Accessibility links

أما وقد 'صوّب' حزب الله موقفه من الفن السابع


المخرجة اللبنانية نادين لبكي والطفل/ الممثل السوري زين الرفاعي

بقلم حازم الأمين/

تساءل كثيرون في بيروت عن أسباب "تورط" النائب المعاد انتخابه في البرلمان اللبناني عن حزب الله نواف الموسوي في سجال "خاسر" حول فيلم المخرجة نادين لبكي "كفرناحوم" والذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي الدولي. ذاك أن حزب الله، بحسب المتسائلين، كان بغنى عن كشف "ذائقته السينمائية" وهو خرج بهذا السجال عن شعور لبناني بالغبطة حيال إنجاز نادر حققته لبكي في مهرجان دولي. والحال أن حزب الله نفسه استجاب لذهول اللبنانيين فأصدر بيانا "طيب" فيه خاطرهم وأعلمهم أنه ليس ضد الفن الملتزم. علما أن فيلم لبكي يصح فيه قول "الفن الملتزم"، ذاك أنه تصدى لموضوع مأساتي اللجوء السوري والعمالة الأجنبية في لبنان، وهما التزامان أخلاقيان لا يتصلان بهموم حزب الله مباشرة.

لكن ما أثاره نائب حزب الله (المعاد انتخابه)، من تساؤلات ينطوي أيضا على سذاجة جماعية غارق فيها سوادنا الأعظم في بيروت، فالمنذهلون، كانوا ينتظرون من حزب الله غير ما نطق به الموسوي، وإذ به يحرفه عن توقعاتهم.

ما قاله الموسوي هو حقيقة ما يؤمن به حزب الله وإن كان الوقت ليس ملائما للمجاهرة به

عندما قال الموسوي ما قاله بحق لبكي وفيلمها، كان يفكر بوقع قوله على غيرنا من اللبنانيين. قال مثلا: "بلا لبكي بلا وجع راس، وقت الجد ما في غير سلاحك بيفيدك". هذه العبارة، وهي كانت التغريدة الذروة لجهة ما نطق به النائب من "درر" استدرجت ذهولا واستنكارا وحملات تهكم على صاحبها، لكنها من جهة أخرى خاطبت قاعدة أوسع من المعجبين بالنائب. هنا تماما يسعى حزب الله، وهنا تماما تفوق على كل الراغبين في منافسته على "قلوب الجماهير". فالنخب وقيمها لم تكن يوما هاجس الحزب، ولم تكن يوما طموحه، وهو إذ صوب "سقطة" نائبه ببيان تنصل فيه من تغريدته، غمز بعينه الأخرى مخاطبا وجدانات قواعده بأن قال لهم: "لا بأس خلينا نأخذهم على قد عقلهم". والحزب بهذا المعنى ربح هنا وربح هناك.

اقرأ للكاتب أيضا: قدس الفلسطينيين... لا قدس العرب والمسلمين

لم تكن النخب وقيمها يوما محل ابتلاء أحزاب "الجماهير". ألم يكن ستالين يتحسس مسدسه "كلما اشتم رائحة مثقف؟"، وجمال عبد الناصر ألم يتسبب بتقحيل مصر؟ فإلى متى سنستمر في دفن رؤوسنا في الرمل ومواصلة توقعاتنا بعدم سماع ما سمعناه من نائب حزب الله. لقد سبق أن سمعنا من زميل له هو النائب (المعاد انتخابه) علي عمار أنه لم يتمكن من مقاومة رغبته في تقبيل حذاء الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله. وبعد أن قال ذلك أعيد ترشيحه وكان الأول على لائحته الانتخابية. من أذهلتهم فعلة النائب (وهم محقون بما أصابهم) لم تذهلهم حقيقة ما جناه الرجل من أصوات في صناديق الاقتراع وكان لفعلته أثر ودور فيها. لا شك أن عمار خسر عشرات الأصوات جراء ما قال، لكنه ربح آلافا موازية منها، جراء ما قاله أيضا.

ووفق هذه المعادلة خاض حزب الله حملته الانتخابية الأخيرة وتمكن من اكتساح مقاعد الطائفة الشيعية، ووزع أصواتا فائضة على حلفائه من السنة والمسيحيين. أي معادلة ابتسامة صفراء في مقابل خطاب تحريضي وتعبوي ضمني حول فيه الحزب عملية الاقتراع إلى مهمة غريزية لا يجدي معها أي مسعى لمخاطبة أخرى.

النخب وقيمها لم تكن يوما هاجس الحزب ولم تكن يوما طموحه

أصدر الحزب بيانا أوضح فيه أنه خارج النقاش الذي استدرج نائبه لبنانيين إليه. التوضيح لم يأت تلبية لرغبة الحزب بالنقاش، ولا في سياق اكتراثه لغضبة النخبة، بل لأنه يعلم أن ثمة امتدادا اجتماعيا وطائفيا للغاضبين على تعرض نائبه للمخرجة السينمائية. فلبكي ليست وحيدة، ولا يشعر الحزب أن مواجهة ما تمثله قد حان وقتها، فلا بأس من تنصل من تغريدات النائب، وهو تنصل لن يصيب الموسوي بأذى معنوي، فهو بتغريداته شابه نفسه وشابه الحزب أكثر مما كان يشابهه قبلها. ولا بأس ببعض الأثر المعنوي الذي ستزول آثاره قريبا، وسيعتمد الرجل مفوها باسم الحزب أكثر مما كان معتمدا.

اقرأ للكاتب أيضا: عن موقع موسكو الغريب من الحرب الوشيكة

ما قاله الموسوي هو حقيقة ما يؤمن به الحزب وإن كان الوقت ليس ملائما للمجاهرة به. لا بل إن الموسوي "بق البحصة" وهذا ما يساعد على تصويب توقعات اللبنانيين. ففي المرة القادمة سنكون أمام كلام له ما سبقه، وهذا ما سيعيدنا إلى موقع الدفاع عن النفس، بعد أن كنا في أعقاب تصريحات الموسوي قد توهمنا أننا في موقع الهجوم.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG