هرب من قمع البشير ليقع في مصيدة متاجري البشر
هرب من قمع البشير ليقع في مصيدة متاجري البشر
هرب من قمع البشير ليقع في مصيدة متاجري البشر
محمد عبدالله.. عامان من البحث عن مكان آمن

خاص بـ"موقع الحرة"/ مصطفى هاشم

اعتقل محمد عبد الله أحمد (37 عاما) مرات عديدة من قبل قوات الأمن السودانية لنشاطه المعارض، فقد كان زعيما طلابيا أثناء الجامعة ثم أحد الأعضاء النشطين في حزب الأمة المعارض، وأحد صحافييه.
كانت قوات الأمن تعتقل محمد عند خروج أي مظاهرات، سواء كان قد اشترك فيها أم لا باعتباره "محرضا"، إذ كان أحد متحدثي الحزب في الندوات حسب ما يقوله الصحافي السوداني نزار سيد أحمد لـ"موقع الحرة".
"أصبحت لا أبيت في البيت، لأن رجال الأمن في المرة الأخيرة هددوني بأنهم إذا قبضوا علي في مظاهرة سيتم تصفيتي" يقول محمد عبدالله أحمد لـ"موقع الحرة".

خريطة رحلة الهروب



الرحلة إلى مصر

خرج محمد من الخرطوم في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2016 متجها إلى العاصمة المصرية القاهرة وبالتحديد إلى حي "عين شمس" وقدم طلب لجوء لدى المفوضية السامية لحقوق الإنسان.
حصل محمد بالفعل على الكارت الأصفر الخاص بالحماية بعد أسبوع فقط من تقديم طلبه، إلا أنه لم يشعر بالأمان في مصر حسب قوله "أوقفني ضابط شرطة وسألني عن هويتي فأظهرت له البطاقة الصفراء، فقام بتقطيعها والسخرية مني وتوقيفي ضمن حملة تستهدف المهاجرين السودانيين خاصة".
استطاع محمد الهرب من الشرطة مرة أخرى أوقف فيها عناصر الشرطة سيارتهم بقربه لتوقيف أشخاص آخرين. يقول "قاموا بمطاردتي لكني استطعت الهرب في الشوارع الجانبية".
ويضيف "بعد ذلك الحادث وعند عودتي إلى الشقة وجدتها محطمة، وعلمت أن هناك من يتعقبني بعد أن أبلغت المخابرات السودانية الأمن المصري عني".
حاول محمد التواصل مجددا مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بشأن ما يحدث له، لكنه لم يستطع دخول مقرها مجددا، "ذهبت مرتين لكن الأعداد كانت كبيرة".
خرج محمد مجددا من مصر في شهر آب/أغسطس 2017 "كان يوم عيد الأضحى، ذهبت إلى ليبيا وبالتحديد طرابلس ظنا مني بأنها آمن من مصر، بعد أن أشار علي بذلك صديق سوداني آخر قال إنه يستطيع ترحيلي إلى طرابلس".



الرحلة إلى ليبيا عبر الدروب

وصل محمد وصديقه حسان إلى الإسكندرية. وفي الطريق إلى السلوم عند منطقة "الكيلو 7" بالتحديد، التقطهما منسق التهريب المسؤول عن توصيلهما إلى سوق العرب في طبرق في سيارة على الطريق وكان معه ثمانية سودانيين آخرين، مشيرا إلى أن المهرب أخذ من كل شخص 2500 جنيه مصري.
وعن التكلفة يقول "من السلوم لطبرق مقابل 2500 جنيه مصري، وفي طبرق لأجدابيا 700 دينار ليبي، ومن أجدابيا لطرابلس 1200 دينار ليبي".
ويضيف "تحركنا من طبرق بعد ثمانية أيام لم يكن مسموحا لنا بالخروج فيها من البيت الذي تواجدنا فيه، وأخرجوا لنا أوراقا رسمية بأننا عمال سودانيون وتشاديون نريد العودة الطوعية الى بلداننا وذلك لظروف الحرب".

من طبرق إلى أجدابيا

يروي محمد تجربة الرحلة التي خاضها بين طبرق وأجدابيا:
"تحركنا في ثلاث سيارات استايركس (حافلات صغيرة) تحمل كل واحدة عشرة أشخاص في الطريق إلى أجدابيا، وفي كل منطقة تفتيش من الجيش أو الشرطة الليبية كانت هذه الورقة تصلح، إلى أن وصلنا إلى بوابة أجدابيا أوقفنا رجل الأمن ورفض هذه الورقة بحجة أنه ينقصها ختم الهجرة غير الشرعية، فعرفنا أن الضابط المسؤول عن التواصل مع عصابة التهريب غير موجود وظلوا يتواصلون معه ولم يرد، وخيرنا بين التحويل للكُفرة أو إدارة الهجرة غير الشرعية في أجدابيا أو العودة لطبرق، فعدنا إلى طبرق إلى أن تواصل المسؤولون عن تهريبنا مع ضابط معين حدد هو الوقت المناسب".

ويضيف:
"عندما وصلنا أجدابيا وجدنا أنفسنا في مشكلة، إذ أن الرجل الذي رحلنا من طبرق إلى أجدابيا ويدعى سعد كانت لديه مشكلة مع صاحب مزرعة في الكُفرة كنا مختبئين لديه حتى يأذنوا لنا بالخروج. ولم يتم إرسال مبلغ متفق بينهما، فعاملنا الرجل جميعا كالأسرى ورهائن وظللنا نخدمه ونعمل في مزرعته بدون مقابل حتى تم حل المشكلة بينهما بتحويل المبلغ".
ويشير محمد إلى أن هذا الرجل كان المكلف بنقلهم من أجدابيا إلى طرابلس وأخذ من كل شخص 1200 دينار في حين أن التكلفة كان من المفترض ألا تتجاوز مئة دينار ليبي فقط إذا كان الطريق آمنا.

الأسر

يقول:
"كان الاتفاق في البداية أن نغادر من أجدابيا إلى طرابلس عن طريق سبها لكن علمنا أن الطريق مغلق من قبل الجيش الليبي بسبب سيطرة داعش عليه في ذلك الوقت (تشرين الأول/أكتوبر 2017)، نسق أبو القاسم مع سعد وهو مهرب يعمل في الطريق الصحراوي الآخر، فتولى سعد ترحيلنا عبر شبكته من أجدابيا عبر مرادة، ثم زلة، ثم الكُفرة، ثم منطقة الشويرف، وهناك أضافوا إلينا 10 نيجيريين فأصبحنا 20 شخصا، ووضعونا جميعا في سيارة نصف نقل صغيرة تكفي لستة أشخاص فقط".

ويضيف:
"لم يكن لدينا خيار سوى القبول بهذا الوضع، وجلسنا على بعضنا لمدة سبع ساعات في طرق وعرة حتى لا يقابلنا الجيش أو العصابات أو داعش، ووصلنا لمنطقة خالية تدعى نسمة، ثم تحركنا مجددا بالسيارة وفي طريقنا قابلتنا عصابة ثبتتنا وأطلق أفرادها النار في الهواء وأنزلونا جميعا وهددوا السائق إذا لم يرجع وحيدا".

ويستكمل:
"وضعونا جميعا في سيارة واحدة وفي النهاية وجدنا أنفسنا أمام بيت في أطراف بني وليد، دخلنا عبر باب كبير ثم باب آخر فوجدنا أنفسنا وسط مجموعة كبيرة من المسلحين الليبيين والغانيين وبعض السودانيين، ثم أدخلونا في سجن كان عبارة عن غرفة كبيرة كان فيها نحو 80 شخصا آخر من جنسيات مختلفة من السودان ونيجيريا وغانا وتشاد وإثيوبيا بعضهم من الفتيات والسيدات في الغرفة ذاتها".

تسعيرة لكل جنسية

يقول محمد إنهم وصلوا بني وليد في الواحدة صباحا، "ظلوا يضربوننا لساعات، وفي الصباح طلبوا فدية من كل واحد فينا".
كانت قيمة الفدية تختلف من جنسية لأخرى، "السودانيون 6 آلاف دولار، والنيجيريون ألفا دولار، كان هناك سودانيون قبلنا موجودين في الغرفة ذاتها منذ ثلاثة أشهر كانوا قد طلبوا منهم خمسة آلاف دولار لكنهم لم يستطيعوا توفيرها، وكان يتواجد تشاديون طلبوا منهم 15 ألف دينار ليبي".

يقول:
"كان التعذيب روتينا يوميا في الصباح وفي المغرب، ويجرى اتصالان في هذه الأثناء بأسرة الشخص حتى يسمع الأهل التأوهات للإسراع في تجهيز الأموال وتحويلها"

ويضيف:
"علمنا أن أربعة سودانيين قد ماتوا قبل وصولنا بأيام بسبب التعذيب".
سألناه إن كان الرجل الذي أوصلهم متواطئا فأجاب بالنفي، لكنه يقول إن آخرين تورطوا بتهريب البشر.

يقول:
"هناك حالات أخرى في السجن كانوا يأخذون منهم أموالا مقابل تهريبهم من أجدابيا حتى طرابلس، لكنهم في الحقيقة يكونون قد حصلوا على 6 آلاف دينار ليبي أخرى من عصابة الاتجار بالبشر مقابل كل شخص.. حدثت حالات أخرى (تسليم وتسلم).. يأخذون الأشخاص في السيارات ثم ينزلونهم ويركبونهم سيارات أخرى على أنها تابعة لهم لإيصالهم إلى طرابلس لكنهم يفاجأون بوصولهم لسجن وأنهم بيعوا لعصابة تتاجر بالبشر".
ويشير إلى أن بعض المهاجرين في السجن غير مأمول منهم أن يدفعوا الفدية بالمرة لأنهم فقراء أو ليس لهم أحد يستطيع مساعدتهم، يأخذهم المهربون إلى الصحراء ليعملوا في رعي الإبل، أو في مزارع خاصة بهذه العصابات.. "هذا حدث مع اثنين من السودانيين العشرة الذين كانوا معنا، كانوا أشقاء واحد منهم أخذوه ليعمل لديهم والثاني أرسلوه للصحراء ليعمل في رعي الإبل وأخبروهم أنه إذا حاول أي منهما الهرب فسيقتل الآخر".

شبكة دولية

يقول محمد إن مسألة تسليم أموال الفدية معقدة، فهم ليس لديهم أي حسابات بنكية في أي بلد تستطيع أن تحول عليها أسرة المختطف الأموال، لكن لديهم أشخاص في كل بلد يأخذون الأموال يدا بيد.
يقول محمد إن أهله استطاعوا توفير المبلغ بعد ثمانية أيام من التعذيب اليومي وكان لديهم مكتب في سوق ليبيا في أم درمان، لكن قالوا إن لديهم مشاكل معه حينها.
"طلبوا مني التحويل على أحد معارفي في دبي ومن ثم يتم إرسالها إلى تركيا، لكن علمت أن هذا يكلفني أموالا طائلة، سألتهم إن كان لديهم أشخاص يستلمون الأموال في القاهرة، فقالوا إن لديهم أشخاص في الإسكندرية وسينزلون القاهرة لمقابلة صديقي وإذا تأخر عشر دقائق فقد يقتلونني، وذلك كله بدون أي ضمانات لي".

يحكي محمد:
"أرسلت أسرتي المبلغ إلى صديقي وتحدث بالفعل معه أحد الأشخاص ويدعى علي محمد ثعيلب، وحدد الساعة الحادية عشر ظهرا أمام محطة مترو محمد نجيب (عابدين) أي وسط القاهرة بالقرب من البنك المركزي المصري، وذلك بعدما أرسل إليهم اسمه بالكامل وبطاقة هويته وصورته وجواز سفره ومكان إقامته ورقم سيارته التي ستنتظر، وهددوه بأنه إذا تحدث للسلطات المصرية فهم يعرفون عنه كل شيء ويعرفون مكان إقامة أسرته في السودان، كما طلبوا منه 400 دولار كعمولة خاصة بهم مدعين أنهم مكتب لتحويل الأموال وليس لهم علاقة بأي شيء آخر".
عندما وصل صديق محمد في الساعة المحددة، هذا ما حصل، حسبما يروي:
"طلبوا منه الترجل من سيارته والتحرك نحو سيارة أخرى بالقرب منه وعندما دخلها وجد ثلاث رجال مسلحين ملثمين، حصلوا على 6400 دولار منه، كان كل ذلك وأحد هؤلاء الرجال على الهاتف وأحدهم يحسب الأموال، وعندما تم الأمر أبلغوني إنهم سيرسلونني إلى مكان آمن، وبالفعل أخذوني في سيارة سارت بي لمدة 20 دقيقة كنت ممنوعا فيه من النظر من الشباك أو أي مكان ووضع رأسي ونظري على الأرض".

معاناة بعد الانفكاك من الأسر

centered image

محمد عبدالله بعد خروجه من الأسر بقليل

يواصل محمد:
عندما أطلقت العصابة سراحي لم يكن معي أي أموال أو هاتف فهم أخذوا منا كل ما نملك عندما وصلنا سجن العصابة.
أوصلني بعض عناصر العصابة إلى مكان يطلق عليه (حوش التشاديين) وهو بيت كبير يسكنه التشاديون ويتعاطفون مع مثل حالاتي واستضافوني.. اتصل بي المستشار الإعلامي للسفارة ورئيس الجالية السودانية في مصراتة، بعدما كتب بعض الزملاء الصحافيين في السودان وطالبوا المسؤولين بالتدخل، لكن علمت بعدها أن الأمن الوطني طالب السفارة بالعمل على ترحيلي لأنني مطلوب داخل السودان، فلم أرد على اتصالات السفير السوداني في طرابلس. في هذه الفترة كنت قد تحركت من بني وليد لخوفي الشديد من مداهمة المنزل في أي لحظة من قبل العصابات حيث علمت أنه في بني وليد وحدها يوجد 1800 سجن تابع للعصابات كانت في الأصل عبارة عن مزارع دواجن.
سألناه عن مصير أصدقائه السودانيين العشرة الذي احتجزوا معه في سجن عصابة متاجري البشر قال:
"خمسة منهم استطاعوا الوصول إلى فرنسا عبر البحر، وصديقي حسان محتجز داخل السجون الليبية بعدما قبضت عليه الشرطة الليبية، وآخر تم ترحيله، بينما اثنان لا نعلم عنهما شيئا".

خريطة توضح مناطق السيطرة في ليبيا المنقسمة

يعيش حاليا محمد خائفا مطاردا، ويتحدث عن خياراته:
"لا أستطيع السفر عبر البحر إلى إيطاليا وحينها سأضطر للتعامل مع مهربين مرة أخرى وقد يكونون عصابات ومتاجري بشر، كما أنني لا أستطيع التحرك داخل ليبيا خوفا من العصابات أو الجيش الليبي الذي سيحتجزني داخل سجون غير آدمية إن تمكن من اعتقالي".
تواصل محمد بالفعل مع مفوضية اللاجئين لكنهم طلبوا منه الحضور إلى مقرها في طرابلس، ورغم أن تسجيل لاجئين جدد موقوف حاليا حسب قوله، لكنهم أخبروه أنهم من الممكن أن يستثنوه لأنهم يعلمون مدى الخطر على حياته، خاصة أنه كان مسجلا في مقر المفوضية في مصر، لكن الأزمة تكمن في صعوبة انتقال محمد من مصراتة التي يعيش فيها حاليا إلى طرابلس بدون حماية، "هناك احتمال كبير أن يتم القبض علي خاصة أن جواز سفري منته وليس فيه إقامة" لأنه دخل الأراضي الليبية عن طريق التهريب.
ويتم احتجاز المهاجرين، الذين يعترضهم خفر السواحل بموجب إجراءات يدعمها الاتحاد الأوروبي لمحاولة منعهم من الوصول لدول التكتل، في مراكز تديرها اسميا حكومة الوفاق الوطني، ويمكن للمهاجرين العالقين البقاء هناك لأشهر فيما يسعون لتكرار محاولة عبور البحر أو العودة لبلادهم أو إعادة توطينهم.
أما السيطرة الفعلية على تلك المراكز فتقع في يد الجماعات المسلحة المحلية.
وتضم مراكز الاحتجاز حاليا نحو 5200 مهاجر وهو عدد قليل جدا مقارنة بمئات الآلاف الموجودين في ليبيا، لكن تلك الأعداد قد ترتفع كثيرا فجأة بسبب عمليات الاعتراض الجديدة التي ينفذها خفر السواحل أو بسبب نشوب المعارك.
وقالت منظمة أطباء بلا حدود الأسبوع الماضي إن أعداد المهاجرين المحتجزين في مدينتي مصراتة والخمس ارتفعت من 650 في بداية العام إلى 930 "ما أدى إلى مزيد من التدهور في أوضاع الاحتجاز المتردية بالفعل".
وأضافت المنظمة أن الكثيرين منهم يعانون من سوء التغذية والانخفاض الحاد في درجات حرارة الجسم أو الإسهال الحاد كما تعرض بعضهم لانتهاكات ممنهجة والتعذيب على يد مهربي البشر قبل محاولة عبور البحر.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش الأسبوع الماضي إنها حصلت على "روايات مزعجة من بالغين وأطفال بشأن العنف الذي يمارسه الحراس بما يشمل الضرب والجلد والصدمات الكهربائية" في مراكز احتجاز في مصراتة وتاجوراء وزوارة.
ولا يمكن ضمان وصول موظفي الإغاثة، الذين يقدمون إمدادات أساسية ورعاية طبية أغلبها عبر برامج يمولها الاتحاد الأوروبي، إلى مراكز الاحتجاز.
من ناحية أخرى، بدأت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في التعامل مع المزيد من طلبات اللجوء وإعادة توطين المهاجرين، إما بشكل مباشر من ليبيا أو عبر النيجر، لكن قلة عروض استقبال اللاجئين عرقلت البرنامج.