Accessibility links

وتلك الحكومات "نداولها" فوق الناس


مشاركة في سباق الألون في بروكسل

مالك العثامنة/

نحن هنا في بلجيكا، طبقة وسطى، ابنتي في مدرسة في نفس الحي، ليست تابعة للبلدية لكنها ليست خاصة أيضا، مدرسة مجتمعية إن جاز التعبير.

زوجتي تعمل في مدرسة حكومية، وأنا كاتب وصحفي أعمل مع عدة مؤسسات إعلامية وبالتعاون مع زوجتي نحافظ على سوية عيش عادية جدا مثلها مثل سوية عيش جاري في المنزل الملاصق وصديقي من غانا السيد "كوفي" والذي يعمل في مصنع، وضمن متوسط دخل مثل أغلب البلجيك غير الأثرياء.

شقتي، ضمن عمارة فيها ساكنين من ملل ونحل وأعراق وعقائد مختلفة، ونجتمع مع بداية كل صيف في ساحة العمارة الخضراء لنحتفل بالصيف عبر تبادل الأطعمة والمشروبات المصنوعة منزليا.

أحلم وزوجتي بشراء منزل قريبا، وهذا متاح بتسهيلات بنكية غير معقدة، وبأسعار فائدة طبعا لكنها ضمن منظومة دولة "رفاه اجتماعي"، وشخصيا أجادل زوجتي برغبتي بشراء منزل التقاعد في جغرافيا أوروبية خارج بلجيكا.

دولة المؤسسات والقانون، فقط لا غير، هي التي يحتاجها عالمنا العربي

سيارتي قديمة، ومضطر لتغييرها قريبا بسبب قوانين حديثة تمنع سيارات الديزل، وهذا متاح أيضا ضمن المصارف والبنوك.

في عطلة نهاية الأسبوع، عندي مقهاي المفضل في المدينة غالبا، وكثيرا ما ألمح عمدة المدينة ينزل عن دراجته الهوائية ليشرب القهوة في المقهى المجاور، وإن شعرت بظلم "حكومي" ما، فأنا أملك الحق لمحاكمة أعلى منصب في الدولة البلجيكية، لأنه حقي الشرعي ما دمت موفيا واجباتي.

أكتب مقالاتي الصحفية بحرية، لا أحسب حسابا إلا لحقوق الآخرين ضمن القانون، والقانون فقط هو الذي يحكم إن اعترض أحد على ما أكتب..

من فرط الحرية التي أعيشها أحتار في كم المواضيع التي يمكن أن أكتب عنها أحيانا.

حين يمرض أحدنا، فإن القانون يعطينا الحق بتأمين طبي مدهش، فأذهب لعيادة الطبيب وأدفع له قطعة نقدية معدنية واحدة أضعها على طاولته بخجل لا يفهمه هو، فهو في المحصلة يقبض كامل الكشفية من شركة التأمين التي أنتسب لها.

حين يوقفني الشرطي لأي سبب، أتحدث معه ضمن أطر القانون، وما دمنا بهذا الإطار فأقصى ما يستطيع فعله هو أن يكتب بي ضبطا يحق لي أن أعترض عليه وسأكسب الاعتراض إن كنت محقا.

♦♦♦

السؤال الذي أطرحه على نفسي دائما (وتناقشنا أنا ونصفي الأفضل به كثيرا):

ماذا لو قررنا الإقامة والعيش في الأردن أو مصر أو لبنان أو تونس؟ وهي دول ليست سوى أمثلة لا حصرية من عالمنا العربي.

سأنتقل من الطبقة الوسطى العادية والمنسجمة مع ذاتها إلى واحد من إثنين: طبقة فقيرة لا تجد قوت "شهرها" إلا بالدين المتراكم، أو طبقة ثرية مترفة وهذا يتطلب معالجات وتسويات تجعلني أقفز فوق الجميع بلا أي حق شرعي.

ابنتي إما أن تكون بمدرسة حكومية أو "مجتمعية إن وجدت" التعليم فيها مربوط بمناهج التخاريف والهبل والظروف فيها بائسة صيفا وشتاء، مع مصاريف باهظة لا تتناسب ما تتلقاه ولا مع وضعي أو تكون بمدرسة "دولية" متعددة اللغات فتتلقى تعليما غريبا عن بيئتها ومحيطها وأربي مسخا غريبا عن كل ما هو حوله.

إما أن أسكن في شقة بالكاد أستطيع تأمين أجرتها أو أكون ثريا ضمن فئة تسكن في مجمعات سكنية مخدومة بامتيازات فارهة، ومعزولة عن كل ما هو حولها ومفصولة عن كل وقائع الحياة.

إذا قررت أن أشتري عقارا أو سيارة، فأنا مرهون طوال حياتي لنظام بنكي يتحكم به لصوص بربطات عنق، يديرون مصارف مالية في سياق اقتصادي مشوه ينخره الفساد، أو أكون جزءا من ذلك الفساد مرتديا ذات ربطات العنق التي يرتديها هؤلاء.

إذا شعرت بالظلم من مسؤول حتى لو كان بأدنى سلم الرتبة الوظيفية، فإما أن أبتلع القهر وأصمت، وأتذلل لأتسول حقي الذي أتوهم أنه مكفول بالقانون، أو أكون أنا الظالم المتجني المتسلق صعودا لهذا السلم المعلق على هواء.

لو بقيت صحفيا (وهذا أكيد لأن لا مهنة لي سواها بعد هذا العمر)، فلن أعيش حريتي في الكتابة، وسأكون مقيدا بمزاج الرقيب (وهذا متعدد وليس واحدا)، وسيكون عليّ لزاما أن أحدد نفسي بموضوع واحد لا غير، هو إنجازات الدولة والقيادة وتلمس حكمتها في كل سطر أكتبه.

المؤسسات والقانون جسد بلا روح دون نظام ديمقراطي مناسب

إن سقطت في السوق وأنا أحمل مشتريات ثقيلة على نفقاتي، فإنني معرض للذهاب إلى مسالخ بشرية تحمل يافطات باسم مستشفى حكومي، الرعاية فيها تعجل بالموت غير الرحيم، أو أكون من تلك الطبقة التي تسهر مع أصحاب المستشفيات الفندقية الفارهة، فلا أهتم بمن يموت خلف أسوار بيتي على الشارع.

ولو صدف أني كنت أقود سيارة (ربما أعمل عليها كسيارة أجرة غير نظامية لتأمين قوت اليوم)، فسأرتعب حين ألمح شرطيا يوقفني ويعنفني ويهينني بحكم السلطة التي يملكها والتي ربما تخوله أن يحبسني أو يضربني حتى، لأنه في دول كتلك، القانون لا معنى له، لأن الشرطي هو القانون نفسه.

♦♦♦

لست بصدد أن أستعرض عيشي هنا (وأنا محظوظ وأحمد الله على ذلك)، لكن هي مقارنات عادية وبسيطة وواقعية جدا، لنفهم أن دولة المؤسسات والقانون، فقط لا غير، هي التي يحتاجها عالمنا العربي، وتلك المؤسسات والقانون جسد بلا روح دون نظام ديمقراطي مناسب، لا كذب فيه ولا التباسات، ولا قائد ملهم ووحيد.

إذا كانت "الدولة" كمفهوم كياني شامل نشأت تاريخيا وواقعيا لتنظيم حياة الأفراد كما أعيش أنا هنا، فما هو نفع "الدولة" ومفهومها في العالم العربي غير خطابات الإنشاء والتاريخ المستلب، وتقنين القهر وشرعنة الفساد وفي أكثر أحوالها المثالية، استنهاض الهمم لاسترجاع الأندلس!

وعلى الهامش استطرادا:

يقول الشاعر العربي أبو البقاء الرندي:

هي الأيام كما شاهدتها دول.. من سره زمن ساءته أزمان.

ومن ذلك تعرف المعنى اللغوي للدولة، وجذر المفردة الذي يفيد بعدم الاستقرار الدائم.

لكن في اللغة الإنكليزية، فالجذر لكلمة State، يفيد بوضوح معاني الثبات والسكون والاستقرار.

اقرأ للكاتب أيضا: تعدد الإنسان الواحد

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG