Accessibility links

تشرشل بين الحرب والاستسلام


ونستون تشرشل

بقلم رياض عصمت/

قيل إن التاريخ يكتبه المنتصرون. هناك جزء لا يستهان به من الحقيقة في هذا القول، لكنه لا يمثل كامل الحقيقة. سبارتاكوس هزم وصلب، لكن التاريخ يذكر اسمه أكثر من قاهره. زنوبيا هزمت ودمرت مملكتها الصغيرة الطامحة للاستقلال، لكن ذكراها خالدة أكثر من القائد الروماني الذي انتصر عليها. هناك نماذج عديدة ملهمة لأبطال مقهورين استشهدوا دفاعا عن مبادئ نبيلة، فخلدهم التاريخ أكثر من قاهريهم. بالمقابل، هناك منتصرون كثر زوروا التاريخ، ولو إلى حين. حتى الغازي المغولي هولاكو وجد من يمجده ويثني على أفعاله. إذن، الأدق أن نقول: إن التاريخ يكتب حسب المبادئ، والتاريخ وحده هو من يميز المنتصر من المهزوم.

في زمن السلم، لا يكاد المرء يفرق بين زعيم وآخر، فكل شيء يجري بروتين وسلاسة، فالأمن مستتب، والاقتصاد مزدهر، والناس يعيشون قانعين في سترٍ وسلامة، أما في زمن الأزمات فيتم الحكم على نجاح حكمة القائد، وهل يستطيع أن يصل كقبطان بسفينته إلى بر الأمان. في الواقع، يشبه الأمر الفارق بين قيادة سيارة على طريق لا تتجاوز العقبات فيها بضعة مطبات بسيطة، وبين قيادة سيارة على درب جبلي ضيق تجاوره هوة سحيقة. هنا، تبدو مهارة القيادة، وليس على أوتوستراد منبسط وسهل. بالتالي، فإن حسن القيادة أو سوءها هو ما يؤدي إلى البقاء أو الفناء.

كل هذا يخطر بالبال دون شك لدى مشاهدة فيلم "الساعة الأكثر ظلمة" (2017) عن ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق الذي تم اختياره في لحظة حاسمة من بدايات الحرب العالمية الثانية حين اجتاحت قوات هتلر فرنسا، وحين عزل البرلمان البريطاني سلفه نيفيل تشامبرلين باحثا عن بديل ترضى به المعارضة. واجهت اختيار تشرشل لهذا المنصب القيادي الرفيع شكوك كثيرة حول مدى أهليته، لما عرف عنه من إدمان على الشراب وشراهة تجاه الطعام نجمت عنهما سمنة مفرطة وعصبية شديدة. لكن تشرشل أثبت ليس لمعاصريه فحسب، بل للتاريخ الذي خط بعد رحيله، أنه في عداد القادة العظماء الذين تمسكوا بالمبادئ، فلم يهادنوا الطغيان، بل حاربوه بروح معنوية عالية مستمدة من إرادة الشعب.

غريب أن ينتج في العام 2017 فيلمان عن ونستون تشرشل في الزمن الحاسم للاختيار بين الحرب أو الاستسلام عبر التفاوض بواسطة موسوليني في العام 1940 مع هتلر، بالإضافة إلى مسلسل قصير أنتج عام 1992، ومسلسل تسجيلي أنتج عام 2003. أول الفيلمين المنتجين في العام نفسه هو "الساعة الأكثر ظلمة" من إخراج جو رايت وسيناريو أنتوني ماكارتن وبطولة غاري أولدمان، والثاني من إخراج جوناثان تيبيلتزكي وسيناريو أليكس فون تونزلمان وبطولة برايان كوكس. لكن الأغرب هو التشابه في تفاصيل الحبكتين، ورسم الشخصيات الأساسية في كلا الفيلمين، خاصة الزوجة الناصحة والسكرتيرة الضاربة على الآلة الكاتبة.

يبدو موضوع "الساعة الأكثر ظلمة" شديد الصلة بموضوع فيلم "دنكيرك" (2017) من إخراج كريستوفر نولان، فتشرشل استلم منصبه ليعلم أن أكثر من 300 ألف عسكري بريطاني محاصرون في دنكيرك من قبل الجيش الألماني، فلا يجد منفذا سوى الهروب إلى الأمام، أي توجيه الأمر إلى أربعة آلاف مقاتل في كاليه للاشتباك مع الألمان في معركة خاسرة حتما لصرف أنظارهم إلى حين، عن القوات الكبيرة المحاصرة في دنكيرك تحت رحمة الطيران الألماني. في الوقت نفسه، يحث تشرشل المواطنين الإنكليز على الإبحار بسفنهم المدنية للقيام بواحدة من أعظم عمليات الإجلاء في التاريخ، دون أن يقدم على تنازل أو مهادنة مع العدو الغاشم، رغم اجتياحه لأوروبا وانتصاراته الساحقة، بل يختار أن يحاربه بكل ما لدى بريطانيا من قوة برا وبحرا وجوا.

هكذا، يظهر في زمن الملمات معدن الرجال، وتتميز حنكة القائد في اتخاذ القرار الصائب الذي ينقذ البلاد من مصيبة. يفتتح المخرج جو رايت ظهور تشرشل بلقطة يشعل فيها سيجاره الضخم بعود ثقاب في الظلمة الحالكة وهو مستلق فوق الفراش. إنها بداية تلخص كل شيء عن الرجل في لقطة. يكمن سر تفوق هذا الفيلم على سواه في جودة تقمص الممثل الكبير غاري أولدمان لشخصية ونستون تشرشل. يقال إن غولدمان قضى في المكياج 200 ساعة، واكتسب وزنا زائدا ليقارب حجم تشرشل، ورغم هذا فهو لا يشبهه تماما. لكننا، بالتأكيد، لن نتذكر تشرشل بعد الآن إلا في صورة غاري أولدمان، المرشح الأبرز لجائزة أفضل ممثل سواء في مسابقة "غولدن غلوب" أو مسابقة "الأوسكار".

لا يقتصر الأمر على تشابه المظهر الخارجي فحسب، إذ استطاع أولدمان بموهبته الفذة التقاط روح شخصية تشرشل، وعكسها بقدر هائل من الرهافة والحيوية في واحد من أفضل أدوار التقمص الذكورية التي شهدتها السينما في القرن الـ21.

هذا الأداء الخارق ليس وحده سر النجاح. لعل أجمل ما تضمنه سيناريو فيلم "الساعة الأكثر ظلمة" هو عنصر الصراع القوي من بداية الفيلم حتى نهايته بين ونستون تشرشل من جهة، وفنسنت هاليفاكس (لعب دوره ستيفن ديلاني) ونيفيل تشامبرلين (لعب دوره رونالد بيكآب، بعد وفاة جون هارت، الذي كان الدور موزعا له) وكلاهما راغب في التوصل إلى اتفاق سلام مع هتلر والنازية، على مبدأ "العين لا تقاوم المخرز"، في حين بدا ملك بريطانيا جورج السادس (لعب دوره بن مندلسون) حائرا بين الثقة برئيس وزرائه والشك بحكمته، إلى أن يحسم الأمر بزيارته له في عقر داره ليمنحه كامل تأييده ودعمه.

تدريجيا، خارج إطار حياته المنزلية المتسمة بالفوضى والمزاج الحاد والثمالة والشراهة، نكتشف قوة تشرشل الكامنة في قدرته الخطابية، بحيث يزعزع خطط المناوئين لسياسته ويؤلب البرلمان والجماهير ضدهم، فيحبطهم ويقصيهم. تكمن حكمة تشرشل أيضا في حسن قراءته لمشاعر المواطنين العاديين وموقفهم من الصمود أو الاستسلام. في لحظة مصيرية يبدو فيها تشرشل عاجزا عن التصدي لإلحاح غريميه من أعضاء "غرفة الحرب" على أن يوافق على التفاوض مع العدو النازي عبر الوسيط الإيطالي غير الحيادي، يختفي تشرشل عن الأنظار. في الواقع، نراه يترجل من سيارته الرسمية فجأة، ويركب الأندرغراوند. يفاجأ الناس به ويرتبكون، لكنه يبادلهم الحديث، يمازحهم ويسألهم عن رأيهم تجاه ما يجب فعله إزاء عدوان ألمانيا النازية. يجمع ركاب الأندرغراوند جميعا، بكبيرهم وصغيرهم، بنسائهم ورجالهم، ببيضهم وسودهم، على مواجهة هتلر وعدم الاستسلام لعدوانه. يهدي هذا الشعور المبدئي تشرشل إلى القرار السليم، فيعود ليواجه البرلمان بخطاب لاهب، رافضا أية مهادنة مع العدو.

هذا القرار الشجاع من قائد استطاع أن يستقرئ إرادة شعبه، واستجاب لها، ووقف ممثلا لها بكرامة وإصرار، هو ما جعل ونستون تشرشل شخصية خالدة في التاريخ الحديث، ونموذجا مذهلا لرجل فاق المتوقع منه، وتحول من إنسان عادي إلى قائد ملهم استطاع بصموده أن يحقق الانتصار على أعتى قوة عسكرية على وجه الأرض في ذلك الزمان.

النواحي الأخرى المبدعة في فيلم "الساعة الأكثر ظلمة" هي حسن تصوير زوجة تشرشل كليمنتاين (أدت دورها كريستين سكوت توماس)، وسكرتيرته الضاربة على الآلة الكاتبة (لعبت دورها ليلي جيمس) التي تفقد أخاها في حصار دنكيرك، لكن إيمانها برئيسها ومساندتها له لا يتزعزعان. عالج كاتب السيناريو أنتوني ماكارتن نمو فيلمه عضويا ببراعة، وجعل أحداثه تدور خلال شهر واحد فقط بصورة شبه تسجيلية، بحيث وثق الأيام أمامنا بأحرف وأرقام بحجم الشاشة الفضية.

الجميل في الفيلم هو تحقيق مزيج ساحر بين الإثارة والترقب بحيث لا يشعر المتفرج بوطأة الزمن خلال 125 دقيقة، مع تنويع ممتع بين المأساة والمرح. على سبيل المثال، عندما يطلب الملك من تشرشل في أول لقاء بروتوكولي أن يجتمعا في الساعة الرابعة من يوم الاثنين، لا يتورع تشرشل عن أن يعتذر قائلا إن ذلك وقت قيلولته. وعندما يقوم تشرشل بإشارة النصر أمام كاميرات الصحافة، تأخذه سكرتيرته جانبا في ما بعد لتهمس له بحياء أنه قام بالإشارة بطريقة مغلوطة توحي بإهانة جنسية بذيئة، فيضحك على نفسه عاليا.

كثيرا ما تلاحق الكاميرا تشرشل في الفيلم إلى الحمام أو حتى إلى التواليت، لتقدمه كإنسان عادي من لحم ودم. عُرف المخرج جو رايت بعدد من الروائع السينمائية، مثل "كبرياء وهوى" (2005)، "التكفير" (2007) و"آنا كارينينا" (2012). سبق أن أنجز جو رايت مشهدا إعجازيا في فيلم "التكفير"، إذ استمرت لقطة واحدة لشاطئ معرض للقصف العديد من الدقائق دون أي قطع مونتاجي على الإطلاق. لذلك، نجد جو رايت في "الساعة الأكثر ظلمة" يغض النظر عن تكرار مثل ذلك التحدي، ويكتفي بلقطات معدودة وقصيرة من الجو لقصف الطائرات الألمانية. تألف طاقم الفيلم الأساسي من تقنيين إيطاليين: فصوره المصور البارع برونو ديلبونيل، ومنتجه فاليريو بونيللي، وألف موسيقاه داريو ماريانيللي، الذي سبق أن وضع الموسيقى التصويرية لأهم وأشهر أفلام المخرج المبدع جو رايت.

--------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG