Accessibility links

لماذا يرفض العربي ـــ المسلم الاندماج مع الغير؟


فتاتان مسلمتان في محطة مترو لندن

بقلم مالك العثامنة/

سائق التاكسي الذي أقلني من محطة القطار بعد منتصف الليل إلى بيتي في مدينتي البلجيكية، انتبه إلى أنى أتحدث مع زوجتي هاتفيا باللغة العربية، فانتظر إلى أن أنهيت المكالمة وبادرني بقوله: الأخ عربي؟ فأجبته بالإيجاب متوقعا "مسبقا وبضيق" حوارا أدرك منتهاه، وفعلا بدأ الحوار الذي تبادلنا فيه معلومات سنوات الهجرة في البلد الجديد، فتبين أن السائق "الثلاثيني" كان قد جاء طفلا إلى بلجيكا مع والديه في هجرة عائلية من شمال أفريقيا، لنصل في الحوار إلى نقطة المواجهة التي توقعتها كوني لا أجامل في قضايا التخلف والجهل، ليبدأ الحديث عن الإسلام والإرهاب، ليقول السائق حامل الجنسية البلجيكية أن الإسلام قادم بحد السيف "إن شاء الله" إلى أوروبا!!

عند هذه النقطة بادرته أنا بالسؤال "ماذا لو أن الله نفسه لم تكن مشيئته تلك الرغبة الدموية؟"، فرد علي الرجل مصعوقا بسؤال مضاد واستنكاري: " هل أنت مسلم؟"!!

لن أخوض في تفاصيل ما بعد سؤالي المباغت وسؤاله المضاد، لكن الرحلة إلى بيتي انتهت بصمت متوتر حسم المسافة القارية القصوى الممكنة بين عربيين مهاجرين.

هذه الحادثة على بساطتها تلخص عشرات الحكايات التي عايشتها شخصيا في موضوع الاندماج عند الجاليات العربية ـــ المسلمة في أوروبا، ومئات القصص التي يعيشها الجميع في أوروبا عموما، وهي قصص وحكايات تؤكد بلا شك أن المشكلة دوما تكمن في انغلاق العقلية العربية ـــ الإسلامية أمام "الآخر" ووجود الإيمان حد اليقين الراسخ بأن البشرية مقسومة إلى قسمين، مسلمين اصطفاهم الله عن باقي البشر، وباقي البشر!!

في غالبية دول الغرب الأوروبي، هناك تشريعات وقوانين لقبول الهجرة من المهاجرين أيا كانت خلفياتهم العرقية او الدينية، ومن أول تلك المتطلبات القانونية الالتحاق ببرامج الاندماج الاجتماعي في الوطن الجديد، وهي برامج مجانية تنفق عليها تلك الدول ويدعمها الاتحاد الأوروبي كذلك، وتتلخص عموما بمحاضرات دورية يراعى فيها وقت الوافد الجديد بل ويتم تقديمها حسب لغة هذا المهاجر الجديد، ويتم فيها شرح كامل الحقوق التي عليه والواجبات المنوطة به مع توضيح للبيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهذا الوطن الجديد، المشكلة في تلك الدول أن غالبية الوافدين من الدول العربية من المسلمين لا يندمجون، وسرعان ما يبحثون عن تجمعات سكنية متلاصقة تشكل أحياء خاصة بهم، يتكاثرون بها وبعد سنوات (مثل السنوات التي نعيشها الآن) يبدأون بمحاولات فرض قوانينهم "الشرعية" في بلاد قبلتهم بلا شروط مسبقة.

صديقة بلجيكية من أصول سريانية سورية، وقد هاجرت هربا من طغيان الاستعلاء الديني في بلاد العرب، كانت تغادر مكان عملها قبل عام، وصادف ذلك بعد ظهيرة شهر رمضان "بتقويمه العربي". الصديقة تناولت تفاحة في حقيبتها وكانت تتحدث بالعربية على الهاتف عند إشارات المشاة في مدينة بروكسل ليستوقفها أحدهم ويبدأ بتعنيفها لانتهاكها حرمة شهر رمضان!! هكذا ببساطة وجد الرجل لنفسه الحق في كل ذلك.

هذا الغاضب لانتهاك حرمة شهر رمضان في بروكسل، مثل سائق التاكسي الذي تحدثت عنه في البداية، مبرمج منذ بداية تنشئته على الاستعلاء الديني وإلغاء الآخر، والمبررات لديه منطقية ببساطة فثقافته بكل محتوياتها وتفاصيلها "مقدسة"، والأرض عند هؤلاء هي أرض الله، والمسلمون "أينما كانوا" هم خلفاء الله على الأرض، ومسألة استخلافها مسألة وقت، بل إن إقامة "الدولة الشرعية" واجب على كل مسلم حقيقي من وجهة نظرهم، والمسيحي – كما أي دين آخر- هو كافر بالضرورة، ومفهوم الاندماج ليس أكثر من برنامج على ورق رسمي يتيح لهؤلاء الحصول على أوراق الإقامة الدائمة ثم الجنسية التي بعد الحصول عليها يشعر المتطرفون منهم أنهم حصلوا على الحصانة القانونية التي تبيح لهم رفع الصوت بكل خطاب الكراهية الذي يحملونه.

إن مشكلة الاندماج التي تفجرت بعد أزمة اللاجئين إلى أوروبا لاحقا لتداعيات الربيع العربي وثوراته الحلزونية، ليست جديدة في أوروبا، بل هي سابقة لكل تداعيات هذا الربيع المصفرة أوراقه، ففي النمسا مثلا، وفي إحدى البلديات المحلية التي يكتظ فيها المهاجرون العرب ــــ المسلمون، خصوصا من الجالية المصرية، تم تنظيم ندوة "إسلامية" برعاية وتمويل من منظمات سعودية في صيف عام 2008، لبيان حجم الاضطهاد الذي يعاني منه المسلمون في النمسا!! الندوة التي يجب أن تكون عامة كانت مغلقة وخاضعة للفلترة في الحضور، وتم منع الإعلام النمساوي من تغطيتها، وناقش فيها المحاضرون بينهم وبين أنفسهم وبحضور شباب الجيل الثاني من المهاجرين ضرورة محاربة الاضطهاد النمساوي المتمثل بمنع الجاليات المسلمة من إقامة محاكمها الشرعية الخاصة بالأحوال الشخصية، بل واعتبر أحد المتحدثين من مشايخ مصر أن النمسا تنفذ سياسة غربية مؤامراتية تستهدف تفكيك المجتمع المصري المسلم وتدعوه للفسوق والانحلال!! طبعا نحن نتحدث عن بلدية في فيينا التي بالكاد يمكن تسجيل واقعة تحرش واحدة فيها قياسا إلى القاهرة مثلا.

الندوة التي حضرها عضو برلمان نمساوي من أصل عربي(أعطته الدولة العلمانية فرصة تحقيق طموحاته السياسية) هاجمت العقيدة المسيحية واليهودية واعتبرت أن النمسا تستهدف المسلمين في النمسا!! وبطبيعة الحال فقد استفزت تلك الندوة المستفزة أصلا، اليمين المسيحي النمساوي ليحتج قطاع واسع منهم على كل ما حدث.

المفارقة أن القائمين على الندوة وغالب جمهور العرب الراديكاليين اتهموا النمسا بخطاب الكراهية لسماحهم لهذا الخطاب اليميني المتطرف أن يرتفع صوته!! فأي انفصام في العقل يمكن ان يتفوق على ذلك؟

باختصار..

إن مشكلة الاندماج في أوروبا ليست مشكلة مهاجرين غرقوا بفكرة "المقدسات“ وحسب، بل هي أيضا مسؤولية الدول التي "قدست" القانون أكثر من اللازم فصارت الورقة أو الوثيقة أهم من الفكرة أو القيمة.

المعادلة لا تستقيم بدون توازن طرفيها، فالعربي بحكم ثقافة الخيبة التاريخية التي شكلت لديه عقدة الاستعلاء الديني الواهمة في داخله هو عادة منغلق على نفسه وللإنصاف فهذا يقابله مزاج أوروبي صعب يقيده الحذر في تقبله للقادمين الجدد إليه، مزاج تحكمه الشكوك، وإرث طويل من رواسب عقد التفوق التي بدأت تنحسر وبقي وجودها محصورا في جيوب يمينية لا تشكل أغلبية، فقد استطاعت أوروبا بعد حربين كونيتين أن تشكل منظومة قيم اجتماعية عامة هي ذاتها التي أنتجت منظومة حقوق الإنسان بكل معاهداتها واتفاقياتها.

وهذا رأي يشاركني فيه كثيرون في مهاجرنا الأوروبية من نخب مثقفة ومتعلمة أو متخصصة. وقد كنت سابقا وفي بداية تفجر أزمة اللجوء إلى أوروبا وفي سياق تقرير صحفي اشتغلته عام 2015 التقيت أحد العاملين في برامج الاندماج في بلجيكا من أصل عربي، وسألته عن سر هذا الرفض العربي ـــــ الإسلامي للاندماج في المجتمعات الأوروبية، فأخبرني من واقع خبرته الطويلة (وللتنويه فهو من أصول عربية مسلمة وملتزم شخصيا بممارسة عقيدته) أن الثقافة العربية والفهم الخاطئ للثقافة الإسلامية ينتقلان مع المهاجر العربي الذي يعتقد أنه أفضل ثقافيا من سواه في العالم، وهذا الإحساس النخبوي الزائف يجعله يعتقد بأحقيته في المكان، مع انعزاله عن المحيط حوله.

وفي المحصلة..

بين عزلة تحكمها عقدة تفوق واستعلاء ديني ومزاجية تؤمن بالقانون حد تقديس الورق الرسمي تصبح فكرة الاندماج الاجتماعي في أوروبا بكل برامجها الممولة بسخاء، ليست أكثر من عملية احتواء بدلا من أن تكون استيعابا. فالاستيعاب يتطلب معادلة تعاون وقبول حقيقي بين الطرفين يتضمن تثاقفا وتمازجا مع احترام لكل المعتقدات والثقافات، بينما الاحتواء ينتهي بحالة قبول أوروبي لمتطلبات الورق القانونية، وحالة رضى "المتطرف الكامن في المجتمع منتظرا لحظة تفجير إيمانية" بهذا الورق مع احتفاظه بكل حقه أن يلغي الآخر. أي آخر وفي أي توقيت وعلى أي أرض.

ملاحظة ختامية على ضفاف السياق كله:

لن أستغرب كثيرا بعد نشر المقال ومتابعته على صفحات قناة الحرة الفيسبوكية وموقع "إرفع صوتك "الشقيق بهذا الكم الهائل من التعليقات (وكثير منها سيكون من أوروبا) حيث سيؤكد أصحابها قناعتهم الإيماني بأن أوروبا دار كفر وأن الإسلام سينتشر بحد السيف وبالقوة في أوروبا وسائر الكوكب وأن الكاتب "حضرتنا" جزء من مؤامرة صهيونية صليبية مجوسية صفوية إمبريالية.. ضد الإسلام والمسلمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG