Accessibility links

هل يوجد لنا أشباه مختفون تحت الأرض؟


المخرج جوردان بيل والممثلة لوبيتا نوينغو والممثل وينستون ديوك

رياض عصمت/

هل مرادف كلمة Us بالعربية هو "نحن"، أم تشير الكلمة بشكل مجازي إلى US، أي "الولايات المتحدة الأميركية"؟ في سني اليفاعة، أذكر أن أعسر الكلمات التي دأب عمي أن يسألني المساعدة على تذكرها وهو منهمك بحل شبكة "الكلمات المتقاطعة" في الجريدة اليومية إنما هي تلك المؤلفة من حرفين.

كانت صعوبة العثور على تلك الكلمات الصغيرة تثير الحيرة وتعطل إكمال الشبكة وحل اللغز إلى أن بلغت سن الرشد. صار سهلا عليّ أن أتذكر كلمات الحرفين من خلال الحياة في سوريا، مثل أن العملة الآسيوية المحلية هي "ين"، وأن إحدى أنواع الحبوب التي يتغذى بها الفقراء هي "رز"، وأن بذور المشروب الذي يسبب الأرق هي "بن"، وأن الحيوان الوديع الذي يربى في الدار هو "هر"، وأن ابن الحيوان الذي يجيد الحمل والتحمل والضرب هو "كر".

يبقى "نحن" مختلفا عن أفلام الرعب الكلاسيكية بامتياز

بالتالي، وجدت كلمة US الصغيرة المؤلفة من حرفين تحمل معان كثيرة في الفيلم الثاني للمخرج الصاعد بسرعة كبيرة جوردان بيل، والذي اكتسح صالات العرض الأميركية وحصد بتكلفته الإنتاجية المتواضعة التي لا تتجاوز 20 مليون دولارا خلال عطلة الأسبوع 70 مليون دولار في 3741 صالة عرض في أنحاء الولايات المتحدة، ليحتل المرتبة الثانية بعد فيلم "كابتن مارفل" عالي التكلفة الإنتاجية. صنف "نحن" (2019) كفيلم رعب للكبار، وما أكثر الرعب الذي نعيشه في زماننا الراهن، ويطالعنا عبر نشرات الأخبار مؤرقا ليالينا ونهاراتنا، ليجعل أفظع مشاهد الأفلام تهون أمام رهبة الواقع!

يفتتح جوردان بيل فيلمه "نحن" بمشهد في عام 1986 ذكَّر معظم النقاد ـ وأنا من بينهم ـ بافتتاحيات أفلام المخرج الشهير ستيفن سبيلبرغ. نرى عائلة سوداء تتجول في مدينة الملاهي في مدينة سانتا كروز، حيث يفوز الأب بقميص فضفاض طبعت عليه صورة إعلان فيلم "بريق" (Shining) للمخرج ستانلي كوبريك كجائزة للعبة رماية. تتوه الطفلة بعيدا عن والديها وأخيها، وتلج بناء متاهة، سرعان ما تنطفئ فيه الأضواء لتفاجأ الطفلة السوداء في العتمة وهي تبحث عن مخرج إلى الهواء الطلق بطفلة سوداء تماثلها شكلا.

يقفز بنا السيناريو سنوات طويلة لنرى الطفلة قد كبرت وتزوجت ورزقت بابنة وابن، وهي تقضي إجازة مع زوجها وولديها بصحبة أسرة بيضاء صديقة مؤلفة من أب وأم وصبيتين توأم. يصر الزوج أن يأخذ أفراد أسرته ـ بالرغم من اعتراض الأم وتحفظها ـ إلى مدينة الملاهي نفسها على شاطئ سانتا كروز، حيث مرت في طفولتها بتجربة مفزعة، ظل والداها يأخذانها بعدها إلى العلاج النفسي لأنها توقفت عن الكلام.

في تلك الليلة ذاتها، تفاجأ الأسرة في بهيم الليل بأشباح أسرة من أربعة أشخاص أمام بيتهم دون أن ينطقوا بكلمة. يخرج الأب موعزا لهم بالابتعاد. عندما لا يستجيبون، يلوح بعصا بيسبول قاصدا تخويفهم، فإذا بهم يهاجمونه وأسرته، يقتحمون المنزل بالقوة، مشهرين مقصات حادة. يصيب الغريب الضخم ساق الأب بضربة مؤلمة من عصا البيسبول التي ينتزعها منه، وتقيد المرأة الزوجة من معصمها إلى منضدة، ويطارد الصبي الغريب الطفل داخل المنزل، والصبية الغريبة الابنة في وخارجه.

تتزايد المشاهد احتداما وإثارة حين يضع الغريب الأب في قارب، ويتصارع الاثنان بضراوة في معركة بقاء. المرعب أن أفراد الأسرة يكتشفون بدهشة أن الغرباء المهاجمين إنما يشبهونهم إلى حد كبير. يتصاعد الرعب حين يهاجم الغرباء بيت العائلة البيضاء الصديقة، ويذبحون أفرادها، ويتقمصون أشكالهم، فلا يجد أفراد العائلة السوداء حين يلجؤون إلى فيلا أصحابهم سوى الجثث والدماء.

من أين أتى أولئك الغرباء المشابهون للبشر العاديين، والذين يتقمصون أشكالهم سودا كانوا أم بيضا؟ قبل بداية الفيلم، يطالعنا "تيتر" عليه سطور تشير إلى أن هناك أعدادا غفيرة من البشر تعيش تحت سطح الأرض في المجاري وأنفاق المواصلات المهجورة. تدريجيا، يعلمنا السيناريو أن الغرباء المهاجمين هم أولئك المهمشون من الناس، الذين أجبرتهم ظروف الحياة القاسية للاختفاء عن الأنظار نتيجة الفاقة والحاجة والحرمان. اختفى هؤلاء ردحا طويلا من الزمن حتى نسي الناس وجودهم تماما، لكن ها هم يظهرون فجأة من الأعماق لممارسة انتقام مرعب على الناس الآمنين الذين يستمتعون بحياة مرفهة فوق سطح الأرض.

من الطبيعي أن تظهر مخلوقات الأنفاق ذات يوم كالأشباح ومصاصي الدماء لتنال ثأرها ممن اضطهدوها

يتعاضد أفراد الأسرة السوداء للتغلب على تلك المخلوقات شبه البشرية، وإن امتلكت قدرة التقمص كالأشباح. ينجحون في قتل بعضهم، ويحاولون الهرب بالسيارة مبتعدين عن ذلك الموقع المرعب، فإذا بهم يرتاعون لاكتشاف اجتياح المخلوقات ذات الأزياء القرمزية المنبثقة من تحت الأرض لكل أرجاء الولاية بمقصاتهم المشرعة، ليمعنوا ذبحا وطعنا وتقطيعا فيمن يعترض طريقهم من البشر، منشئين بأجساد عشرات الآلاف منهم سورا بشريا كسور الصين العظيم.

تعود بنا نهاية الفيلم إلى مشهد البداية، لنكتشف في استعادة زمنية أن الفتاة المشابهة للطفلة في جناح الرعب احترفت رقص الباليه، ونراها تتفوق في معركة عنيفة على الأم المدافعة بشراسة عن نفسها وأسرتها. إنها، بالطبع، المواجهة الأخيرة showdown بين البطلة وخصمتها التي لا بد أن تنتهي بمصرع إحداهما، كما في أفلام الوسترن أو السيف والخنجر.

بعد عدة هزائم وجروح، تتغلب الأم ـ البطلة على غريمتها وتنتزع روحها بطعنة نجلاء، لينتهي الفيلم بمفاجأة من العيار الثقيل (مألوفة ربما في عديد من أفلام الرعب، لكنها تبدو رخيصة في فيلم جوردان بيل الحافل بالمعاني السياسية العميقة، ولا نريد الإفصاح عنها كي لا نفسد متعة المشاهدة).

تؤكد النزعة الغرائبية المغزى المجازي وراء موضوع فيلم "نحن"، إذ تشير إلى أن وراء سطح الرعب الظاهري ثمة مغزى سياسي كامن ينذر بالخطر، ويهدد أمن الولايات المتحدة من الداخل، وأية بلدان أخرى مشابهة من حيث التركيبة الاقتصادية/الاجتماعية التي تسمح بالاضطهاد وتترك بعض البشر مسحوقين.

عندها، من الطبيعي أن تظهر مخلوقات الأنفاق ذات يوم كالأشباح ومصاصي الدماء لتنال ثأرها ممن اضطهدوها واضطروها للاختفاء في أمكنة لا ترى الشمس. إنهم يشابهون الناس الأسوياء لدرجة التطابق، لكنهم حرموا من أبسط شروط الحياة الإنسانية، فصاروا قوة مدمرة هدفها الثأر.

يذكرنا فيلم "نحن" ببعض أفلام سيد الإثارة السينمائية ألفريد هتشكوك، وربما أيضا برايان دو بالما. تشابه حبكة الفيلم بموضوعها مسرحية ذات مغزى سياسي للمؤلف التشيلي إيغون وولف عنوانها "الغزاة".

يبقى "نحن" مختلفا عن أفلام الرعب الكلاسيكية بامتياز. بالرغم من الطعنات والدماء التي تسيل فيه، إلا أنه فيلم حافل بروح الفكاهة السوداء أحيانا، وتومض خلاله أبعاد رمزية في ذهن المشاهد بسلاسة أحيانا، وبإقحام قسري أحيانا أخرى.

يذكرنا فيلم "نحن" ببعض أفلام سيد الإثارة السينمائية ألفريد هتشكوك، وربما أيضا برايان دو بالما

لمعت الممثلة لوبيتا نوينغو بشكل خاص في دور البطولة، وهي التي سبق أن فازت بأوسكار أفضل ممثلة مساعدة عن دورها في فيلم "12 سنة في العبودية"، وكذلك زميلها وينستون ديوك. لا بد أن نشيد بالموسيقا التصويرية الرائعة التي ألفها مايكل آبلز، وبتصوير مايك جيولاكيس ومونتاج نيكولاس منصور المبهرين.

جاءت انطلاقة المخرج جوردان بيل عبر فيلمه الأول Get Out (2017) المثير والمشوق بحيث استطاع انتزاع جوائز سينمائية رفيعة في الوقت الذي حظي فيه بنجاح كبير في شباك التذاكر.

لا شك أن فيلم "نحن"، الأكثر إفزاعا وإراقة للدماء، حظي بنجاح جماهيري هائل ضمن هذا الطراز من الأفلام، وبدا مختلفا بطرازه عن غالبية أفلام الرعب المعروفة. لكنني أضع فيلم Get Out في مرتبة فنية أعلى، لأنه يظل أكثر تماسكا وإقناعا في موضوعه وحبكته ورمزيته من فيلم US. لم يعمد جوردان بيل في فيلمه الأول إلى إقحام أفكار سياسية معقدة لدرجة الإبهام، مع قفلة تجارية غير مقنعة. هنا، كان يمكنه بلمسات حذف قليلة لبعض التفاصيل الزائدة عن الحاجة، والمنتمية إلى طراز أفلام الرعب الذي حاول أن يتجنبه، أن يوحي فيلم US بأبعاد رمزية أغنى وأدق.

اقرأ للكاتب أيضا: ضحايا الحروب وجلادوها

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG