Accessibility links

عربان وزلامات: شكل آخر من الفئوية في المحيط العربي


خارطة تبين الدول العربية

بقلم حسن منيمنه/

رحّب مقدم البرنامج، خلال مناظرة متلفزة على محطة فضائية لبنانية، بالمداخلة الهاتفية لأحد الوزراء السعوديين. ضمن المشاركين في المناظرة كان أستاذ جامعي من المقربين من حزب الله. امتعض هذا المشارك من إشارة مقدم البرنامج إلى الوزن الحضاري للسعودية، فقاطع متسائلاً أية حضارة هذه، ثم سارع إلى تفنيد الجواب حين أشار مقدم البرنامج إلى الإسلام، محتجاً أن الفضل بالإسلام يعود للإرادة الإلهية لا لإنجاز محلي غير متحقق بنظره. ومع مواصلة الوزير السعودي اتهام حزب الله بالإرهاب، تشنّج هذا المشارك وعيّر الوزير السعودي بـ "شرب بول البعير". والمسألة هنا لا علاقة لها بشخص القائل ولا بطبيعة الخلاف بين المتحاورين، إنما هي في الكشف عن مخزون القباحات في تصوير الآخرين، والذي تم هنا استدعاء عبارة واحدة منه وحسب.

التفرقة الطائفية، إزاء الفرد على أساس هويته الجماعية الدينية المفترضة، أو المذهبية، من خلال المفاضلة بين القناعات الدينية، أو حتى القومية أو العرقية، بين عرب وأكراد وأمازيغ ونوبيين مثلاً، أصبحت من الأمور المحسوبة في المجتمعات العربية للحاجة إلى التماسك داخل المجتمع الواحد. أي أن هذه التوجهات الفئوية مدانة، وإن كانت ممارستها مستمرة وشائعة. أما التشهير والطعن بمن هو خارج المجتمع الواحد، فمسألة تحظى بعناية أقل، بل يجري التعاطي معها على الغالب بخفّة. ولسان الحال يقول ما الضرر أن يتهكم أحدهم من أصوات لغة أهل الصين أو أشكالهم، أو أن يستهزئ بالزنوج، حيث لا صينيين ولا زنوج في هذه المجتمعات. فالإشارة إلى الاعتبار المبدئي أو الأخلاقي مرفوضة على أنها من التكلّف. بل ثمة طعن جماعي من هذا الباب مرحّب به على خلفية سياسية. تتساءل أغنية يسارية لبنانية مثلاً "كيف الأمريكاني حكم، هيدا الغبي بين الأمم"، فالمسألة هنا فكاهة وإن على حساب التعميم. وكذلك قذف اليهود بالعيوب، والذي يرتقي إلى درجة المستحبّ أو حتى الواجب!

إلا أن ثمة فئوية أخرى، تقع في منزلة بين المنزلتين، غالباً ما يجري تجاهلها، وهي الطعن (المتبادل) ضمن الإطار العربي بالهويات الوطنية أو المناطقية لغير الطاعن من العرب. هي تصويرات نمطية مبنية على استدعاءات تسطيحية كثيراً ما تعكس مركبات النقص في الطاعن قبل المطعون به. ولهذه المفاضلة عنوانان، الأصالة والحضارة، على قدر من الإبهام والتأرجح بينهما، وفق الظرف التاريخي والثقافي. ففي زمن صعود الطروحات القومية والإسلاموية، الأصالة هي العنوان الأول، دون أن يغيب عن المحاججة زعم التفوق الحضاري. أما في زمن أفول هذه الطروحات أو في فشلها البيّن، كما هو الحال اليوم، فالمفاضلة حضارية أولاً.

والمقياس الرئيس، على ما يبدو، هو الحضارة الغربية المعاصرة المتفوقة، سواء كان هذا المقياس علنياً ذا تقييم إيجابي أو سلبي. بل أن التقييم، حتى عند أعتى سلبياته مبني على الإقرار بالتفوق الغربي، وإن باستثناءات (فهم لم تشمل معظمهم نعمة الإسلام مثلاً)، وإن كان على أساس التسليم بتداول الأيام بين الناس.

فالمفاضلة بين القبائل العربية المعاصرة، أي بين الهويات الوطنية أو الجماعتية أو القطرية، هو ضمناً حول مدى المماثلة بين الغرب والذات، وبين الاختلاف بين هذا الغرب المرجع وسائر فلول العرب، ولا يبدو التأكيد الصادح على خلاف ذلك مقنعاً في غالب الأحوال. والنصّ الضمني للمفاضلة، على أقدار مختلفة من التعمية، هو "نحن الأقرب إلى الغرب، وأنتم الأبعد عنه". فالمنطقة المغاربية هي في جوار أوروبا أكثر ممّا أوروبا هي في جوار بعضها البعض، بالإضافة إلى التاريخ واللغة والسياحة والهوى إذ فيها جميعاً تداخل مشهود مع الدول الأوروبية. ومصر يكفيها الانبهار غير المنقطع للغرب بحضارتها القديمة، وإن كانت هذه الحضارة قد شهدت مع دخول المسيحية قبل قرابة الألفين من الأعوام تبرؤاً محلياً قطعياً أعطاها اسماً يونانياً (ومنه اسم القبط)، ولم يتم التراجع عن هذا القطع إلا مؤخراً، انطلاقاً من التقدير الغربي، وعلى مستوى القشور الرمزية وحسب. أما بلاد الشام فـ "متوسطية" الميول وبحرية الرحال، أي أن الصحراء خلف ظهرها، فيما الاعتزاز المستحدث مستمر بأن الفينيقيين هم الذين "علّموا الغرب الكتابة" وإن وهنت هذه المقولة، وإن انتفت عن الفينيقيين صفة الهوية الذاتية. والعراق هو مهد الحضارة الغربية بإقرار علماء الغرب أنفسهم، وإن عانى من قطيعة صارمة مع تاريخه. أما الخليج، فالبعد في الجغرافيا يقصّره استقدام الجامعات والمتاحف والمؤسسات من الغرب إلى ما كان بالأمس صحراء قاحلة وغدا اليوم واحات غربية في خضمّها.

كل هذا الحب، المكشوف والمستور، للحضارة الغربية هو شق "الولاء" الذي لا ضرر منه. أما الأذى فهو في شق "البراء" حيث إقناع الذات بالارتقاء أو بعضه يتطلب تخفيض الآخر المشابه والتمايز عنه. والشكر موصول لفناني "الراب" العربي، والذين أتحفوا مجتمعاتهم بإخراج ما كان مشاعر مكتومة لتصبح مادة "ثقافية" متداولة. سعودي، مصري، عراقي، إماراتي، سوري، جزائري، أردني، مغربي، تونسي، وغيرهم كل يبدع في «دسّاته» للآخرين. جائزة الامتياز الأولى هي للمجموعة السعودية "وكر العصفور" في انتاجها لتحفة "شرفت مصر"، المهينة للنيل وأهله وبلاده، وما تلاها من ردود مصرية تقطّع أوصال السعودية من خلال استدعاء المخزون الثقافي الطاعن.

ولو أن المسألة اقتصرت على الراب عند هامش الإنتاج الفني، أو انحصرت بأوجه اجتماعية خاصة، مثل ملاعب كرة القدم وتجاوزات «الأولتراس»، لكان بالإمكان الاستمرار في الزعم بأن رأي العرب بالعرب هو الاحترام للأشقاء، كما يتكرر في الخطاب الرسمي. ولكن حين ينحدر هذا الخطاب تماشياً مع المواقف السياسية، ليصبح الحديث عن دول الخليج في إعلام نظام دمشق، مدعي العروبة والقومية، من خلال مصطلح "العربان"، بما يومئ إليه من بدائية، ويكثر على وسائل التواصل الاجتماعي الاستخفاف الخليجي بـ "الزلامات" (سوريين، ولبنانيين، وأردنيين، وفلسطينيين) وأفقهم الانتفاعي المحدود، يظهر جلياً أن المسألة ليست عرضية.

وهذه العبارات ليست مصطلحات تنفيسية بريئة، بل هي تساهم في إتاحة سلوك معادٍ يسقط الاعتبارات الأخلاقية حين التعامل مع الآخر المطعون به. فالعربان البدائيون لم يستحقوا الثروة التي حظوا بها فلا بأس من بعض الغشّ في التعامل معهم، والزلامات، كما "الشحاتين" المصريين يقدمون العملة على كل اعتبار فلا بأس بإهانتهم أو شراء أعراضهم. ولكن ما الجديد، وما الفارق بين هذا التفاخر والتعييب وبين ما تخلّده معلقة عمرو بن كلثوم؟ هذه جاهلية وتلك جاهلية، رغم تبدل أسماء القبائل. وقد يكون الفارق أن عمرو، وهو التغلبي البدوي لا يبدو منشغلاً بالمناذرة الحضر، ولا بأسيادهم الفرس، ولا يبدو أن ثمة وجها تعويضيا للذات في مفاخرته. وهذه سمات تبدو غائبة عن الخطاب العربي المخبأ نحو الآخر العربي، إذ ينكشف كشكل آخر من أشكال الفئوية في ثقافة عربية مأزومة.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG