Accessibility links

مصر التي عرفتها شادية.. ومحاربة التطرف


الفنانة المصرية شادية

بقلم نيرڤانا محمود/

توفيت المطربة والممثلة الشهيرة شادية التي أضحت رمزا من رموز الثقافة المصرية. وكانت شادية بعد عقود من الحضور البارز في الساحة الفنية في مصر والعالم العربي برمته، قد انسحبت من الفضاء العام وتوارت عن الأنظار منذ سنة 1984، وابتعدت بروحيتها الجميلة عن بلد بات بلا روح، يصارع أشباح البشاعة والإرهاب. لقد كانت رحلتها من عالم الأضواء نحو العزلة تختصر رحلة مصر من الحداثة إلى الانغلاق، وقد يكون من الممكن أن تساعدنا تلك الرحلة في سبر أغوار الخلل الذي أصاب المجتمع، والكيفية التي يمكن لمصر أن تواجه من خلالها التحديات.

في تسعينيات القرن الماضي، قرر مدير مهرجان القاهرة السينمائي سعد الدين وهبة تكريم أيقونة الغناء والتمثيل شادية. وخلال حفل افتتاح المهرجان، انتظر الجمهور بشعف ظهورها على المسرح لتسلم جائزتها، لكنها رفضت الدعوة، من دون تقديم أية مبررات، فاستلم أحد الفنانين الجائزة نيابة عنها. علل الكثيرون امتناعها عن الظهور بالنصيحة التي قدمها لها الداعية الإسلامي البارز الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي قيل إنه طلب منها أن "لا تعكري اللبن الصافي".

بعد اعتزالها، دخلت شادية في مرحلة تدين قامت على التطبيق الصارم للإسلام، لكنها عكس عدد من الفنانات المعتزلات، لم تتنكر علنا لإرثها الفني، وفضلت التزام الصمت. وفي كل مناسبة لتكريمها، كان يقوم فنان آخر بنجدتها من الإحراج ويتسلم الجائزة بالنيابة عنها. تحولت إذن الأسطورة التي غرست في وجداننا الشعور بالانتماء لمصر، والتي جسدت الأنوثة المصرية بجمالها وشغفها ورقتها، تحولت من فنانة فخورة بفنها إلى إنسانة محرجة من ماضيها الحافل بالأمجاد، كما لو كان عارا شأنا مخجلا – أو على أقل تقدير موضوعا من الأفضل تفاديه.

تجسد رحلة شادية رحلة بلد سعى جاهدا على مدى عقود لبلورة ميثاق أخلاقي واضح، متأرجحا على نحو شاق بين النزعة المحافظة والتحرر، باحثا عن منزلة وسط تمكنه من التوفيق بين روحيته المنفتحة ونزعته الدينية. لكن هذه المنزلة الوسط ظلت عصية على الكثيرين في مصر. فخلال العقود الستة الماضية تقريبا، ومع صعود الإسلام السياسي، تحولت مصر إلى أمة مضطربة تعيش ازدواجية واضحة نحو كل ما يشكل هويتها، ابتداء من الفنون إلى التقاليد الشيعية والصوفية التي ما فتئت تغني عقيدتها الإسلامية، وأضحت الشابة شادية بكل أنوثتها المصرية الأصيلة مبعث إحساس بالحرج بدلا من الشعور بالاعتزاز.

وفي نهاية الثمانينيات، عندما اعتزلت شادية، أخذت موجة جديدة من الإسلاموية تبرز عضلاتها في الساحة بحماسة شديدة ونبرة حازمة. وقد كنت شاهدة على هذا في كافتيريا إحدى مستشفيات القاهرة، حيث تابعت بمنتهى الدهشة نقاشا حادا حول دور الإسلام في الدولة بين أحد مؤيدي الإسلام السياسي ومريد صوفي. كانا كلاهما متدينين، محافظين ومن كبار الأطباء، لكن التدين والتحصيل العلمي لم يمنعاهما من تبادل التهم حول آرائهما المشتركة. وقد ذهب الإسلامي إلى حد اتهام زميله بالشرك. بعدها طلب من الممرضة إسكات صوت المذياع، إذ كان يعتبر الأغاني والموسيقى من التفاهات.

لم ينجح الإسلام السياسي في استقطاب الكثير من الأتباع المقتنعين تماما بتوجهاته في مصر، لكنه زرع في المجتمع تدريجيا بذور التشدد والتعلق بالطقوس وحقنه بجرعة سامة من التشكيك في جدوى الفن والجمال. فحتى ابتسامة شادية البريئة وصوتها العذب باتا في أعين الإسلاميين من المذمات التي يعاقب عليها الله. هذا القدر من الارتباك يجرد المجتمع من الأسلحة المناسبة لمحاربة الإرهاب.

"إن الأفكار السامة واضحة في أذهانهم والأفكار السليمة غير واضحة في عقولنا، فنحن نحارب المتطرفين ولا نحارب التطرف"، هذا ما قاله المذيع التلفزيوني عمرو أديب، بعد مجزرة مسجد الروضة في شمال سيناء، والتي وقعت قبل وفاة شادية بأيام قليلة. لقد كانت ربما واحدة من أكثر اللحظات تبصرا، لخص من خلالها المذيع المصري الخلل الذي أصاب مصر، والسبب وراء إطالة أمد صراعنا الشاق في مواجهة الإرهاب الذي ما فتئ يدمي البلاد منذ عقود وبشكل منتظم. في مجتمع متعصب ذي مواقف ملتبسة ونظرة ضبابية، لابد أن تستقطب ظلامية التطرف بعض الأشخاص ممن يبحثون عن الوضوح وعن أيمان.

نشر موقع الحرة هنا، مقالين مهمين حول محاربة الإرهاب، الأول لتوفيق حميد، اقترح إيلاء الفنون والموسيقى والجمال اهتماما أكبر كجزء من مقاربة متعددة الأبعاد لمحاربة التطرف الإسلامي، والثاني كتبه مالك العثامنة، ويؤكد فيه أن الفنون والموسيقى لا يمكنها التغلب على التطرف، في غياب مؤسسات ديموقراطية. أنا أرى أن المقالين معا يحملان وجهات نظر صائبة، لكني أشك أن تتمكن الديمقراطية والفنون من التغلب على التطرف من دون وجود مجتمع منفتح على التحرر والتقدمية.

نحن في حاجة لمجتمع يفتخر بأيقونات الرشاقة والجمال من أمثال شادية، من دون الخجل من أنوثتهن وسحرهن، مجتمع يعلن القطيعة مع الالتباس الذي انخرط فيه طوعا، ويشرع في بناء ميثاق واضح ينبذ عبادة الخوف والموت والقبح، ويفتح ذراعيه للتسامح والتنوع. حينها فقط، يمكننا أن نبدأ معركتنا ضد التطرف.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG