Accessibility links

ليت الحرب على الإرهاب فيلم كاوبوي!


أبطال فيلم "12 قويا" في العرض الافتتاحي (أ ف ب)

بقلم رياض عصمت/

كثيرا ما يورد صناع الأفلام في مقدمة أعمالهم عبارة تفيد بأنها تستند إلى قصة حقيقية جرت على أرض الواقع، أي أن الخيال الفني الذي يصورون هو توثيق دقيق لأحداث تاريخية. لكن الوقائع تؤكد أنه حتى عندما يستلهم السينمائيون حادثة حقيقية عاش أبطالها في الماضي وقاموا ببطولات مشهودة، فإن تجسيدها سينمائيا وأداءها من قبل ممثلين وممثلات لا يعتبر ضربا من التأريخ التسجيلي، بل يظل من صنع الخيال.

إذن، يحمل كل عمل إبداعي في جوهره رسالة مكشوفة أو مستترة، يقرأها وجدان المشاهد إيجابا أو سلبا، حول أشخاص وأحداث واقعية. لهذا نجد أن بعض الأفلام السينمائية الحديثة تثير الأسئلة في الأذهان: إلى أي حد يمكن أن تذهب بعيدا الحرب ضد الإرهاب؟ هل التدخل العسكري ضمن حدود بلدان أخرى مشروع للرد على منابع الخطر؟ وهل يعتبر ذلك التدخل عملا وطنيا وإنسانيا، أم تحركه دوافع نفعية كامنة في الخفاء؟

هذه الأسئلة وسواها أثارها ضمنيا، من دون قصد، فيلم "12 قويا" (2018)، من إخراج نيكولاي فوغلسيغ عن سيناريو تيد تالي وبيتر كريغ، والمقتبس عن كتاب ألفه دون ستانتون، ولعب بطولة الفيلم كريس هامسورث ومايكل شانون ومايكل بينا ونافيد نيغاهابان. حاول صناع الفيلم إضفاء مصداقية على بطولات أبطاله من العسكريين الأميركيين الذين نراهم يتنافسون للتطوع والقتال في فيافي وقفار أفغانستان، حيث يحتدم صراع دموي عنيف بين طالبان وبين عشائر موالية للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب. يعتمد الفيلم على قصة حقيقية لاثني عشر عسكريا خاضوا عن رغبة وحماسة غمار تلك الحرب، وعندما واجهوا وعورة الطبيعة القاسية، امتطوا صهوات الجياد وقاتلوا بشجاعة فاقت جون وين وكلينت إيستوود في أفلام الوسترن الشهيرة.

تبرر السينما أحيانا بأن الانخراط في الحرب قد يكون "شر لا بد منه" ردا على ظلم إنساني يقع في مكان ما

يحرص فيلم "12 قويا" إذن على حفز المشاعر الوطنية لانتهاج سبيل التدخل العسكري خارجيا، مبررا ذلك بتعرض الولايات المتحدة إلى هجوم إرهابي شنيع في 11 أيلول/سبتمبر من قبل تنظيم "القاعدة". يعمد صناع الفيلم منذ بدايته إلى تحريض مشاعر المشاهدين بطريقة عاطفية عبر لقطات وثائقية تظهر العداء والعنف ضد المصالح الأميركية في أمكنة وأزمنة شتى. في المقابل، يعمد السيناريو إلى تهميش مشاعر الخوف والقلق عند الزوجات والأهل والأبناء من احتمال فقدان الأحبة في ساحات قتال نائية عن وطنهم، بحيث نرى الزوجات وأطفالهن يلعبون دورا تشجيعيا كي يلبي الأزواج نداء الواجب ويلتحقوا بقواعدهم خارج حدود البلاد، في تجاهل تام إلى أن الحرب ـ سواء كانت أهدافها نبيلة أم لا ـ ستؤدي حتما إلى سقوط بعض الضحايا الذين ستعاد جثامينهم إلى أرض الوطن في الأكفان.

إقرأ للكاتب ايضا: الإعلام بين الالتزام والإلزام

بالرغم من هذا، ربما تبرر السينما أحيانا بأن الانخراط في الحرب قد يكون "شر لا بد منه" ردا على ظلم إنساني يقع في مكان ما، مثل الإبادة العنصرية التي حدثت في البوسنة واضطرت الولايات المتحدة بسببها إلى التدخل العسكري ضد الصرب آنذاك لحماية مسلمي البوسنة من جرائم الحرب المرتكبة ضدهم ومحاسبة فاعليها، في حين أنها لم تتدخل في رواندا، حيث ارتكبت جرائم إبادة عنصرية فظيعة ما زالت تثقل الضمير الإنساني حتى الآن.

هذه هي المبررات التي تجسدها بعض الأعمال الفنية، إذ تجعل التدخل العسكري لدرء تهديد يتعرض له الأمن القومي للبلاد، أو للرد على عدوان ينال المصالح الأميركية أو الحلفاء، وربما ضربة استباقية لخطر إرهابي يمكن أن يضرب المواطنين الآمنين في عقر الدار.

هل من حق أية جهة، مهما علت مكانتها السياسية وقدراتها العسكرية، التدخل في شؤون بلد آخر من دون غطاء شرعي من الأمم المتحدة حصرا يجيز لها ذلك؟

يحاول فيلم "12 قويا" إيجاد مبررات مقنعة للحروب الخارجية عبر تصوير مشهد إعدام أم تجرأت على تلقين بناتها مبادئ المعرفة برصاصة في الرأس أمام أعينهن بينما يداس على زوجها، والد البنات، بأقدام أولئك المتطرفين الجهلة. في نهاية الفيلم، نجد حوارا ذكيا عندما يقول الجنرال الأفغاني دوستوم، زعيم العشيرة المتضامنة مع الأميركيين، والتي قاتلت السوفيات حتى أخرجت قوات احتلالهم بالقوة من أفغانستان، ما معناه: "مستقبلا، إذا تخليتم عنا ورحلتم، ستصبحون جبناء، وإن بقيتم هنا على أرضنا، ستعتبرون أعداء".

بالتالي، فالسؤال الذي يطرحه الفيلم على ضمير أي مشاهد واع وذكي ليس مشروعية التورط في حرب خارجية من عدمها، بل مدى نزاهة الدافع الأخلاقي للتدخل الخارجي أو الاقتصار على الاهتمام بمشاكل المواطن الأميركي الداخلية، مثل تحسين الوضع الاقتصادي، إيجاد فرص عمل أفضل، تقليص الضرائب، توفير تأمين صحي زهيد التكلفة، وغيرها من هموم معاشية بحتة. بالتالي، يعود السؤال يلح: هل ينسجم دافع التدخل العسكري ويتوافق مع المبادئ التي تلتزم بها الولايات المتحدة وتنادي بتعميمها على العالم أجمع؟ وهل تتحرك الدول العظمى لنصرة الشعوب المضطهدة بدافع المبادئ أم المصالح؟

إقرأ للكاتب أيضا: العالمية أم العولمة؟

يجادل بعضهم قائلا: وما مصلحة الولايات المتحدة في أن تكون شرطي العالم؟ بينما يهيمن على بعضهم الآخر شعور بالذنب لتقاعس الولايات المتحدة في التدخل عندما ارتكبت مجازر في بلدان نائية عنها لمجرد عدم توفر مصالح لها أو لحلفائها هناك. وهذا ينقلنا للسؤال التالي: هل تجعل سياسة المصالح النفعية تلك، دولة عظمى مثل الولايات المتحدة تتخلى عن أصدقائها وحلفائها في وقت حاجتهم إليها؟ وهل يمكن لأعداء الأمس أن يصبحوا حلفاء اليوم، ويستحقون الوثوق بهم؟

الاعتماد على كتاب توثيقي عن أبطال حقيقيين ليس كافيا لصنع فيلم جيد، لأن الأساس في الفن هو تحلي الخيال بعنصر الإقناع

يشك المرء كثيرا في أن أحدا يتصرف في عالمنا اليوم انطلاقا من المبادئ وحدها. لا شك أن المصالح تلعب دورها بشكل مؤثر وحاسم، بحيث لا أعتقد أن أية دولة على الإطلاق يمكن أن تضحي بمصالحها من أجل المبادئ. لكن المصالح متغيرة، والمبادئ ثابتة. المصالح غير مؤكدة، بينما المبادئ معروفة. من المحتمل أن تسوق شعارات دعائية لما يبدو للوهلة الأولى أنه مصلحة قومية، ثم ما يلبث أن يتبين لإدارة لاحقة أن ذلك يلحق ضررا بالمصالح القومية ويشكل خيانة للمبادئ الأساسية معا.

بالتالي، فإن الانطلاق من المصالح وحدها دون المبادئ هو خطيئة أخلاقية، ربما يثبت المستقبل أنها غلطة استراتيجية أيضا. لذا، فالأفضل تحقيق توازن دقيق بين المبادئ والمصالح، بحيث لا تكون ثمة غلبة لجهة على الأخرى، بل يعملا معا بتكامل وانسجام.

يضاف فيلم "12 قويا" إلى قائمة الأفلام الحربية البارزة في القرن 21، مثل "الناجي الوحيد"، "هاكسو ريدج" و"القناص الأميركي". لكن مخرجين مثل بيتر برغ أو ميل غيبسون أو كلينت إيستوود لا يقبلون الاستناد إلى سيناريو رسمت قيمه بالأسود والأبيض، بحيث يصور الشر المطلق في مواجهة الخير المطلق، بل يرفعون من مستوى أفلامهم بالبحث الدؤوب عن الظلال الرمادية للشخصيات، يرسمون ترددها وتساؤلاتها وشكوكها ولحظات ضعفها. هكذا، بالرغم من إلى جانب تقنيات "12 قوياً" العالية، وروعة تصوير معاركه، وحجم تشويقه الذي لا يدع مجالا لتسرب الملل إلى المشاهد، هناك جانب سطحي في هذا الفيلم جعله من حيث المضمون أشبه بفيلم كاوبوي من الدرجة الثانية. ليست مقارنتنا للفيلم بأفلام الكاوبوي ناجمة عن عنوان الكتاب الأصلي "الجنود الخيالة"، ولا لأن أبطال الفيلم يخوضون غمار الحرب على صهوات الجياد مثل أبطال الوسترن، بل هو أمر متعلق بالمقاربة الفكرية أساسا، لأن الاعتماد على كتاب توثيقي عن أبطال حقيقيين ليس كافيا لصنع فيلم جيد، لأن الأساس في الفن هو تحلي الخيال بعنصر الإقناع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG