسما مختلفا: الشغف، والغرام، والعشق، والصبوة، والفتون، والميل، والهوى، والحب، والود، والخلة، والشوق، والصبابة. لا نريد أن ننتقل إلى المفردات التي تعبر عن "الخصام"، بل نقول: وحده الخصام المتكرر كطرق المطرقة – سواء بدافع الغيرة أو الشك أو الجشع أو تناقض المزاج أو سوى ذلك - يترك آثارا مدمرة على الحب والمحبة، وحتى على الصداقة، ويجعلها تتآكل تدريجيا حتى تتفتت حطاما وتتناثر كالغبار. أما الخصام العابر، فكثيرا ما يعزز قوة الحب وينمي عاطفته الجارفة للتعويض عن ردة فعل انفعالية أو غضب وقتي، وهنا ينفع الندم، ويتبادل الحبيان الصفح والغفران عن هفوة عكرت صفو علاقتهما المتينة والرائعة. مثلما هي كلمة "حب"، فإن للصداقة في اللغة العربية تنويعاتها: التِرْب، والزميل، والجليس، والسمير، والنديم، والصاحب، والرفيق، والصديق، والخل، والأنيس، والنجي، والصفي، والقرين. بالتالي، يستطيع كل إنسان – ذكرا كان أم أنثى – تحديد أية مرحلة من الحب أو المحبة يكنهما لشريك حياته أو يكنها الشريك له.

أردف الرجل الحكيم قائلا للشاب المتردد في الارتباط: "إذا أردت أن يكون زواجك ناجحا، فاخطب الأم قبل ابنتها." علت الدهشة ملامح الشاب، وتساءل: "هل لي أن أسألك لماذا؟" فأجابه الحكيم مع ابتسامة: "لأن أولادك سيربون في كنف حماتك أكثر منك ومن زوجتك." ثم تابع ممازحا الشاب بالعامية: "قديما، آمن الناس بالمثل الشعبي القائل: طب الجرة على تمها، تطلع البنت لأمها". صدق الشاب كلام الحكيم، فخطب وتزوج، ثم ردد لعمه ذات مرة كلام الحكيم الذي ألهمه حسن الاختيار، فرفع العم حاجبيه ممازحا، وقال: "حلو! أخذت البنت، والآن تطلب أن تلحق بها زوجتي؟"

سأل الحكيم تلامذته: "هل الحب أشد صمودا أمام الزمن أم المحبة؟" انقسمت آراء المريدين، ولم يتفقوا على قرار. قال الحكيم: "في شبابي، عشت علاقة صداقة متينة، ملؤها المحبة والاحترام المتبادلين، بحيث ما لبثت أن تحولت تلقائيا إلى علاقة عاطفية وجسدية. سرعان ما اكتشفنا معا أن تلك العلاقة غير مؤهلة للصمود طويلا، لأنه يصعب للصداقة أن تتحول إلى حب، في حين يمكن للحب بسهولة أن يتحول إلى صداقة". وأضاف: "السفر هو أفضل اختبار يكشف متانة الحب ومدى انسجام الحبيبين. أحيانا، يتبخر وهم الحب خلال رحلة ما، لأن تباين الطباع يتكشف ويدرك حبيبان استحالة عيشهما تحت سقف واحد".

شرح الحكيم لتلامذته أنه في سن الشباب، كثيرا ما يختلط الحب عند الإنسان بالرغبة الجنسية، سواء كان ذكرا أم أنثى. كم من قصة حب نشأت عبر شباكين أو شرفتين متقابلتين! كم من عاطفة خيل للشاب أو للفتاة أنها ستحيل مستقبله إلى سعادة وهناء وهو يخطو مع الحبيب على درب موشى بالرياحين! لكن المفاجآت تترى في غياهب المستقبل، وتدمي أقدام العاشقين الحصى! ما يخاله الاثنان حبا أبديا يتكشف أحيانا عن كونه مجرد رغبة، وأن ما جمعهما في الواقع هو الحرمان العاطفي والحلم بالتعويض، وليس انسجام الرؤية والفكر والطباع. كثيرة هي النماذج التي بدأت بزواج تقليدي خيل لصاحبيه أنه يروي براعم حب سيجعلهما ينعمان بحياة سعيدة مع بعضهما، فإذا بالأشواك تنمو بينما الورود تذبل وعطرها يتبخر. في سن الكهولة أيضا، من الممكن أن يتعلق رجل أو امرأة بحب مستحيل. في ذلك العمر، يختلط القلق من أفول القدرة الجنسية لدى أحدهما، أو عدم لفت الأنظار، بالحاجة إلى رفيق أنيس يبوح له بهمومه. بالتالي، حين يلوح اهتمام من شريك محتمل أصغر سنا أو أكبر، يتغاضى الرجل أو المرأة عن فارق السن، ويخيل إليهما أن بالإمكان الاستمتاع بالحب رغم "فرق السنين" (تيمنا بأغنية وردة الجزائرية،) واستعادة نبض الشباب قبل أن يظهر ملاك الموت بمنجله ليحصد روح أحدهما.

قال الحكيم: "العجز عن الحب هو عجز عن المحبة، فالمحبة منزهة عن الغرض، وهي تشمل الوطن والأب والأم والأخ والأخت وباقي أفراد العائلة". استغرب الحكيم حكايات تلامذته عن إقدام جند أو مرتزقة على القتل بأعصاب باردة، وهم – ظاهريا على الأقل – يؤمنون بدين أو آخر من الأديان السماوية التي تحرم جميعا إزهاق الأرواح البشرية من دون حق. اندهش الحكيم كيف يجيز قادة عسكريون إزهاق أرواح ضحايا لا ذنب لهم خلال حربهم ضد أعدائهم، بينما يملكون هم أنفسهم زوجات وأطفال وآباء وأمهات وأخوة يعتنقون المبادئ السامية! قال: "حتى الملحدون لا يمكنهم إزهاق الأرواح من دون حق، بعيدا عن القتال دفاعا عن الأرض والعرض. كل من يسمح له ضميره بإراقة الدماء والتعذيب - بغض النظر عن تبريراته - هو إرهابي/ تكفيري، لا يؤمن بدين، ولا يملك قيما."

كل عام، مع قدوم عيد الميلاد المجيد، تتزين مدن وبلدات العالم - بما فيها عديد من عواصم العالم العربي والإسلامي - بأضواء ونجوم تزين شجيرات الاحتفال بالميلاد، ويحتفي الصغار والكبار بسانتا كلوز (أو بابا نويل، كما يسميه الأوربيون،) الذي يعد بأنه سيجلب هدايا في كيس كبير ويدسها ليلا في جوارب الأطفال المعلقة على الموقدة أو المكتبة أو السرير، للأسف الشديد، وحدهم أطفال البلدات التي تتعرض للقصف لا ينتظرون أن تهبط عليهم الهدايا من السماء، ولا يملكون أصلا جوارب لاحتوائها. عوضا عن هدايا سانتا كلوز المنتظرة في عيد المحبة، تهبط عليهم قذائف مميتة من طائرات مغيرة تزهق الأرواح البريئة بلا حساب.

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG