Accessibility links

هل يقود بوتين ثورة بيضاء في روسيا؟


استقبل الإعلام هذه التعديلات الدستورية باعتبارها خدعة جديدة من بوتين للبقاء في السلطة مدى الحياة

د. عماد بوظو/

لم تكن بداية عام 2020 عادية بالنسبة متابعي الشأن الروسي، حيث افتتحها الرئيس فلاديمير بوتين بالإعلان عن أول مجموعة من التغييرات في النظام السياسي في جمهورية روسيا الاتحادية منذ إقرار الدستور الحالي عام 1993، وتتضمن زيادة صلاحيات البرلمان بما يؤهله للقيام بدور رقابي أكبر على السلطة التنفيذية بما فيها قيامه باختيار رئيس الوزراء، لأن روسيا، كما قال بوتين أصبحت ناضجة لنظام يحظى فيه البرلمان بثقل أكبر.

كما تضمنت التعديلات تعزيز دور مجلس الدولة الاستشاري وتوسيع صلاحيات حكام الأقاليم بما يؤدي إلى تقليص السلطة المطلقة التي يتمتع بها الرئيس اليوم، مع التأكيد على ضرورة عدم بقاء الرئيس في منصبه لأكثر من ولايتين بدل "ولايتين متتاليتين" حسب الدستور الحالي الذي أتاح لبوتين الخروج شكليا لرئاسة الوزراء ثم العودة بعد أربع سنوات لولايتين جديدتين.

استقبل الإعلام هذه التعديلات الدستورية باعتبارها خدعة جديدة من بوتين للبقاء في السلطة مدى الحياة، في استمرار لما اعتاد القيام به طوال العقدين الماضيين، ولكن فترة الرئاسة الحالية لبوتين تنتهي عام 2024 أي بعد أكثر من أربع سنوات من الآن، ومن المبكر تعديل الدستور من اليوم من أجل هدف بهذا البعد. كما أكد نفسه خلال اجتماع مع المحاربين القدماء قبل أيام في بطرسبورغ على أن بقاء الرئيس مدى الحياة لا يتماشى مع متطلبات تطور الدولة والمجتمع، وضرب مثلا بما كان يجري في الاتحاد السوفييتي في ثمانينيات القرن الماضي خلال رئاسة بريجينيف وخلفائه أندروبوف وتشيرنينكو حيث بقي كل منهما في السلطة حتى وفاته، وتابع: "كان الأمر مقلقا للغاية ولا يوفر الظروف لتطور السلطة، لذا أعتقد أنه من الأفضل ألا نعود إلى ما شهده نظام السلطة في تلك الفترة".

هذه التوجهات في القضايا الداخلية لابد أن تنعكس على السياسة الخارجية

ترافقت تعديلات بوتين الدستورية مع قيامه باختيار ميخائيل ميشوستين، رئيس مصلحة الضرائب، كرئيس جديد للوزراء، وهو إداري تكنوقراطي محترف لم ينتسب لأي حزب سياسي وحائز على دكتوراه في الاقتصاد عام 2010. وقال الكاتب إلياس أوماخانوف إن هذا الترشيح لم يكن متوقعا على الإطلاق، فهو شخص محبوب له هوايات رياضية مثل الهوكي والسباحة ومواهب فنية وموسيقية ولحّن أغنيتين وسجل حقوقهما باسمه، أي أن شخصيته أقرب ليكون رئيسا لوزراء كندا أو فنلندة وليس روسيا.

وإذا كان بوتين جادا في رغبته بإحداث تغيير حقيقي في النظام السياسي الروسي، فستكون خطوته التالية التخلص من الأشخاص الذين يحلمون أو يطمحون للحلول مكانه في أحد الأيام، وهم الذين كانوا يتولون المناصب العليا خلال العقدين الماضيين. وقد بدأ فعلا بإبعاد الشخص الثاني في النظام الروسي ميديفيديف وتعيينه نائبا لرئيس مجلس الأمن القومي للشؤون الدفاعية والأمنية، أعقبها إعفاء المدّعي العام من منصبه وتعيين محقق شاب مكانه، وبما أن من الحكمة أن تكون تلك العمليات تدريجية، فقد احتفظ وزراء رئيسيون بمناصبهم في التشكيلة الحكومية الجديدة مثل الخارجية والدفاع، ولم تحدث تغييرات حقيقية في الوزارة سوى في المسؤولين عن الملفات الاقتصادية والمالية، ولكن حتى عام 2024 هناك وقت كافي عند بوتين حتى يضمن أن لا يكون بإمكان أحد تكرار تجربته في التمسك بالسلطة.

كما ركّز بوتين في توجيهاته على ألا يكون للمسؤولين الروس الجدد إقامات خارج البلد خلال آخر 25 سنة، ويبدو أن المقصود بهذا القرار بالإضافة للسياسيين طبقة الأثرياء المحيطة حاليا بالسلطة الروسية، الذين راكموا ثرواتهم في بنوك خارجية في لندن وقبرص وغيرها، وهذا يعني تحجيم دور ونفوذ رجال الأعمال في إدارة أمور الدولة المستقبلية، وقد تكون من بين مهمات رئيس الوزراء الجديد الخبير بالأمور الضريبية إيجاد الطرق المناسبة لتحصيل الأموال منهم لمصلحة الخزينة الروسية.

روسيا في النهاية بلد أوروبي ومن الصعب عزلها إلى الأبد عن الثقافة الأوروبية

هذه التوجهات في القضايا الداخلية لابد أن تنعكس على السياسة الخارجية، فتعبير أن الشعب الروسي أصبح جاهزا للديمقراطية يعني أن بوتين لم يعد بحاجة للتذرّع بالخصوصية الروسية للتهرب من الديمقراطية الغربية، كما يعني اقتراب روسيا من حيث القيم والنظام السياسي من محيطها الأوروبي، وقد لا تكون هذه العملية سهلة وقد تأخذ وقتا ولكن تحول روسيا للديمقراطية يعني تغييرا جذريا في الجغرافيا السياسية في العالم لا يقل في أهميته عن انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي.

وكان من اللافت خلال شهر يناير الحالي أن الموقف الروسي من القضية الليبية خلال اجتماعَي موسكو وبرلين لم يكن متطابقا، كما هي العادة، مع موقف المحور العربي الداعم لحفتر، بل كان بوتين يدفع باتجاه حل سياسي قريب من الموقف الأوروبي وقرارات الأمم المتحدة، مما دفع حفتر لمغادرة موسكو دون التوقيع على الاتفاق، وعندما أعلن حفتر عن رغبته في زيارة روسيا لمواصلة الحوار والتوقيع على الاتفاق، رد ديمتري بيسكوف الناطق الصحفي باسم الرئاسة الروسية أنه ليس هناك في جدول بوتين أي لقاءات مخطط لها مع حفتر هذا الأسبوع، وليس من المستغرب أن تنسحب هذه التغييرات في الوقت المناسب على القضيتين الأوكرانية والسورية، فلا يوجد عند بوتين خط أحمر في السياسة الخارجية سوى قضية ضم جزيرة القرم لروسيا التي لن يتنازل عنها لأن أغلبية سكانها من الروس.

هناك عدة أسباب تدفع لعدم استبعاد وجود مثل هذه التوجهات رغم أنها تبدو غريبة عند الكثيرين من خبراء الشأن الروسي، أولها أن روسيا في النهاية بلد أوروبي ومن الصعب عزلها إلى الأبد عن الثقافة الأوروبية التي ستدخلها عاجلا أم آجلا، كما أن اقتصادها ليس بأفضل حالاته حاليا ومتوسط دخل الفرد الروسي أقل من جميع دول أوروبا الغربية نتيجة هبوط أسعار البترول والغاز الذي سيستمر نتيجة فائض العرض وتطور تكنولوجيا الطاقة المتجددة والنظيفة، وعودة سباق التسلح ستزيد متاعب روسيا الاقتصادية بشكل مشابه لحرب النجوم في أيام ريغان التي يذكرها بوتين جيدا.

هل يريد بوتين دخول التاريخ من أوسع أبوابه عبر تحويل روسيا إلى النظام الديمقراطي؟

أما على المستوى الشخصي فقد يساعد بوتين على اتخاذ مثل هذه القرارات عدم وجود أبناء ذكور له، فلديه فقط ابنتين متزوجتين من ثريّين بعيدين تماما عن المجال السياسي، كما أنه منفصل عن زوجته أم بناته منذ سنوات، أي لا يوجد في عائلته من ينتظر منه ميراثا من السلطة أو النفوذ أو الثروة، بل من غير المستغرب أن يوصي في الوقت الملائم بأملاكه للدولة الروسية، بحيث يسكت الأصوات التي اتهمته سابقا بالفساد، وانسجاما مع نفس التوجه بإبراء الذمّة فقد برّر للشعب تمسكه بالسلطة خلال العقدين الماضيين بأن روسيا لم تكن جاهزة بعد للديمقراطية.

قد يكون من المبكر القفز إلى استنتاجات متسرعة أو مفرطة في التفاؤل نتيجة بضعة قرارات مفاجئة اتخذها بوتين، ولكن أول ما تبادر إلى الذهن عند سماع قراراته الأخيرة كان أحد احتمالين: إما أن يكون الرئيس بوتين مريض ويرتب للمرحلة التي تليه، وهذا مستبعد فهو رياضي عمره 67 سنة فقط ومورّثاته ممتازة فقد عاش والداه حتى عمر 88 و89 عاما، كما لم تبدو عليه أعراض لأي حالة صحية طارئة أو غير طبيعية.

أو أن بوتين يريد دخول التاريخ من أوسع أبوابه عبر تحويل أكبر بلد في العالم (من حيث المساحة) للنظام الديمقراطي وأن يكون هو الأب المؤسس لهذه الدولة الجديدة، ورغم رومانسية هذا الاحتمال فهو قابل للتحقق ويقدم خدمة جليلة لروسيا والعالم ولبوتين نفسه.

اقرأ للكاتب أيضا: التعامل العربي مع مخطوطات البحر الميت: التلفيق (2/2)

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG