Accessibility links

يوم ترنّح العالم


تحيي ذكرى ضحايا هجمات 11 سبتمبر، أمام النص الذي أقيم لإحياء هذه ذكراهم

حسن منيمنة/

يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، استولى عدد من الفتية المسلمين، من السعودية ومصر والإمارات ولبنان، في الولايات المتحدة التي دخلوها، وفق قناعاتهم الإيمانية، بعهود أمان ضامرين نكوثها، على أربع طائرات، بطواقمها وركابها، وجعلوا منها قذائف مدمّرة لقتل الآلاف، غدرا وعدوانا. تداعيات جريمتهم هذه مستمرة منذ ثمانية عشر عاما، وبلاغة أثرها على العالم والتاريخ لم تنكشف بالكامل بعد. على أنه يمكن للتوّ الإشارة إلى نتائج أكيدة تحققّت من جرّاء هذا الاعتداء.

العدوان أصاب الولايات المتحدة بالألم والأذى والخوف. أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، آلاف الجرحى والمصابين، مفاصل اقتصادية وحكومية هامة مدمّرة ومعطلة. لا يمكن الاستهانة بالصدمة. ولكن ما لا بد من الالتفات إليه هو مدى الرقيّ في ردات الفعل في هذا المجتمع التعددي. من رئيس (كان يومئذ جورج دبليو بوش) سارع إلى اعتراض أي تصوير للجريمة على أنها حرب مع الإسلام، فزار مسجد مدينته، إلى حراك مدني واسع النطاق، فاق بأضعاف مضاعفة بعض حالات فوران الغضب، ليؤكد أن الجريمة لن تنال من روح التسامح والتآخي في البلاد. الولايات المتحدة قد تجاوزت الآثار المادية للعدوان، ذكرى العدوان تبقى جرحا نازفا، ولكن آثاره المادية قد زالت.

العدوان شكّل ضربة مؤلمة للتفاؤل الذي تلا انقضاء الحرب الباردة

العدوان بدّل من طبيعة حروب الثقافة في الولايات المتحدة. فالمجتمع هنا يشهد سجالا منذ عقود بين قراءتين للخصوصية المعنوية لتجربة الولايات المتحدة، إحداهما تعتبر أخطاء الماضي هفوات وتنحو إلى التغاضي عنها وتبجّل المراحل السابقة على أنها التجسيد للقيم الثابتة، الحرية والمساواة والعدالة، والأخرى تعتبر الأخطاء خطايا، وتطالب بتذليل عواقبها وتصحيح فسادها للارتقاء إلى المقتضى الصادق لهذه القيم وتحقيقها.

جاء العدوان ليمنح الفريق الأول ـ المحافظ، والمرتاب من التعددية التي نجح بإرسائها الفريق الثاني ـ التقدمي، حجة دامغة حول تهافت مساعي استيعاب المكونات التي لم تكن من المساهمين في تأسيس الولايات المتحدة، ولا سيما الجاليات الإسلامية.

العدوان أشعل حروب دفاعية وهجومية، اقتصاصية واحترازية، هدرت في المحصلة بعض أموال الولايات المتحدة وقتلت بضعة آلاف من جنودها، ولكنها في المقابل تلاقحت وتكاثرت لتتسبب بموت الملايين وبدمار بلاد برمّتها، أفغانستان والعراق في مرحلة أولى، قبل أن تتوسع المواجهة في فعل ملاحقة للتنظيمات الجهادية.

العدوان أطلق العنان لدى الإسلاميين والجهاديين لأوهام التمكين، رغم الشحة الموضوعية لا للإمكانيات وحسب، بل للفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي الكفيل بالانتقال من الشعارات الضبابية إلى التنفيذ المتّقن، ما حقق الفشل الذريع لكل تجارب تولي السلطة من جانب الفصائل الإسلامية. ولا يخرج عن هذا الواقع إلا منحى المراجعة وإعادة النظر المبدئية والذي اتخذته حركة النهضة في تونس.

العدوان أرسى توجه التفريط بعصمة النفس الإنسانية، وصولا إلى استباحة غير مسبوقة للقتل والذبح والنحر والانتحار، بما يسقط المتعارف عليه عالميا من حرمة الحياة البشرية، ويضعف إمكانية اللجوء إلى المشروعية الدولية لدى المجتمعات التي تزعم الفصائل الجهادية الذود عنها.

العدوان هو الفعل المؤسس، من خلال تسلسل الوقائع، للدولة الإسلامية، وما تشكله من ظاهرة قصوى باتجاه إهمال درء الحدود بالشبهات وتغليب الشدة في الأحكام، بما في ذلك إحياء السبي والرمي من شاهق وضرب الأعناق تعزيرا ودون استتابة، وصولا إلى تكفير للعامة وتنفير لهم من الدين.

العدوان أطلق العنان لدى الإسلاميين والجهاديين لأوهام التمكين

العدوان وما استولده من نوافل وسّع من الهوة بين المواطنين المسلمين والوافدين المسلمين في الدول الأوروبية وسائر المجتمعات الحاضنة لهم، وأتاح خروج أصوات كانت مكتومة بفعل التهميش تجعل منهم ومن دينهم خطرا وجوديا عليها وتطالب بإخراجهم. الجهاد الإسلامي ليس سبب نشوء القومية البيضاء، ولكنه من أهم حجج بروزها وصدوحها.

العدوان شكّل ضربة مؤلمة للتفاؤل الذي تلا انقضاء الحرب الباردة، باتجاه إرساء نظام عالمي جديد قائم على القيم المشتركة، وكان الإرهاص الأول، إن لم يكن السبب، لعودة إلى فئوية فظّة ساهمت في تحسين فرص الوصول إلى الحكم في العديد من البلدان لشخصيات قادرة على التهييج والتعبئة وإن كانت مفتقدة للكفاءة واللياقة.

ما أقدم عليه تنظيم "القاعدة" وأخواته كان باسم الإسلام. وفق مقتضى الحاجة الخطابية، قد يأتي التوصيف على أن الفعل هو لنصرة المسلمين والثأر لهم ولصون أعراضهم وما شابه. والتمييز بين الزعميْن، "الدفاع عن الإسلام" و "الدفاع عن المسلمين"، ضروري في السعي إلى التقييم.

فإذا كان الغرض هو "الدفاع عن المسلمين"، فإن الحركة الجهادية العالمية، القاعدة وتنظيم الدولة وكل الفصائل التي تشبهها، قد فشلت فشلا ذريعا. فالغالبية العظمى من ضحايا هذه التنظيمات، من الذين أزهقت أرواحهم واستبيحت أعراضهم ودمرّت مدنهم وسلبت أموالهم هم من المسلمين، ومن أهل السنة تحديدا، تضاف إليهم أعداد مقابلة من الذين سقطوا بنيران من حارب هذه التنظيمات. من جزر شرق آسيا إلى بلدات غرب أفريقيا، مرورا بوسط آسيا وعموم الشرق الأوسط، كثير من ديار السنة خراب وأهلهم مشردين وأموالهم ضائعة. فالحديث عن الدفاع عنهم ينطق به إما واهم متخبط أو كاذب يضمر غير ما يظهر.

وما يضمره الكاذبون من هؤلاء هو أن الدفاع ليس عن المسلمين، بل عن "الإسلام". وإسلامهم هنا ليس دين أهله، أي عَرَض عليهم، غرضه إصلاح أحوالهم في اعتبار للعالم على أن الإنسان أسه وأساسه، بل "الإسلام" لديهم أشبه بالصنم المعبود القائم بذاته ولذاته والذي تراق على عتباته الدماء وتقدم له الأضحية.

للمسلمين عامة، والإسلاميين خاصة، وتحديدا السلفيين السعي إلى تمحيص أفكارهم وفك التضارب بين القراءات المتواجهة في الإرادتين والمقاصد. ما يعني العالم أجمع أن يبقى الاختلاف عند حدود الفكر، وألا يخرج عنه مجددا قاتلا ومقتولا.

تجاوزت الولايات المتحدة، ومعها الغرب والعالم، اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر ماديا

العالم، بنظامه الجديد في مرحلة ما بعد حروب القرن العشرين، قد ترنّح دون شك، ليس من السطوة المتخيلة للقاعدة وغيرها من الجهاديين وقوتهم، إذ واقع الحال، رغم الألم الذي تمكنوا من إنزاله بالولايات المتحدة وسائر الغرب، هم متضائلون بإمكانياتهم، وقادرون وحسب على بعض العرقلة وبعض الإزعاج، وعاجزون بالمطلق عن قلب الموازين لتنتظم مع أوهامهم الشمولية. العالم ترنّح لأنه كان ولا يزال بحاجة بدوره إلى إيجاد التوازن في إدارته للقيم والتوقعات.

المؤسف هو أن المخزون الحضاري الإسلامي بالمعنى الأوسع للكلمة (أي الجامع للناتج الفكري المسلم والمسيحي واليهودي والصابئ واللاإلهي واللاديني واللافقهي في الإطار اللغوي العربي والفارسي والتركي دون الحصر) يحفل بما يفيد للمساهمة البناءة في المسعى العالمي إلى إظهار القيم الإنسانية المشتركة، غير أنه مهمّش إلى حد التلاشي، نتيجة الاستهلاك بالمقتضب والمجحف من الطروحات التي يحويها.

قد تجاوزت الولايات المتحدة، ومعها الغرب والعالم، اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر ماديا، ووجدت السبيل، وإن الملتبس إلى تخطيها معنويا. أما المجتمعات الإسلامية، وفيها من ابتهج لإصابة الولايات المتحدة، فالعديد منها ما زال يرزح تحت إرث ذاك العدوان. ليت ذكراه تكون دافعا للعودة إلى الإنسانية الجامعة، القادرة دون غيرها على دمل الجراح.

اقرأ للكاتب أيضا: نحو الاتزان في الهويات العربية وما بعد العربية

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG