Accessibility links

وداعا يا حسن مأمون!


سودانيون يتظاهرون أمام مقر رئاسة الحكومة للمطالبة بالعدالة لضحايا التظاهرات

منصور الحاج/

فجعت في شهر أكتوبر الماضي بخبر وفاة صديقي المبدع البشوش حسن المأمون الذي وافته المنية إثر علة لم تمهله طويلا حيث أصيب بجلطة في الدماغ أثناء زيارته لمنزل أسرته في بلدة المتمة غرب مدينة شندي في شمالي السودان.

آلمني كثيرا فقد هذا الصديق الذي تعرفت عليه خلال سنوات دراستي بجامعة أفريقيا العالمية بالخرطوم على الرغم من أن تواصلي معه في السنوات الأخيرة كان في الغالب عبر موقع "فيسبوك" من خلال الكتابات والتعليقات على الأحداث السياسية والاجتماعية التي نشترك في الاهتمام بها بالإضافة إلى المراسلات عبر الماسينجر وتطبيق الواتساب.

كان حسن شابا ذكيا ومرحا وساخرا من الحياة في نفس الوقت وقد أذهلتني قدرته على التعبير عن أفكاره في القضايا المعقدة بكل أريحية وتقديمها في قالب هزلي دون أن يقلل من قيمة محاوره.

ومن المفارقات التي لا أنساها أبدا أنني كنت من أشد المعارضين لتوجهاته الفكرية خلال سنوات الدراسة ومن أكثر منتقديه حين كنت إسلاميا متشددا فيما كان لا دينيا متأثرا بالمدرسة الشيوعية وناقدا لكل الأديان يعشق الضحك والمرح على الرغم من قسوة الحياة التي كان يعيشها آنذاك.

لطالما أصبت بالتوتر بسبب تعليقات حسن حول القضايا الدينية وتشكيكه في الأديان وانتقاده للعبادات ولكن ورغم غضبي منه وتعصبي ضد ما يطرح من أفكار، إلا أنه لم يخلط يوما بين علاقتي الشخصية به وبين أفكاري المتطرفة التي تعتبره خارجا عن الملة وتطالبه بالتوبة والتوقف عن الهرطقة والتجديف.

لن أنسى أبدا دعوة حسن لي لزيارة منزل أسرته وقضاء فترة عيد الأضحى الذي يعد أهم عيد في السودان في بلدة المتمة التاريخية، فقد كانت تلك الزيارة نقطة فاصلة في تاريخ علاقتي به، حيث سافرت من الخرطوم إلى مدينة شندي العريقة ومن هناك انتقلت عبر ناقلة بحرية إلى المتمة وتعرفت على والدته وأخيه وأخواته كما عرفني على جيرانه وأصدقائه وأقاربه وقضيت معه أياما اعتبرها من أجمل ما عشت خلال فترة دراستي الجامعية.

إحدى المواقف الطريفة التي عشت لحظاتها مع حسن في بلدة المتمة كانت حين ذهبنا إلى النادي المحلي حيث يلتقي شباب الحي للترويح عن أنفسهم وكان التلفاز الوحيد الذي بالنادي معطوبا ويعمد القائمون على النادي على ضربه من الجانبين ومن الخلف كلما اهتزت الصورة واختفت الألوان فاقترح عليهم أحدهم بيعه وإضافة مبلغ من المال على ثمنه وشراء جهاز راديو صغير الحجم.

غادر حسن إلا أن حضوره وخفة ظله واعتزازه بنفسه وبأفكاره لم يغادراني لحظة فقد كان عاشقا لوطنه مناضلا جسورا من أجل رؤية السودان ينعم بحكم ديمقراطي يحقق للشعب أهداف ثورته في الحرية والسلام والعدالة.

شارك حسن بكل ما يملك في ثورة ديسمبر وكل الانتفاضات التي سبقتها وكان على دراية واسعة بخطورة الإسلاميين الذين لم تتلوث سيرته بالانتماء إليهم يوما ولا تزال كتاباته على صفحته بموقع "فيسبوك" باقية وشاهدة على ثوريته وعلى معارضته الشديدة للإسلاميين وكم أتمنى من المسؤولين إضافة اسمه إلى قائمة شهداء الثورة الذين سطروا بدمائهم أروع ملاحم التضحية والفداء.

كان حسن كاتبا مبدعا تعكس كتاباته غزارة علمه وسعة اطلاعه ووعيه السياسي. ففي ديسمبر 2016 كتب عن الفساد: "من السهل إخفاء جثة لكن يستحيل إخفاء رائحتها بعد أن تتحلل لا محالة. هكذا حال الفساد في بلادنا الموبوءة به".

وفي ديسمبر من نفس العام كتب أيضا في تأييد الحراك الشعبي ضد نظام البشير: "انتصف ليل الخرطوم وشارف فجر بلادي على الشروق اللهم أنى نويت أن أعصي من طغى وتجبر.. مواكب ما بتتراجع تانى حاقيف قداما وأقول للدنيا أنا سوداني".

وعندما روج أنصار النظام السابق فكرة عدم وجود بديل مناسب لحكم البلاد كتب: "يسألونك عن البديل قل لهم إن البديل سيوقف الحرب لامتلاكه الإرادة السياسية اللازمة لذلك المستمدة من إرادة الشعب. إن البديل سيقضى على الفساد مدفوعا برغبة الشعب. إن البديل سيعيد لعجلة الإنتاج دورانها تنفيذا لأوامر الشعب. إن البديل سينهي العزلة الدولية لأن العالم يمد الجسور لمن ينزلون عند رغبة الشعب. سيكون البديل خادما للشعب ساعيا لرضائه لأنه إن لم ينل ذلك سيصرفه الشعب".

من المؤسف أن يأتي اهتمامنا متأخرا بأفكار وقدرات من نجلهم بعد مغادرتهم هذا العالم في الوقت الذي كان بوسعنا استيعابهم ومساعدتهم في تحقيق طموحاتهم والتغلب على مصاعبهم الحياتية والمهنية.

نشر حسن مشاركتين على منبر "ارفع صوتك" هما "أحزمة الفقر" و"تهمة غير مكتملة الأركان والعناصر" تناول فيهما ببراعة فائقة معاناة المرأة في أفريقيا وفنّد فيها تهم من يحملون السياسات الغربية في العالمين العربي والإسلامي مسؤولية تفشي ظاهرة الإرهاب.

رحل حسن وبقيت كتاباته على موقع "فيسبوك" متاحة للجميع كما اختار لها أن تكون تاركا خلفه رصيدا فكريا يعكس همومه وأفكاره وأحلامه وأسرة وأصدقاء فجعهم رحيله المفاجئ ولم يبق لهم سوى استرجاع شريط الذكريات الجميلة معه والحزن على فراقه والدعاء له بالرحمة.

اقرأ للكاتب أيضا: تداعيات مقتل البغدادي ومستقبل تنظيم "داعش"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG