Accessibility links

وكم ذا بمصر..


شطبت نقابة المهن التمثيلية المملين عمر واكد (الصورة) وخالد أبو النجا بسبب مواقفهما السياسية

مالك العثامنة/

النقابات والاتحادات المهنية هي فعليا الوريث التاريخي لشيوخ الكار، والهدف من وجودها تاريخيا في الشرق قبل أن تعرفها أوروبا حتى كان لتنظيم الممتهنين في قطاع معين، وتطورت الفكرة إلى حماية مصالح أهل الكار والمهنة في مواجهة تغول أرباب العمل وإجبار الحكومات "المنتخبة طبعا" على أن يكون صوت تلك القطاعات حاضرا في حدود مطالباتها بحقوق منتسبيها، وتمثيل مصالحهم المهنية لا أكثر ولا أقل.

لكن في مصر "السيسي" تصبح النقابات جزءا من النظام السياسي الحاكم، حيث أعلنت نقابة المهن التمثيلية إلغاء عضوية ممثلين مصريين يعارضان سياسيا النظام المصري، ويرفضان التعديلات الدستورية، في حين تقدم محامون إلى النائب العام ببلاغات لمحاكمتهما بـ"الخيانة العظمى".

الثورة المختطفة ستنتهي إلى الأبد بطلقة التعديلات الدستورية

وتدحرجت القصة على طريقة "الحدوتة" المصرية في الإعلام المصري لتصبح مزاودات غليظة متصاعدة ضد ممثلين عبرا عن رفضهما للتعديلات الدستورية، ولهما مواقف من نظام الحكم في مصر.

لا يجد الإعلام المصري حرجا ولا تناقضا مع نفسه حين يحتفي برامي مالك كإبن مصر الذي حاز الأوسكار عن دوره الذي شخص فيه شخصية مثلية، وهذا الإعلام نفسه يجد في المثلية صفة تحقير لأحد الممثلين المصريين، فقط لأنه عبر كمواطن مصري عن رأيه السياسي، وطبعا شيوخ كار المهنة تجاوزوا المفهوم النقابي الصحيح لعملهم، فكان القرار السياسي الممثل للنظام الحاكم بفصل الممثلين عمرو واكد وخالد أبو النجا، اللذين قدما في جلسة استماع أمام لجنة في الكونغرس الأميركي وبمعية التلفزيوني الشهير يوسف حسين صاحب برنامج "جو شو" الشهير شهاداتهم على النظام الحاكم في مصر وفداحة الخطأ في التعديلات الدستورية التي "تشرعن" الاستبداد.

يوسف حسين كان الأكثر وضوحا في حلقة برنامجه الأخيرة حين أوضح أنه لا ينتظر حلا من واشنطن من خلال شهادته أمام الكونغرس، وهو محق، فواشنطن على موعد مع السيسي نفسه في البيت الأبيض في نيسان/أبريل الجاري.

المفارقة المضحكة المبكية أكثر، حين طالب عضو بلجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصري بإسقاط الجنسية عن نشطاء أعلنوا معارضتهم للتعديلات الدستورية، ومحاكمتهم بتهمة "خيانة الوطن"! هكذا ببساطة يعلن مشرّع برلماني مسؤول عن حقوق الإنسان اغتيال أحد أهم حقوق الإنسان في المواطنة، وتصفية النشطاء مدنيا عبر سحب الجنسيات عنهم بل وتخوينهم ليكون ذلك تمهيدا لسلسة محاكمات في ظل نظام قضائي يصدر أحكام الإعدام بالجملة وبلا تردد.

♦♦♦

شخصيا، وضمن قناعة باتت راسخة، أجد أن مصر منذ انقلاب جمال عبد الناصر ورفاقه العسكر، لم تخرج عن حكم العسكريتاريا التي انتقلت إلى السادات ثم مبارك الذي شعرت المؤسسة العسكرية "الشبحية" أنها تحت خطر فكرته بالتوريث فصار ما صار وانتهينا إلى التموضع العسكري من جديد بعبد الفتاح السيسي الذي أكد سابقا أنه لن يرشح نفسه لانتخابات قادمة، لكن ـ ويا سبحان مقلب القلوب ـ فإن الإعلام المصري المحكوم بقبضة المؤسسة التي يقودها السيسي يؤكد على فكرة المطالبة الشعبية الجارفة بترشيح الرئيس حتى لو لم يرض بذلك!

ألا يذكرنا ذلك بمسرحية "التنحي" الشهيرة بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، ومطالبات الجماهير الغفيرة لعبد الناصر بالرجوع عن قرار التنحي رغم إقراره بالمسؤولية الكاملة عن الهزيمة؟

في مصر "السيسي" تصبح النقابات جزءا من النظام السياسي الحاكم

المفارقة المبطنة أكثر في كل "المهزلة المصرية" هي أن عبد الفتاح السيسي الذي انقلب على تيار الإخوان المسلمين بحجة أنهم كانوا يريدون الاستحواذ على السلطة وخطف ثورة كانون الثاني/يناير التي نادى فيها الشعب المصري بالحرية والديمقراطية، هو نفسه الآن يستحوذ على السلطة كلها بيده، والثورة المختطفة ستنتهي إلى الأبد بطلقة التعديلات الدستورية التي يعصف الجدل عنها في مصر ويتم تخوين من يعارضها تحت طائلة المحاكمة والاغتيال المدني ومن غرفة التشريع نفسها.

وشخصيا أيضا، أنا مؤمن أن الإخوان المسلمين مشروع خطير واستبدادي وإقصائي لا يتناسب مع فكرة دولة المؤسسات والقانون وجوهر الفكرة المدنية للدولة، لكن.. عفوا! ماذا نسمي ما يفعله النظام الحاكم في مصر إذن غير ذلك أيضا؟

♦♦♦

مجموع المفارقات في مصر "السيسي" يحيلني فورا إلى أبي الطيب المتنبي، ابن الكوفة الذي رام المناصب في دولة الحمدانيين في حلب، فخاب أمله فاتجه إلى مصر وكان كافور الإخشيدي يحكمها فتضاعفت خيباته لكنه قال في حال مصر أيامها ما يصدق على اليوم:

(وَكم ذا بمِصْرَ مِنَ المُضْحِكاتِ ** وَلَكِنّهُ ضَحِكٌ كالبُكَا).

اقرأ للكاتب أيضا: 'في ناس بس ما في إنسان'

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG