Accessibility links

همزات الوصل والقطع في البلاغة السياسية العربية


مقاتل من المجلس الانتقالي الجنوبي

مالك العثامنة/

مثل كل الملايين في العالم العربي، كنت دوما أشعر بكمية حماس "وطني ـ قومي" مضاعفة حين أسمع نشيد "بلاد العرب أوطاني"، وكنت أغنيها بذات الحماس وأنا شاب يافع يحمل في حلمه كل التناقضات التي تدخل في أدب اللامعقول.

وفي تناسب طردي مستمر بين نمو الوعي والأزمات المتلاحقة في العالم العربي، صرت أشعر بالحرج حين أسمع النشيد على أي محطة، وأشعر بالإهانة حين أكون في حفل عربي في المهجر ويختمون فعالياته بهذا النشيد وببلاهة شديدة.

نعم، أصل إلى قناعة راسخة في يقيني بأن فكرة "الوحدة العربية" ليست أكثر من سذاجة تم حقنها عبر الإذاعات والمحطات المتلفزة وسماعات المدارس والفعاليات الرسمية فقط لتخدير القطيع المحكوم وتثبيت سيادة الثور الحاكم.

كان هناك دوما وعلى مدار التاريخ اختلاف نوعي بين جغرافيتين تمثلان "اليمن الذي نعرفه حاليا"

ومع تقديري الشخصي لكل تاريخ مؤلف الكلمات، الزعيم الدمشقي صاحب الرؤية الاستقلالية الراحل فخري البارودي، إلا أن الرجل كان مثل كل جيله، متصالحا مع زمانه الحالم أكثر من إدراكه لواقع "المجتمعات" العربية إن جاز التعبير ووصفها بالعربية عموما. (وهذا يدعو إلى التساؤل حول المجتمع العربي المعاصر كحالة دراسة موحدة في كتاب الدكتور حليم بركات الشهير).

إن قمة المفارقات في العالم العربي (والذي من الصعب تحديد حدوده القومية العربية)، أن التشدد في وحدته العضوية والقومية هو تشدد في ضبط إيقاعات تلك الحدود على نسق خطوط السيدين سايكس وبيكو، تلك الخطوط والاتفاقية التي لا تزال تنال من اللعنات أكثر من حجارة اللعنة على إبليس في الحرم المكي.

باختصار، كان الأجدى والأولى بعد مرحلة الاستقلال، أن يتم التركيز على مفهوم الدولة ومؤسساتها واضحة المعالم، لا الوطن المتمدد والمنكمش حسب الحالة الوجدانية للشعراء ومؤلفي الإنشاء.

♦♦♦

بعيدا عن مهاترات التغريدات (الإماراتية ـ السعودية ـ القطرية) حول اليمن و"حروبه" الطاحنة، وهي مهاترات صارت تدخل في باب المغالاة في المناكفة أكثر من كونها نقاشا موضوعيا له قيمته، لكن هل يحق لأي أحد التساؤل عن جدوى وحدة بين جغرافيتين منفصلتين نوعيا؟ ومن قال إن حق الشعوب في تقرير مصيرها يكون أحيانا دعوات انفصالية سلبية؟ ولماذا لا يكون هناك وجهة نظر يمكن نقاشها ووضعها على طاولة الحوار بدلا من إنشائيات مصبوبة صبا في قوالب غير موضوعية تتحدث عن "الوحدة" وأركان تلك الوحدة أصلا غير موجودة على أرض الواقع؟

كان هناك دوما وعلى مدار التاريخ اختلاف نوعي بين جغرافيتين تمثلان "اليمن الذي نعرفه حاليا"، في الجنوب قام المعسكر الاشتراكي إبان الحرب الباردة بتوظيف هذا الاختلاف لصالحه فأنشأ دولة اليمن الجنوبي باشتراكية محض على أنقاض كيان "عضوي نسبيا" أنشأه الإنكليز لحماية مصالحهم في بحر العرب، لكن سقوط المعسكر الاشتراكي كله في العالم ونهاية الحرب الباردة وتجاذباتها لا (ولن) يسقط الاختلافات النوعية بين الجغرافيتين من ديموغرافيا وسوسيولوجيا وتوجهات وطبع اجتماعي وسياسي، والوحدة المصطنعة بين الجغرافيتين كانت حصيلة انهيار داعم أساسي تزامنت مع طموحات نظام شمالي قبلي معقد التركيب لا يتماهى مع الطبيعة الاجتماعية للجنوب.

قد أكون مخطئا في رأيي، لكن على الأقل، الدعوة إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها محل نقاش واع وليس مزاجات أنظمة ومصالح سياسية ضيقة. في الموضوع اليمني مثلا، هل فكر أحد يوما بسؤال "اليمنيين" أنفسهم من شماله وجنوبه وشرقه وغربه بكل قبائله وشعوبه وأعراقه ومنظوماته الاجتماعية الخاصة عن رأيهم في مصيرهم هم أنفسهم؟

♦♦♦

طبعا هذا يفتح الباب واسعا أمام كل مطالب حركات انفصالية متوفرة وموجودة في العالم العربي ضمن حدوده التي وضعها السيدان سايكس وبيكو، ولك أن تتحدث بلا حرج عن حق الأمازيغ مثلا في تقرير مصيرهم، وهو مصير موزع على طول خط عريض يمتد من ليبيا إلى المملكة المغربية، وكذلك الأكراد في ذات التوزيع الذي وزع جغرافيتهم الواحدة على تشظيات حدودية لدول عربية قامت على أساس سايكس بيكو، ماذا عن الأقليات الأقل حظا؟ هل يمكن الحديث عن إدارات حكم ذاتي مثلا في ظل أوطان لم ترتق إلى مستوى دولة تحفظ لهم حقوقهم الثقافية ويتلاشى فيها الحديث عن أقليات؟

مفهوم "الدولة" بكامل العتاد المؤسسي والوعي الدستوري معدوم في العالم العربي

في دولة القانون بكامل عتادها المؤسسي وتحت مظلة دستور شامل وعادل، فإن الأقليات غير موجودة في بنية النظام السياسي، لأنها مكفولة بالمساواة للجميع، وتصبح الأقليات الوحيدة التي يمكن الحديث عنها هي الأقليات السياسية في نظام الحكم، وبمفهوم تداول السلطة وتعددية سياسية فإن ما يمكن اعتباره أقلية سياسية اليوم، يمكن جدا أن يتحول إلى أغلبية سياسية غدا.

ولأن مفهوم "الدولة" بكامل هذا العتاد المؤسسي والوعي الدستوري معدوم في العالم العربي فإن من حق تلك الأقليات أن تبحث عن مصيرها، أو تناضل ضمن تلك المنظومات بحثا عن مفهوم الدولة الواحدة للجميع، وبلا استثناءات بالمطلق.

اقرأ للكاتب أيضا: بين عهدين!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG