Accessibility links

واقعتان في بيروت وفي إسطنبول.. الحق والعدل وجهة نظر


اعتصام ضد قمع الحريات في لبنان

بقلم منى فياض/

ورد في تقرير لقناة سكاي نيوز من بيروت أن "فضيحة جديدة تؤكد أننا نعيش في بلد القمع بكل أشكاله، إذ منعت قوى الأمر الواقع انعقاد خلوة "لقاء سيدة الجبل" في بيروت". جاء في الحيثيات التي قدمها النائب السابق فارس سعيد أن المسؤول عن الأمن والارتباط في "حزب الله" وفيق صفا بعث بـ"رسالة أمنية" إلى "اللقاء"، بإعلانه من خلال "تلفزيون الجديد"، أنه "اتصل بإدارة فندق بريستول طالبا إلغاء الحجز" المتفق عليه مع إدارة الفندق، لعقد خلوته تحت عنوان "رفع الوصاية الإيرانية عن القرار الوطني دفاعا عن الدستور وحماية للعيش المشترك"، في 7 تشرين الأول/أكتوبر الجاري. بعد اعتذار فندق بريستول اعتذر فندق جيفينور روتانا أيضا عن استقبال تلك الخلوة بعد أن كان قد وافق على ذلك.

علّق صحافي ممانع على الخبر قائلا: "في صحافي فات على سفارة ما طلع! بتحكيني بفارس سعيد؟".

وكأن هذا يبرر ذاك!

الصمت خيانة للمبادئ. وهو قبول بالرقابة السياسية وبالقمع وترسيخ لركائز الاستبداد

ذكرني كلامه بمقولات الأنظمة العربية: فلسطين محتلة وتطالبون بحريات وحقوق؟ فلسطين محتلة وتطالبون بتحرير المرأة؟ وها نحن وصلنا إلى ما نحن فيه، لا تحرير ولا حرية ولا حقوق ولا أمن ولا تنمية.

هذا ويسجل أن الدولة اللبنانية وأجهزتها غابوا غيابا تاما عن السمع أمام هذا الانتهاك السافر للقوانين ولسلطتها من قبل طرف يستولي على صلاحياتها لمنع مواطنين لبنانيين من حقهم بالاجتماع.

ربما هي الصدفة التي جمعت زمنيا ومعنويا بين حادثة اختفاء جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول ومنع انعقاد خلوة ترفض وصاية إيران على لبنان ولو عبر وسطاء محليين.

لكن هذان الحدثان، المتعلقان بموضوع الكلمة وحرية التعبير والإخفاء القسري أو الاغتيال، مرتبطان أصلا دون هذا التزامن الصدفوي. فهما يتعلقان بالرقابة والقمع وانتهاك حقوق الإنسان واستنسابية العدالة. في الحالة الأولى تنتهك حرية وسيادة بلد، وفي الثانية تنتهك حرية وحياة شخص.

اقرأ للكاتبة ايضا: ولادة الفرد والصحافة والرأي العام: من المطبعة إلى الإنترنت

كيف واجه الرأي العام فيسبوكيا الأمر؟ اشتعلت حرب عشوائية بين الفريقين المتناحرين.

فريق يقفز فوق التجاوزات الواضحة للعيان، والتي تستهين بالدولة والدستور والقوانين مركزا نقده على اختفاء خاشقجي وعلى السعودية. وفريق مفروض أنه يدافع عن حريته وجميع الحريات المنتهكة التي تصل ووصلت إلى حد الاغتيال؛ نجد أنه عندما يتعلق الأمر بالحليف السياسي، السعودية هنا، يبحث هؤلاء عن تفسيرات ومبررات تقطر تملقا لواقعة لا لبس فيها: خاشقجي دخل قنصلية بلاده ولم يسجل خروجه منها. المؤكد هنا أنه لم يخرج.

ربما يكون عذرهم أن هذ النوع من الخطف والإخفاء ليس أمرا جديدا لا على منطقتنا، بشكل خاص، ولا على دول العالم، بشقيها الليبرالي والمستبد. وهي منتعشة في السنوات الأخيرة. وصحيح أيضا أن هذه الممارسات تطال الصحافيين بشكل خاص.

لكن كل ذلك لا يتم بهذه العلنية ولا بهذا الشكل والاستخفاف بالرأي العام العالمي الذي ضاق ذرعا بهذا النوع من الأعمال مؤخرا. كل ذلك ضخم المشكلة وأثار الاهتمام العالمي بها.

من هنا، إن الملفت في هذا السجال اللبناني تغييب الخطيئة الأولى: في حالة خاشقجي، اختفاء صحافي أعزل إلا من كلماته العارية. وفي الحالة الثانية الاعتداء على تجمع سياسي ومنعه من الحق بالاجتماع للتداول سلميا في الوضع الذي آلت إليه البلاد. هذا في وقت بلغ فيه تدهور الأوضاع مستوى غير مسبوق، ما دعا جريدة النهار اللبنانية إلى الصدور بيضاء تماما اعتراضا على ما يجري.

كما أن الحادثة نفسها برهان على أن عنوان الاجتماع يعبر عن الحقيقة المرة.

فالغائب الأكبر في النقاشات التي دارت وتعبر عن شريحة من الرأي العام هو مبدأ الحقوق؛ حقوق الإنسان وحرية التعبير والقمع والرقابة على الكلمة. علق أحدهم على صفحتي بالمناسبة نفسها بما يلي: " تقرير جيد، أرجو منكم أن تبقوا على جهودكم.... "حزب الله" شغال على الأرض وانتو (أنتم) شغالين بالحكي.. هيدا المطلوب".

حسنا ما دام "الحكي" (بمعنى الفارغ هنا) مطلوب لأنه لغو ويفسح في المجال لأصحاب مشاريع الهيمنة بالعمل على الأرض لاستكمال مشروعهم في الاستيلاء على البلد، لم إذن يمنع اجتماع لن يكون سوى ممارسة للحكي؟

الإجابة واضحة: لأن كلمة الحق مخيفة بالطبع، ولأنها ستنتصر في النهاية.

من ناحية أخرى كيف يمكن أن ندافع عن حقوقنا في لبنان تجاه من يقمعنا بجميع الوسائل، بما فيها القتل عند الضرورة، في حين لا نستنكر اختفاء صحافي دون أي توضيح؟

الصمت في كلتا الحالتين خيانة للمبادئ. وهو سبب ونتيجة للرقابة المعممة على الكتب والصحف والنشرات الإخبارية والمسرحيات أو الأفلام. وهو قبول بالرقابة السياسية وبالقمع وترسيخ لركائز الاستبداد.

انتهاكات حقوق الإنسان أكثر من أن تعد وتحصى. عرف لبنان مئات الاغتيالات الموصوفة، ربما أعلى نسبة عالميا نظرا لعدد سكانه. اغتيالات طالت كتاب وصحافيين وذوي رأي وسياسيين ورجال دين وقانونيين. لكن الانحدار الأخلاقي يبلغ أقصاه حين تبرر أعمال القمع والقتل أو يسكت عنها؛ بغض النظر عن ذريعة الفاعل.

أما من يزعم الحياد هنا فيتوجه بالسؤال البريء ظاهريا: طالما هناك سلطة بيد اللبنانيين فليس هناك هيمنة أو احتلال.

يثير هذا السؤال تعليقين: الأول بأي سلطة إذن يتم انتهاك القوانين والدستور؟

والثاني إن وضع اليد على البلدان والاحتلالات تحصل بأسلوبين إما عبر العنف المباشر أو عبر التسلل من الداخل بواسطة الفساد وغيره من الوسائل.

إن وضع اليد على البلدان والاحتلالات تحصل بأسلوبين إما عبر العنف المباشر أو عبر التسلل من الداخل بواسطة الفساد وغيره من الوسائل

وإذا سلمنا جدلا بوجود انقسام في الآراء تجاه السياسات المعتمدة، هل للمعارضة السياسية الحق بالاعتراض أم لا؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، ما هي الوسائل التي على المعارض استخدامها لمحاولة إحداث التغيير الذي يرغب به عندما تمنع عنه الوسائل السياسية والسلمية؟ ما الذي يمكن للمطالبين بهذا التغيير القيام به؟ الخيارات قليلة وأبرزها: الرضوخ لأسوأ أنواع الاستبداد والطغيان، أو دفع المعارضين للجوء إلى العنف والتسابق على استخدامه!

وهذا حال منطقتنا منذ عقود. دورات عنف، الثأر والثأر المضاد ومزيد من الاستبداد والطغيان من قبل الحاكم الفرد أو الديكتاتوريات والفاشيات الدينية وغير الدينية وعلى يد عسكريين أو حزب حاكم!

كل هذا يثبت أن العدالة لا تتعلق بالجرم بل بالموقف من المتعدي.

اقرأ للكاتبة أيضا: ثقوب في العباءة الإيرانية

وعلى رأي الصحفي ديفيد روبسون الذي كتب في "بي بي سي" مقالا تحت عنوان: "هل ماتت الأخلاق في عالم السياسة؟". يقول روبسون إن "من الصعب على المرء، مهما كان انتماؤه السياسي، أن ينكر أن مجال السياسة أصبح خلال السنوات العشر الماضية أقل تحضرا ودماثة. ربما يعود هذا الأمر إلى وجود وسائل التواصل الاجتماعي، التي زادت من قدرتنا على الاطلاع بشكل مباشر على أفكار من هم في سدة الحكم".

الدول مستعدة دائما لأن تضحي بحقوق الإنسان حفاظا على مصالحها. لكن في الحالتين يظل المستهدف أصحاب الكلمة والرأي. إنه اختبار للعالم في قدرته في الحفاظ على القيم التي ينسبها لنفسه. الأكيد أن من يصمت ويبرر اليوم عليه أن ينتظر دوره لاحقا وأن يتقبله راضيا مرضيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG