Accessibility links

منابع الإلهام في تاريخ الإنسان!


الروائي المصري نجيب محفوظ الفائز بجائزة نوبل للآداب

بقلم جمال أبو الحسن/

لا أنسى ما حييت هذه الحلقة الإذاعية من برنامج "زيارة لمكتبة فلان". البرنامج كان يُبث على موجات الإذاعة المصرية لسنواتٍ طوال. الإذاعة المصرية لعِبت دوراً هائلاً في تشكيل الوعي في مرحلة ما قبل التليفزيون. "زيارة لمكتبة فلان" كان يأخذ المستمع في كل أسبوع ليكون ضيفاً على مكتبة أحد المثقفين الكبار. الحديث ينطلق من الكتب وحكاياتها، إلى سنوات التكوين وتشكيل الوعي، إلى الثقافة بكل فروعها. الحلقة التي قصدتُها في أول الكلام كانت في مكتبة نجيب محفوظ.

سألتْ المذيعة الأديب الكبير عن قراءاته في التاريخ. قال إنه يُفضل تلك الكتب التي "تُعالج التاريخ كأنه تاريخ أسرةٍ واحدةٍ هي البشر". ضرب مثلاً بكتابات ديورانت وتوينبي وهـ.ج.ويلز. قال لاحقاً إنه يُفضل، وهو رجل صنعته الأدب، أن يقرأ أيضاً في تاريخ تطور الأرض والإنسان في العصور السحيقة. أضاف أنه يُفضل قراءة الكتب العلمية التي تبسط المفاهيم المُعقدة للقارئ العام. ظلتْ كلماتُه معي إلى اليوم. هذا المثقف العربي النادر وضع يده على قطعة ناقصة في الوعي العربي. كشف عن مساحة فارغة لم يجتهد المثقفون العرب بما يكفي لملئها. كيف؟ يحتاجُ الأمر لبعض التفصيل.

بين العرب والعالم المعاصر علاقةٌ مُلتبسة. جوهر الالتباس هو شعورٌ متمكن وطاغٍ، حتى ولو كان دفيناً، بضعف الوشائج التي تربطهم بهذا العالم. العربُ ليسوا جزءاً من الثورة العلمية والتكنولوجية. اسهامهم الاقتصادي قاصرٌ على تصدير المواد الأولية. الوجود العربي في نشرات الأخبارِ مقترن بما هو كارثي أو محزن أو مخيف. ثمة حالة من الرفض المتبادل بين العرب وعالمهم. هم يشعرون أن العالم يرفضهم، ويتحزب ضدهم، بل ويتآمر أحياناً من أجل تشويه صورتهم. ثمة سردية كاملة - صيغت وجرى تداولها وتنقيحها مراتٍ منذ أوائل القرن الماضي - تضع العرب في محل الضحية في عالم متآمر وراغب في الاستحواذ. تلك هي السردية التي تُشكل "الوعي العربي" بصور مختلفة، حتى وقتنا الحاضر.

لو أنك تأملت الأمر قليلاً لوجدت أن هذه العلاقة المُلتبسة مع العالم هي في الأصل علاقة "عدم انتماء". نحن، العرب، لا ننتمي إلى العالم المعاصر. لم نُسهم في تشكيل ثقافته أو قيمه أو منجزاته التكنولوجية. لم نكن جزءاً منه في الماضي، ولا نحن عضو فاعل فيه اليوم. نحن نعيش في عالم آخر. زمانٍ مختلف. ولكن أي زمانٍ هذا الذي نعيش؟

هنا تدخل السياسة والأيديولوجيا. الإسلام السياسي وجد ضالته في حالة "الخصام" هذه بين العرب وعالمهم. وظفها ورسخها وعمقها. منذ أوائل القرن العشرين انطلق دعاتُه للتبشير بالعودة إلى زمن إسلاميّ نقيّ، كان فيه المسلمون أسياد العالم. أفكار الإسلام السياسي وسعت الفجوة مع العالم المعاصر أكثر. رسختْ مفهوم "العزلة الوجدانية" عن ذلك العالم، بمنجزاته وأفكاره وطرائق حياته. القومية العربية لم تكن تختلف كثيراً. مفكروها ومنظروها اخترعوا هم أيضاً "زمناً عربياً" بعيداً عن الزمن العالمي، ومعادياً له في أحيان كثيرة. هذان الاتجاهان، الإٍسلام السياسي والقومية العربية، ظلّا يهيمنان على سوق الأفكار ـ في السياسة والثقافة - منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وإلى يومنا الحالي تقريباً. هذان الاتجاهان بالذات رسخّا حالة "العزلة الشعورية" بين العرب وبقية الدنيا، في الحاضر كما في التاريخ.

أصحاب الاتجاهات التحديثية والليبرالية (والتغريبية أحياناً) فشلوا في اختراع "سردية بديلة" لتلك التي تقوم على خصام العالم. أفكارهم ظلت معزولة وغريبة عن المجتمع. بقيت بعيدة عن وعيه ووجدانه. محاولاتهم لبناء "وعي جديد" باءت بالخسران. ظلت مفتتة وباهتة. تضرب في السطح من دون أن تنفذ للعمق.

في القلب من هذا الفشل، في ظن كاتب السطور، انفصالٌ حاد في وعي الإنسان العربي بين مسار التاريخ العربي/الإسلامي، ومسار التاريخ العالمي. ليس فقط انفصالاً، بل تضاد وخصام. في الذهن العربي، سار تاريخُنا في حالة صدام وصراع مع "تاريخ الآخر"، والآخر هنا هو كلمة تُشير في الأغلب إلى "التاريخ الغربي"، أو تاريخ العالم من وجهة نظرٍ غربية.

تلك هي القطعةُ الناقصة التي وضع نجيب محفوظ يده عليها عندما تحدث عن تاريخ أسرة واحدة هي البشر. هذا النهجُ في قراءة التاريخ واستحضاره ما زال غائباً بصورة كاملة عن الثقافتين؛ العربية والإسلامية. التاريخ الإنساني لا مكان له في وعي الإنسان العربي أو وجدانه. لا محل له في سنوات التنشئة الأولى الفاصلة في تكوين الوعي وصياغة الوجدان. لا ينظر العربيُ لذاته بصفته عضواً في "أسرة البشر" التي تحدث عنها نجيب محفوظ. لا يرى لنفسه موضعاً أو محلاً من الإعراب في هذه الرحلة الرائعة التي قطعتها الحضارة الإنسانية من الكهوف إلى ارتياد الفضاء. ينتمي بعقله ووجدانه إلى "تاريخ موازٍ" أو مضاد لو شئت الدقة. لا عجب، والحال هذه، أن يشعر في هذا العالم بالغُربة والوحشة والانعزال.

لا يكفي لمواجهة "سردية الإسلام السياسي" انتقاد هذه السردية وتجريحها. يتعين تقديم سردية بديلة، مقنعة وشاملة ومُلهمة. يتعين اجتراح خطاب يؤسس لوجدان مختلف. الإنسان العربي يفتقر إلى "الخطاب الإنساني"! هو أسير لخطابه الذاتي المنعزل والموازي. يُعيد استهلاك هذا الخطاب بعد تدويره مرات ومرات. لا يجد أمامه ما يربطه بانتمائه الإنساني المُشترك، اللهم إلا تكنولوجيا يستخدمها، ومنجزاتٍ حضارية لا يصيب منها سوى القشور. ينشأُ بعيدا عن هذا "الوعي الكوني". بعيداً عن الشعور بالفخر والامتنان للانتماء إلى الأٍسرة البشرية، بمنجزاتها الحضارية، وإخفاقاتها وزلاتها كذلك. هذه النظرة الإنسانية الشاملة، التي تنطلق من الإنسان وتنتهي عنده، هي أشدُ ما تحتاج إليه الثقافة العربية اليوم.

هذه السلسلة من المقالات تُحاول أن تقرأ لحظات معينة واتجاهات مختلفة في التاريخ من هذه الزاوية الإنسانية. إنها زاوية بالغة الاتساع والرحابة. تمزج بين العلوم المختلفة والإنسانيات بفروعها. تركز على الأفكار والاتجاهات والأحداث والتفاعلات التي صنعت عالمنا المعاصر على الصورة التي هو عليها اليوم. لن تأتي رحلتنا في صورة مرتبة زمانياً. ليس لها خطة أو مسار محدد. غايتها هي تسليط الضوء على تلك الاتجاهات الكُبرى التي صاغت العالم كما نعرفه ونعيش فيه. هي تنظر للتاريخ الإنساني "الكبير"، وليس إلى سيرة هذه الأمة أو تلك، أو إلى تاريخ حقبة أو زمانٍ بعينه. تبحث عن المُشترك البشري. عن التيارات الرئيسة، وليس عن الهوامش أو التفاصيل.

البطلُ الوحيد في هذه السلسلة هو الإنسان. القصة الرئيسية التي ترويها ـ من دون ترتيب - هي قصة الحضارة الإنسانية التي أسهم البشرُ جميعاً في صوغها. الانتماء لهذه الحضارة لا يحتاج لجواز مرور أو بطاقة هوية. كل ما هو مطلوب من المرء هو أن يعي "إنسانيته" وعياً كاملاً وشاملاً. أن يتمثل في داخل وجدانه وضميره ذلك الانتماء الأصيل لحضارة بني البشر بوصفها كلاً متصلاً. أن يُدرك متانة الوشائج التي تربطه بكل لحظة سموّ، وكذا بكل كبوة، في مسيرة الإنسان الطويلة نحو النور والحق والحرية.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG