Accessibility links

حين يكون المسلمون الضحية.. تسقط بعض الأقنعة!


أونغ سان سو تشي

بقلم حافظ المرازي/

أنباء محنة عشرات الآلاف من مسلمي ميانمار (بورما) الفارين هذه الأيام بحياتهم وأطفالهم من الاضطهاد وحرق المنازل وعنف الأغلبية البوذية في عملية تطهير عرقي وديني للنزوح من إقليم الراخن إلى بنجلاديش، أنباء تنقلها كل وسائل الإعلام الغربية والدولية التي تحترم المعايير الصحفية المهنية، بغض النظر عن مدى تصدرها العناوين والمانشتات. لكن الغائب أو النادر هو كتابات المعلقين الذين يملأون صفحات الرأي وبرامج الحوار حين يكون الخبر هو اضطهاد المسلمين لغيرهم أو أعمال العنف التي يرتكبها مسلمون أو حتى مسلم واحد ولو كان في سلوكه يتردد على الحانات ويرافق المثليين! أهمية الخبر وسعادة المعلقين تكون في أن الجاني مسلم.

ليس المطلوب أيضا ان يسكت أصحاب الضمير ودعاة حقوق الإنسان على اضطهاد مسيحي في مصر أو شيعي في السعودية أو السكوت على الاعتداء على معبد يهودي في أميركا اللاتينية. فهذا أسوا ما يمكن تحقيقه وهو السكوت المتبادل أو التواطؤ ضد الضحايا لاعتبارات سياسية أو مصلحية.

وكيف يمكنها السكوت على تلك الجرائم في بلدها سيدة تجاوزت السبعين من عمرها وقضت منها خمسة عشر عاما حبيسة منزلها عقابا لها على الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية في مواجهة استبداد الزمرة العسكرية التي حكمت ميانمار/ بورما بيد من حديد من 1962 حتى 2013 على الأقل، كما حصلت هذه السيدة على تقدير العالم وجائزة نوبل للسلام لتصبح أونغ سان سو تشي الرئيس الفعلي لبلدها حاليا، بعد أن حال الدستور دون توليها شخصيا الرئاسة. ومع ذلك تصمت..بل وتدافع منذ عام 2013 عما يفعله الأصوليون البوذيون (المؤمنون بالشريعة البوذية وهو مذهب بالي صاحب الأغلبية من البوذيين في تايلاند وميانمار وسيري لانكا). ففي مقابلة مع بي بي سي قبل أربع سنوات اعتبرت أونغ سان سو تشي مايحدث ضد المسلمين الروهينغا في بلادها عنفا متبادلا من الطرفين! ورغم أن أميركا بسياسييها وعسكرييها هبوا في وجه الرئيس الأميركي ترامب حتى تراجع وعدل تصريحاته، حين اعتبر العنف في تشارلوتسفيل بولاية فيرجينيا متبادلا، عند وفاة متظاهرة واحدة بعنف مباشر!

لكن غالبية معلقي الليبراليين والمحافظين وحقوق الإنسان والحرية الدينية في أميركا وخارجهالم يتوقفوا كثيرا عند تصريحات شخصية حاصلة على نوبل للسلام. بل والأدهى ما اظهره كتاب عنها صدر العام الماضي بأنها تضايقت من أسئلة مذيعة بي بي سي (ميشال حسين، وهي بريطانية من أصل باكستاني) في مقابلة 2013 حين أحرجتها بالنسبة لاضطهاد المسلمين، ونقل الكتاب عن أونغ سان سو تشي أنها خرجت من المقابلة متمتمة لمن معها بصوت منخفض: "لم يقل لي أحد أن التي ستجري المقابلة معي مسلمة!"

لم يعلق أحد أيضا على مفارقة أن الحكم العسكري أسكت كل النزعات الطائفية والدينية في بورما، وأن الديمقراطية وحكم الأغلبية أدى إلى طغيان الأصوليين البوذيين وعصفهم بحقوق الأقلية المسلمة طالما أن نسبة الناخبين البوذيين 90%، وبالتالي هذه ليست مشكلة المجتمعات المسلمة الأغلبية وحدها التي يزعم البعض أنها غير جديرة بحكم الديمقراطية أو أغلبية الصندوق طالما أنها تعتقد في قيم تحتاج إلى إصلاح أولا!

هذا منطق بائس، يفترض أن الديمقراطية هي حكم الأغلبية فقط وليس وضع دستور توافقي يحمي الأقلية من طغيان الأغلبية عند التصويت على أي شئ ينافي القيم العليا لحقوق الإنسان. أما مسألة الإصلاح والجدل بين المحافظيين والتقدميين فسوف تستمر وتتواصل في كل الدول والمجتمعات حتى الديمقراطية فما تسمح به أميركا للمسلم في زيه غير ما تسمح به فرنسا، بل إن مسألة الإجهاض والصلاة في المدارس العامة ومناهج الدراسة للناشئين قضايا مثارة في المجتمع الأميركي ومتغيرة.. فلماذا أصبح مجتمع المسلمين غير مؤهل للديمقراطية، وعليه أن ينتظر عقودا أو قرونا لإصلاح قيمه أولا!!

ثم هل طلب أحد في الغرب من زعماء ورموز البوذية في العالم، باستثناء مبادرةالدالاي لاما في التبت، الذي أصدر عدة مناشدات لزعماء ميانمار لوقف العنف، بأن يصدروا بالمثل بيانات شجب لما يحدث للمسلمين على يد المتعصبين البوذيين في بورما/ ميانمار حتى نقبلهم في مجتمع التحضر والسلم الغربي مثلما نفعل مع قادة المسلمين في كل قارة وحارة كلما أخرج معتوه سكينا أو اقتحم بسيارته مدنيين أبرياء.

أخيرا، لا أقول: "من كان منكم بلا خطيئة.." بل أقول: من كان منكم بيده حجر أو بيده كلمة شجب فليقذف بها كل مخطئ ومعتد على حقوق الإنسان، ولو كان الضحية مسلما.. ولا تصمتوا على أحد سواء كان الجاني بوذيا أو مسيحيا أو يهوديا.. (ولا حاجة لقول مسلما، فاعرف انكم "مابتتوصوش" عليهم حين يكونوا جناة!)

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG