Accessibility links

برشلونة.. الحلم الأندلسي لداعش


سائحة تلتقط صورا في قصر الحمراء في قرطبة

بقلم د. عبد الحفيظ شرف

ليلة دامية عاشتها القارة العجوز قبل أن تتشح بالسواد وتنكس الأعلام حدادا على أرواح ضحايا يتحدرون من أكثر من 34 دولة جمعهم القدر في برشلونة الجميلة. هجوم يعكس انتقالا جديدا لآليات القتل العشوائي، فلا أسلحة تذكر ولا قنابل مهربة أو حتى مصنعة يدويا، إنما شاحنة موت دهست الحشود في شارع "لاس رامبلاس" أحد أكثر شوارع المدينة السياحية ازدحاما. لم يكن لأحد ممن هرول مسرعا للاختباء في محل صغير أو مقهى فرعي في الشارع أن يدرك لوهلة حقيقة ما يجري لأن أهل هذه المدينة الجميلة يعيشون بسلام وتآلف رائع إلا أن الشرطة الإسبانية كانت سباقة من خلال ما لديها من أدلة في ترجمة المشهد الإجرامي الذي عكر صفو السلام والجمال في برشلونة.

هجوم إرهابي لم يتردد ما يعرف بتنظيم الدولة "داعش"في تبنيه. فالتنظيم الذي نشر الرعب والذعر في أنحاء العالم والذي يقدم نفسه بديلا أو وريثا شرعيا لتركة من صنعوه فكريا في أفغانستان واشتقوا منه نسخة أكثر إجراما ووحشية تسمى داعش. ونجح التنظيم ببراعة شديدة أن يجذب عشرات الشباب المسلمين مع الآسف ليعتنقوا فكره الإجرامي وينفذوا رغباته وخططه بطرق وحشية تشابه. والسؤال المحير لماذا، بالرغم من توفير الدول الغربية لمواطنيها من الشباب المسلم كامل الحرية الدينية وحرية الاعتقاد وسمحت لهم ببناء المساجد وتطبيق الشعائر التعبدية وبحرية تفوق كل الدول الإسلامية التي تضيّق على المسلمين وتراقبهم في المساجد وفي منازلهم وحتى في غرف نومهم؟. سألت نفسي كثيرا لماذا وكيف استطاع تنظيم مجرم كداعش أن يجتذب هؤلاء الشباب ويغرر بهم، ولم أجد جوابا يقنع عقلي المحتار، ولكني أظن أنه الجهل والاستغلال العاطفي الموجه دينيا والذي يغيّب العقل تماما.

ذريعة تتلو الأخرى يبرر بها التنظيم إجرامه لمؤيديه ومغيبي العقول من دون أن يقدم إنجازا واحدا يذكر في كل المناطق التي سيطر عليها سواء في العراق أو سورية أو أفغانسان سابقا، بل جلب القتل والدمار والتخلف. فـ"داعش" التي ولدت في ظروف مجهولة الهوية والنسب والتي لا تمل من اللعب على وتر الدين وصيرورة ما ابتدعته من خلافة إسلامية على أرض العرب، باتت اليوم أقرب للاندثار مع التذمر الدولي والتحرك العسكري على أكثر من محور ضدها.

وبالعودة لهجوم برشلونة، يمكن الفهم من غاياته أنه محاولة بائسة للتنظيم لإثبات قوته وتغلغله في المجتمعات الغربية من خلال خلايا نائمة تنشط عند الحاجة، لكن واقع الحال لا يبدو أكثر من محاولات يائسة لنقل المعركة خارج حدود دولة خلافته المزعومة. لكن اختيار التنظيم إسبانيا لتكون مسرحا وهدفا جديدا لعملياته يحمل أكثر من مغزى، أهمها بث حلم جديد وشعار زائف وهو إحياء الدولة الأندلسية وقد روج لذلك التنظيم في عدة إصدارات فيلمية جاء في بعضها تصوير لقصر الحمراء بغرناطة من الداخل والخارج في إيماءات يهدف التنظيم من خلالها لزرع هذه الفكرة في عقول أتباعه هناك ليخلق شبكة صيد جديدة يصطاد بها أتباع جددا في تلك البلاد الجميلة.

الرسالة الثانية من هذا الهجوم باعتقادي هي لأتباع التنظيم الذين أصابهم اليأس والإحباط بعد الخسائر الفادحة في صفوف التنظيم في سورية والعراق، وبعد فقدانه السيطرة على الموصل وأجزاء كبيرة من الرقة وبعد اختفاء كثير من قادته الميدانيين وهرب البعض الآخر منهم، إذ قد يعطي هذا الهجوم دفعة معنوية لهؤلاء بعد ما رأوه من كل هذا التقهقر لتنظيمهم وقادتهم.

الهدف الثالث هو رهان على الانبعاث من جديد بنشر الإرهاب دوليا للخروج من الأزمة الطاحنة داخليا والتي يواجهها التنظيم والتي قد تؤدي إلى اندثاره بشكل كامل. فالتنظيم يحاول أن ينقل اللعبة إلى أرض الخصم بعيدا عن مواقعه الدفاعية من خلال تجنيد بعض الشباب الفارغ عاطفيا وعقليا ليستخدمهم في هجمات بشعة كهجوم برشلونة الدامي.

صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية كانت قد أشارت قبل أسبوع من هجوم برشلونة إلى تلك القدرة الخفية للتنظيم على تحريك أتباعه من خلال ما ينشره على مواقع الإنترنت، وتطرقت الصحيفة إلى ما نشره التنظيم في مجلته التي يصدرها عبر الإنترنت، والتي تضمّنت مقالاً مصوّراً بشأن الشاحنة الأفضل التي يجب اقتناؤها لشنّ أي هجوم للدهس وإزهاق الأرواح، وكأنه يرسل رسالة خفية لما يريد القيام به من عمليات.

حصار على الأرض واندثار في الواقع، إلا أن التنظيم الإرهابي يحاول الاستفادة من خسائره باغتنام عودة العناصر التابعة له إلى بلدانها الأصلية لإشعال معارك تدار من خارج الحدود، لذلك وجب التنبيه على هذا لتأخذ كل الدول حذرها وحيطتها من هؤلاء العناصر والقنابل الموقوتة. في المقابل يحافظ التنظيم على صورة ذهنية مرعبة يصنعها في نفوس أتباعه وأعدائه على حد سواء فيسعى جاهدا لتبني كل ما هو دموي ووحشي، ويجذب إليه كل سافكي الدماء من مجرمين وساديين.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG