Accessibility links

رموز الأعياد الدينية.. بين موروث اجتماعي ورمزية تاريخية


مواطن يسير أمام شجرة عيد الميلاد في مدينة بيت لحم_ الشجرة رمز لأعياد الميلاد في كل أنحاء العالم.

بقلم مالك العثامنة/

يخبرني الصديق والزميل الكاتب في القدس العربي اللندنية سامح المحاريق، أنه وبينما كان مع ابنه عنان في أحد مخابز العاصمة الأردنية عمان في ليلة عيد الميلاد، تصادف أن المخبز يبيع القطائف، فنظر الطفل عنان وألقى تساؤله الذكي واللافت "قطايف رمضان في الكريسماس؟".

تلك الحادثة قادتني إلى حوار مع الصديق المثقف الموسوعي حول رموز الأعياد وتاريخها الذي خرج أحيانا عن الموروث الديني ليصبح تواترا اجتماعيا يحمل فيما يحمل ترميزا مكثفا لرؤية اجتماعية تاريخية ما. فحسب عنان في تلك الحادثة اللطيفة حصرا، فإن القطايف رمز لرمضان، شهر الصوم المقدس عند المسلمين، ووجودها في ليلة عيد الميلاد المقدسة عند المسيحيين، مفارقة لم يتركها الفتى الصغير دون التقاط.

في بلجيكا، حيث أقيم، ضمن جغرافيا الأراضي المنخفضة، هناك رمز آخر يظهر في الأعياد، أواجهه مباشرة كل موسم ميلاد، بحكم أني أب لطفلة تعيش هذه الأجواء الجميلة والمبهجة، تتمثل في العجوز اللطيف سنتر كلاس، وهو الجذر التاريخي لبابا نويل، ومساعديه ذوي البشرة السوداء والذين يحملون اسم " بيت الأسود" (Zwarte Piet بالهولندية).

وأمام طفلتي التي تحمل مورثاتها الجينية أكثر من هوية عرقية، غير موطنها البلجيكي ضمن القسم الفلامنكي في الأراضي المنخفضة من أوروبا، فإنني أجد نفسي متورطا بضرورة الإجابة عن أسئلتها الكثيرة حول السيد بيت الأسود، الذي تحبه كثيرا أسوة بباقي الأطفال هنا، و طبعا أول سؤال هو عن سبب سواد بشرة السيد بيت، والذي يؤدي دوره عادة "سيد أبيض" من بلجيكا وقد أغرق بشرته بصبغ شديد السواد، ليصبح بحركاته البهلوانية الطريفة مرافقا ومعاونا للسنتر كلاس، وهي التسمية الأخيرة للقديس نيكولاس، راعي الأطفال في الموروث المسيحي الكاثوليكي.

لم يأخذ مني البحث عن الأصول التاريخية للسيد بيت وقتا كثيرا، لكن ما استهلك وقتي أكثر تلك القراءات التي غرقت فيها حول مشروعية استمرار تلك الشخصية والتي انقسم حولها الناس هنا بين معارض على أساس أن الشخصية فيها طرح عنصري، وبين موافق على تلك الشخصية لأنها طريفة ولا عنصرية فيها خصوصا أنها شخصية ذكية تعاون سنتر كلاس العجوز الخرف والطيب حد السذاجة حسب ما يظهر.

حسب الموثق تاريخيا فإن السيد بيت الأسود، ظهر أول مرة في كتاب أطفال ألفه مدرس هولندي من أمستردام اسمه "يان شينكمان" عن شخصية طريفة وذكية سوداء البشرة من أصول موريسكية، والموريسكيون هم تلك الفئة السكانية التي استوطنت شمال أفريقيا بعد أن نزحت من أماكن سكناها بعد تحرير إسبانيا من الاحتلال العربي الإسلامي. (من هنا فهمت فكرة رحلة سنتر كلاس التي تبدأ من إسبانيا لتنتهي في ميناء أنتويرب البلجيكي حاملا معه في سفينته الهدايا ومعاونيه القادمين من هناك).

إذن نحن أمام خادم يوحي لون بشرته بالخدمة ومن أصول موريسكية لكنه ذكي يحب الأطفال و يساعد سنتر كلاس العجوز والساذج في توزيع الهدايا والبهجة على الأطفال.

هنالك الكثير من الرمزية المبطنة في تلك الشخصية، تكثيف تاريخي لصراع ديني تاريخي على قطعة من أوروبا، انتهى بقصة أطفال وتوزيع هدايا.

لا يمكن أن أحدد إلى أي صف من الطرفين أقف أنا، وأنا اشرح لابنتي في مراحل قادمة من حياتها عن أصول السيد بيت، لكن بلا شك، فأنا أتفق أن دفن مآسي التاريخ في قصص الأطفال هو علاج جيد لدمامل التطرف التي قد تظهر بين حين وآخر.

وهو علاج جيد أيضا لتعليم الأجيال من الأطفال أسرار المحبة والإنسانية من خلال طرح مواضيع العنصرية عبر أسئلة تتولد لديهم من واقعهم، ليصبح كل هذا التاريخ المأساوي تاريخا تحول إلى طرفة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG