Accessibility links

السيسي بين خيارين: الديموقراطية أو أردوغان


عبد الفتاح السيسي

بقلم د. عماد بوظو /

يعتقد الكثيرون من متابعي الشأن المصري أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتمتع برضى أغلبية مريحة من الشعب المصري، فهو قد فاز بانتخابات لها درجة مقبولة من المصداقية كان قد سبقها نزول الملايين إلى الشوارع بمظاهرات حقيقية وعفوية تطالب بإنقاذهم من التجربة الفاشلة لحكم الإخوان المسلمين، والتي كان خطأهم الأول فيها هو اعتقادهم أن نسبة 51.7% التي فاز فيها مرشحهم محمد مرسي "مرشح الثورة" على أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في حكم مبارك "مرشح الفلول" باعتباره انتصارا لخط الإسلام السياسي متجاهلين أن سبب تصويت نسبة كبيرة لمرسي كان خوفهم من عودة الحكم السابق إن فاز أحمد شفيق، وأعقب هذا الفوز سلسلة من المشاكل والأزمات والتي توّجت في حزيران 2013 بالمظاهرات المعروفة التي لم تشهد مصر مثيلا لضخامتها، وحتى اليوم ترى نسبة لا يستهان بها من الشعب المصري أن الرئيس السيسي يمثّل ضمانة لعدم عودة هذه الأيام أو أي شيء مشابه لها، كما أن العمليات الإرهابية التي استهدفت الجيش المصري والمدنيين والأقباط قد رسّخت هذه المخاوف وزادت من الالتفاف حول مؤسسات الدولة المصرية.

كما أن في الفترة الأخيرة برزت مؤشرات عديدة على استقرار وتحسّن الوضع الاقتصادي المصري من خلال ارتفاع الاحتياطي المالي الأجنبي ورفع التصنيف الائتماني الدولي للاقتصاد المصري إلى إيجابي حسب ستاندرد أند بورز، وقرب بداية إنتاج حقول الغاز الجديدة وخاصة حقل ظهر، الذي سيبدأ إنتاجه نهاية 2017 والمتوقع أن تنتهي مصر من استيراد الغاز وأن تبدأ بالتصدير في العام 2019 كما صرّح وزير البترول طارق الملا في لقاء مع شبكة بلومبرغ الاقتصادية، بالإضافة إلى عدة مشاريع كبيرة واعدة في مجالات اقتصادية أخرى، أي أن هناك آمالا جديّة للتحسن الاقتصادي رغم أنها بحاجة لبعض الوقت حتى يمكن للمواطن المصري أن يلمس آثارها. وساعد على هذا الجو من التفاؤل المحيط بالاقتصاد المصري أنّه لم تشاهد خلال سنوات حكم الرئيس السيسي معطيات أو معلومات عن فساد على المستويات العليا في الدولة رغم تقارير تتحدث عن أن الفساد على المستويات الأدنى بقي على حاله، أي أنه في الإجمال يبدو الوضع مريحا للدولة المصرية ولا يوجد تهديد جدّي أو حقيقي على استقرارها أو شعبية الرئاسة فيها.

لكن هذه المعطيات الإيجابية لم تنعكس على ممارسات أجهزة الأمن المصرية، فحسب تقرير منظمة العفو الدولية الذي صدر قبل أشهر قليلة، فإن ضباط وعناصر من قوات الشرطة والأمن في مصر يعذبون المعتقلين السياسيين بشكل روتيني وبأساليب تشمل الضرب والصعق بالكهرباء وأحيانا الاغتصاب، وأضاف التقرير: لم يترك الإفلات من العقاب على التعذيب المنهجي أي أمل للمواطنين في تحقيق العدالة، وحذّر من أن التعذيب الممنهج من قبل قوات الأمن قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، وكانت قصة باحث الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجني الذي كان يجري بحوثا حول النقابات العمالية ووفاته بعد اختفائه بأيام هي التي سلّطت الضوء دوليا على ما يحدث في أماكن الاحتجاز في مصر، وقد قال وزير الداخلية الإيطالي بعد تشريح الجثة إن الطالب قد تعرض لعنف حيواني غير إنساني.

كما أصدر المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان تقريرا سنويا أرسله إلى رئاسة الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ومجلس النواب المصري شدّد فيه على أن استمرار أزمة الحبس الاحتياطي تسببت في تزايد الاتهامات للأجهزة الأمنية بممارسة الاختفاء القسري بمعزل عن الضمانات القانونية، وطالب التقرير بتعزيز آلية العفو الرئاسي للإفراج خاصة عن الشباب الذين لم يتورطوا بأعمال عنف لمد جسور الثقة مع الجيل الجديد ولحمايتهم من التطرف جراء احتجازهم وراء القضبان، كما انتقد التقرير تمديد حالة الطوارئ لفترات إضافية وتوسيع نطاق إحالة جرائم الإرهاب إلى المحاكم العسكرية وتوسيع دائرة الاشتباه وفترات التوقيف على ذمة التحقيق وزيادة قرارات حظر النشر في العديد من القضايا، ونقص ضمانات المحاكمة العادلة، كما أكد التقرير أن التعديلات التشريعية في نيسان 2017 للإجراءات الجنائية والسلطة القضائية شكّل مصدرا للقلق فضلا عن إحالة المتهمين بقضايا الإرهاب للقضاء العسكري وصدور أحكام الإعدام على العشرات من المتهمين بجرائم الحق العام والإرهاب أمام المحاكم المدنية والعسكرية، ولاحظ التقرير أن الحريات العامة قد تأثرت بسياق مكافحة الإرهاب وأنه قد تزايدت الضغوط على الإعلام وفاقمت أزمة نقابة الصحفيين من المشهد السلبي للحريات الصحفية والنقابية وتزايدت وتيرة قضايا الحسبة السياسية والدينية. وحول قانون التظاهر فقد تم العمل بالقانون على قاعدة المنع والتقييد لا الإباحة. بالإضافة لملاحظات عامة عن ازدحام السجون وإعاقة الرعاية الطبية، وطالب التقرير بإعادة النظر في قانون الجمعيات الأهلية الجديد لمعالجة بواعث القلق من مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها شريكا في التنمية، وهذا القانون متّهم بأنه يريد فرض سيطرة الدولة على هذه الجمعيات والتلويح بحلّها وفق عبارات مطاطة مثل "لا يجوز للجمعيات وغيرها من الكيانات الخاضعة لهذا القانون العمل في مجال أو ممارسة نشاط ذي طابع سياسي أو يضر بالأمن القومي للبلاد أو النظام العام أو الآداب العامة" كما يحظر على هذه الجمعيات إجراء استطلاعات للرأي أو نشر أو إتاحة نتائجها أو إجراء أبحاث ميدانية أو عرض نتائجها قبل عرضها على جهاز الإشراف على هذه الجمعيات.

كان الرد الرسمي على التقارير الدولية حول ممارسات الأمن المصري هو اتهام دول وأطراف خارجية دون تسميتها بأنها وراءها لتعاطفها مع الإخوان المسلمين، وتم حجب موقع منظمة العفو الدولية في مصر، كما قامت الجهات القضائية بتجميد أموال منظمات حقوقية محلية بارزة وأموال مديريها، وفي قضية أخرى تمت إقالة ومحاكمة أكبر مسؤول بمكافحة الفساد المستشار هشام جنينة لإعلانه على الملأ أن الفساد الحكومي كلّف الدولة 600 مليار جنيه. وقد انتقد وهاجم اتهامه ومحاكمته كبار الخبراء القانونيين والإداريين في مصر واعتبر بعضهم أن القرار بعزله غير دستوري.

كما أن مؤسسة القضاء المصري العريقة التي اصطدمت مع كل الحكام عبر تاريخها للمحافظة على استقلالها بما فيهم عبد الناصر والسادات ومبارك، والتي كانت الصخرة التي اصطدم بها حكم الإخوان خلال محاولتهم الفاشلة لما أسموه تطهير القضاء والإعلام، هذه المؤسسة تواجه اليوم تحديا أكبر من السابق من خلال قانون السلطة القضائية بعد إقرار رئيس الجمهورية تعديلات البرلمان عليه والتي تنص على أن يختار رئيس الجمهورية رؤساء الهيئات القضائية من بين ثلاثة مرشّحين من أصل أقدم سبعة قضاة عوضا عن الطريقة السابقة وهي أن يستلم الأقدم بدون أي دور للسلطة التنفيذية في اختياره في خطوة تهدد استقلال القضاء، وقد صرّح المستشار محمد عبد المحسن منصور رئيس نادي قضاة مصر تعليقا على إقرار الرئيس للقانون "إن الدولة هي الخاسرة ونهنّئها على قانون سيئ السمعة"، كما أن هناك استسهالا في رفع القضايا في مصر من قبل أي فرد ولأي سبب مثل تعليق غير مناسب لمطربة أو ملابس لفنانة أو مقال لصحفي أو تصريح لمثقف مما يجعل الجميع تحت خطر الخضوع لإجراءات قانونية بذرائع تكون أحيانا واهية أو كيديّة وتتعارض في كثير من الأحيان مع الحرية الشخصية، هذا فوق العدد الخيالي للقضايا في مصر والذي يتجاوز 60 مليون قضية طبقا لما أعلنه المستشار محمود علاء مساعد وزير العدل مما يزيد العبء بشكل كبير على القضاة.

لدى مصر اليوم خياران للتعامل مع مواقف المنظمات الدولية والمحلية: إما السير على خطى أردوغان في تقييد الحريات وإخضاع النقابات ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات القضائية واعتقال وتسريح من العمل لمئات آلاف المواطنين لأسباب سياسية، والقضاء على التجربة الديموقراطية والقطيعة سياسيا مع الغرب والتهجم عليه في كل المناسبات وانتقاد المنظمات الدولية باعتبارها منحازة وتحمل أجندات خارجية "للدول التي تموّلها" كما تروّج كل الديكتاتوريات في العالم، وتوجيه الإعلام بخطاب الكراهية والغضب في كل الاتجاهات ومن ثم توثيق العلاقات مع أنظمة مماثلة لا تقيم أي اعتبار لحقوق الإنسان مثل روسيا وإيران، أو أخذ الانتقادات الداخلية والدولية بعين الاعتبار وإلغاء تدريجي لحالة الطوارئ وتنشيط الحياة السياسية من جديد حتى يكون هناك ضمان لاستقرار الوضع على المدى البعيد وحتى تتاح الفرصة لبروز قيادات سياسية ذات كفاءة عوضا عن الالتفاف حول الزعيم الفرد الذي لا بديل له على نمط بوتين وأردوغان، والتوقف عن محاولات التدخل في عمل واستقلالية القضاء المصري وإعادة الحيوية للإعلام المصري الذي لا يعيش أفضل حالاته هذه الأيام، وتحسين العلاقات مع المجتمع الدولي ومحور الاعتدال الإقليمي، فقط بالديموقراطية يمكن بناء دولة عصرية حديثة تحترم مواطنيها وتؤمن لهم ظروف الحياة الحرة الكريمة.
ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG