Accessibility links

وهم "الكملك"


الشرطة التركية تعتقل متاظرا تركيا خلال تظاهرة تعترض على إجراءات الحكومة الأخيرة بحق اللاجئين السوريين

حازم الأمين/

ليست قضية ترحيل سوريين من تركيا إلى إدلب "إجراء قانونيا" بحق غير الحائزين على الإقامة (الكملك) من اللاجئين، على ما حاولت السلطات التركية القول. فمن الواضح أن قضية السوريين في تركيا صارت جزءا من النقاش الداخلي في تركيا، وأن الحكومة بدأت تدفع ثمنا شعبيا جراء تسهيلها في السنوات الفائتة استقبال اللاجئين.

ورجب طيب أردوغان الذي تعرض لخسائر على أكثر من صعيد في المرحلة الأخيرة، استجاب بخطواته الجديدة لضغوط يتعرض لها. فزعيم العدالة والتنمية خسر المدن الكبرى في الانتخابات المحلية، وتعرض حزبه لانشقاقات في متنه، وانهارت الليرة التركية، وتعرض الاقتصاد لانتكاسات غير مسبوقة.

على العالم أن يقتنع أن النظام هو مأزقه أيضا، وليس مأزق السوريين لوحدهم

لكن في مقابل هذا المشهد التراجيدي الذي يعيشه الرجل، هناك حقائق أكثر تراجيدية. ثمة أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري في تركيا. أي توجه لإعادة هؤلاء إلى بلادهم سيكون غير منطقي وغير واقعي طالما أن لا تسوية سياسية تتيح عودتهم.

سنشهد طبعا مزيدا من الوقائع التي تكشف قيام الشرطة التركية بترحيل شبان سوريين، على ما شهدنا في الأسابيع الفائتة، لكن ذلك سيقتصر على المئات، وربما الآلاف، في وقت أن حجم الأزمة يبلغ ما يزيد عن ثلاثة ملايين لاجئ!

الدرس في تركيا كما هو الدرس في لبنان وفي الأردن، هو أن لا حل لقضية اللاجئين السوريين في هذه البلدان، سوى بتسوية تضمن عودة آمنة لهؤلاء اللاجئين. تركيا تقترح إعادتهم إلى إدلب في وقت تشهد فيه تلك المحافظة مجازر هائلة يتسبب بها القصف الروسي لمدن هذه المحافظة. لبنان، يتحدث سياسيوه عن مناطق سورية آمنة، وكلامهم لا يجد ترحيبا من قبل النظام السوري، ناهيك عن اللاجئين أنفسهم وعن تجارب عودة انتهت بأحكام إعدام.

الدول التي استقبلت اللاجئين كانت جزءا من الحرب في سوريا

ربما نكون قد استنفدنا نقاش أنظمتنا بما يتعلق بالبعد الإنساني لموضوع اللاجئين، والأرجح أن أنظمة الدول المُستقبلة نجحت في بناء رأي عام إلى جانبها على هذا الصعيد (لبنان)، أو وجدت نفسها منقادة وراء تحول في أمزجة مجتمعاتها (تركيا). لكن للقضية بعد واقعي، ذاك أن توهم ترحيل قصري لملايين البشر إلى مناطق يشعرون أنهم سيموتون فيها، أمر مستحيل. لن يقبل هؤلاء بأن يُحشروا في بؤر الموت التي نعرضها عليهم. يمكن للأنظمة أن تعيد قصرا المئات وربما الآلاف، لكن إعادة ملايين اللاجئين لن يكون واقعيا ولا ممكنا.

يعيدنا هذا إلى حقيقة أن العالم يبحث في قضية اللاجئين عبر بحثه في نتائجها لا في أسبابها، وهذا يبدو عقيما. أنقرة تدفع بلاجئين إلى إدلب وتتحالف مع موسكو التي تقصف طائراتها المحافظة. لبنان يريد إعادة اللاجئين إلى مناطق النظام الذي سيقتلهم، وهو على علاقة متينة مع هذا النظام. إذا ما نعرضه على اللاجئين هو الموت، ولا شيء آخر. وهم لن يقبلوا بهذا العرض طبعا.

أي بحث عن حل لموضوع اللاجئين السوريين سواء في الدول المجاورة لسوريا، أو في الدول الأوروبية، لا تكون قاعدته تسوية سياسية وضمانات دولية حقيقية، لن يكتب له النجاح. والقول بأن النظام بصيغته الراهنة لا يمكن أن يبعث على الثقة في حال أعطى ضمانات هو قول صحيح ومُجرب ومُثبت.

لا حل لقضية اللاجئين السوريين، سوى بتسوية تضمن عودة آمنة لهؤلاء اللاجئين

الدول التي استقبلت اللاجئين كانت جزءا من المعضلة ومن الحرب في سوريا. لبنان حارب إلى جانب النظام عبر حزب الله، وتركيا حاربت إلى جانب المعارضة عبر الفصائل الموالية لها. فاتورة اللجوء بهذا المعنى منطقية وعادلة، ورفضها على نحو ما يجري اليوم في بيروت وفي أنقرة ينطوي على قدر من الحمق والظلم، سيوازيه من دون شك أثمان ودماء.

باشر اليوم مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في تركيا وفي لبنان بالبحث عن وجهة لجوء بديلة. استحالة العودة أمر مفروغ منه. ما يتعرضون له من إهانات وتضييق وحصار تضاعف في السنة الأخيرة. الأجهزة الأمنية مزودة بتعليمات تقضي بإشعارهم بأنهم مهددين في أمنهم وعيشهم وبقائهم. الشعور المنطقي والعادي هو أن يجري البحث عن وجهة لجوء جديدة. أوروبا تغيرت ولم تعد مرحبة. إذا لا بد للعالم من أن يبحث عن مخرج. لا مخرج سوى بتسوية سياسية تأخذ باعتبارها أن النظام لا يمكن أن يكون جزءا من ضمانات العودة.

على العالم أن يقتنع أن النظام هو مأزقه أيضا، وليس مأزق السوريين لوحدهم.

اقرأ للكاتب أيضا: تيمور

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG