Accessibility links

هل عاد عصر الميوزيكال؟


بطل فيلم أعظم رجل استعراض هيو جاكمان وخلفه ملصق الفيلم

بقلم رياض عصمت/

"أعظم رجل استعراض" هو بلا منازع فيلم الميوزيكال للعام 2017، وربما لعدة أعوام خلت وأخرى قادمة. حظي الفيلم بإعجاب جماهيري فائق، ونال تقييماً لم ينله فيلم ميوزيكال منذ "صوت الموسيقا" (1965)، بالرغم من أن بعض النقاد جعلوا منه بطة خشبية تباروا في رمي سهامهم عليها. ليس المقصود من عنوان الفيلم أحد الزعماء السياسيين ممن يلعبون بمصائر الأمم على حلبة أو أكثر تحت نظر وسمع العالم، بل المقصود هو رجل الاستعراض بارنوم، الذي أنشأ أكبر سيرك في العالم، وأصبح قدوة يُقتدى بها في كل زمان ومكان.

تاريخ الميوزيكال في هوليوود تاريخ عريق، انطلق من نجاحات مسارح برودواي في نيويورك والوست-إند في لندن بهذا النمط المسرحي الأنغلوساكسوني الفريد على طرفي المحيط الأطلسي. هناك نقاط بارزة في تاريخ سينما الميوزيكال لا بد من الإشارة إليها، ربما كان الأشهر والأقدم منها فيلم "ساحر أوز" (1939). لكن ذروة الإقبال على إنتاج أفلام الميوزيكال جاءت في حقبة الخمسينيات، واستمرت في الستينيات، بريادة بدأها فرانك سيناترا وبنغ كروسبي والراقصان الأسطوريان فريد آستير وجنجر روجرز، وسيد تشاريس. بالتالي، ظهرت أفلام ميوزيكال رائعة مثل فيلم جين كيلي الرائع "الغناء تحت المطر"، "سبع عروسات لسبعة أخوة"، "قصة الحي الغربي" المستوحى من مسرحية "روميو وجولييت" لشكسبير، "سيدتي الجميلة" من بطولة أودري هيبورن وركس هاريسون، "ماري بوبنز" من بطولة جولي أندروز التي ما لبثت أن تألقت في فيلم "صوت الموسيقى" الشهير، ثم جاء فيلم "أوليفر" المقتبس عن رواية تشارلز ديكنز، و"ادهن عربتك" من بطولة كلينت إيستوود ولي مارفن، وافلام أخرى لا يتسع المجال لتعدادها جميعاً.

تضاءل إنتاج أفلام الميوزيكال التمثيلية بشكل ملموس منذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين، في حينازدهر بدلاً منها إنتاج أفلام الكرتون الغنائية مثل "علاء الدين" و"الحسناء والوحش" و"الملك الأسد"، و"بوكاهونتاس" و"مولان". لكن توهج أفلام الميوزيكال بالممثلين الأحياء عاد يشع بقوة مع القرن الحادي والعشرين، ليرافق بشكل موازٍ إنتاج أفلام الكرتون المحبوبة لدى الصغار والكبار معاً. في البداية، ظهرت بضعة أفلام ميوزيكال متميزة فنياً، لكنها لم تحظَ كفايةً بإقبال جماهيري، نذكر منها "شيكاغو"، "تسعة"، "سويني تود" و"عبر العالم"، ونشيد بالأخير خاصة لأنه أحيا أغاني البيتلز بإخراج جولي تيمور الاجريبي والمدهش بصرياً.ثم ما لبثت أن ظهرت أفلام حققت نجاحاً طيباً في شباك التذاكر، وإن لم ترق جميعاً للنقاد، ومنها "شبح الأوبرا"، "ماما ميا"، "سندريللا"، "الحسناء والوحش". أخيراً، لا بد أن نتذكر في السنوات الأخيرة الماضية فيلمين حظيا بإجماع نقدي إيجابي، هما "لا لا لاند" من إخراج داميان تشيزيل وبطولة إيما ستون ورايان غوسلينغ، وقبله "البؤساء" عن رواية فكتور هوغو الشهيرة من إخراج توم هوبر، ولعب بطولته هيو جاكمان وراسل كرو وآن هاثواي.

فيلم "أعظم رجل استعراض" (2017) حلم قديم راود النجم هيو جاكمان، الذي تألق في شخصية وولفرين (الرجل-الذئب) في سلسلة أفلام "X Men" و"البؤساء"، وهو مغنٍ محترف معروف في أوستراليا إلى جانب قدراته التمثيلية العالية. الغريب أن مخرج الفيلم مايكل غريسي يتصدى للإخراج لأول مرة بعد خبرة في الخدع الكومبيوترية والتأثيرات البصرية. كتب سيناريو "أعظم رجل استعراض" كل من جيني بيكس وبيل كوندون. منذ أول لحظات الفيلم، يدهشنا مخرج الفيلم ونجمه هيو جاكمان برقصات وأغانٍ لا تهدأ وتيرتها حتى الختام، مصحوبة بقصة إنسانية مؤثرة تتدفق بسلاسة وعذوبة لتناسب جميع أفراد العائلة.

يأخذنا السيناريو إلى الوراء لنرى طفولة بارنوم البائسة كابن خياط يتعرض للإهانة والذل من رجل موسر، لكنه يحظى بمحبة طفلته الجميلة. بسرعةٍ ينتقل بنا السيناريو إلى اقتران بارنوم الشاب بتلك الفتاة (أدت دورها ميشيل وليامز) عنوة عن أبيها. في قفزة زمنية أخرى، نرى بارنوم قد أنجب من زوجته ابنتين، ويصورها السيناريو هي وابنتيها سعيدتين وقانعتين رغم ظروف حياتهم البائسة. ما تلبث الشركة التي يعمل فيها بارنوم أن تفلس وتسرح موظفيها، فيشتري بارنوم بناء متحف للتاريخ الطبيعي، ويفتتحه دون أن يجني من ورائه ربحاً يذكر. كل هذا لا يهز الهناء والتماسك العائلي، بل توحي إحدى ابنتي بارنوم لابيها بفكرة مفادها أن الجمهور لا يأتي إلا ليشاهد الأحياء، فيقرر أن ينشئ سيركاً يضم مخلوقات فريدة. هكذا، يجمع بارنون قزماً في زي جنرال مع امرأة سمينة ذات لحية، الرجل-الكلب مع لاعبي ترابيز بارعين، أطول رجل في العالم مع أسمن رجل في العالم، وعديد من الفنانين ذوي السمات الاستثنائية والعجيبة. لكن بارنوم ينال نقداً قاسياً من ناقد متعجرف في الصحافة، فيصبح هوسه إقناع الطبقة الراقية بأن ما يقدمه فن. هنا، تتصاعد حبكة السيناريو بإغراء بارنوم لكاتب مسرحي من الطبقة الراقية كي يشاركه في تطوير عرض السيرك، وباستقدامه مغنية أوبرا سويدية شهيرة لتؤدي على مسرح في نيويورك وتبهر الجمهور الراقي والصحافة.

ربما فات بعض النقاد أن مشكلة فيلم "أعظم رجل استعراض" متعمدة من قبل صناع الفيلم، ألا وهي تشذيب الفيلم من أي شيء يخدش الحياء. بالتالي، لا توجد كلمة نابية واحدة في الفيلم، بل حتى القبلة التي تحاول المطربة السويدية المغرمة إغواء بارنوم بها، نجده يتمنع عنها لأنه رجل متزوج! لذلك، تختطف المغنية السويدية الحسناء القبلة منه عنوة أمام كاميرات الصحافة انتقاماً لكرامتها المجروحة. بالتالي، تبدو أسرة بارنوم متماسكة رغم ظروف الفاقة والعوز، لولا أن نشر الصحف لصورة المغنية وهي تقبل بارنون على خشبة المسرح تؤدي لحرد الزوجة وهجرها بيت الزوجية مع ابنتيها.

من المؤكد أن بعض هذه النقاط لإرضاء جمهور العائلات يعتبر نقيصة فنية، فعدم خدش الحياء الاجتماعي شيء، وتجنب الصراع الدرامي شيء آخر. القاعدة الذهبية لفن الدراما هي تغليب كلمة "لا" على كلمة "نعم". بالتالي، كان من شأن تنمية صراع بين طموح الزوج الجامح وحرص الزوجة على حياة كريمة لها ولابنتيها أن يضفي قوة درامية على الفيلم.كان من الممكن أيضاً تطوير مشاعر الغيرة بين لاعب الترابيز الأسود والكاتب الشاب الثري الذي يغرم بلاعبة الترابيز الملونة لتشكل تلك الحبكة الجانبية تشويقاً يضع العاشقين على حافة الخطر. كما تجنب السيناريو تفسير دافع أولئك الزعران الذين يهاجمون السيرك ويعتدون على فنانيه ويحرقون مبناه: هل هو ناجم عن تعصبديني أم ماذا؟يتفرد مشهد درامي جميل ونادر حين يأبى بارنوم الطامح لكسب رضا الطبقة الراقية السماح لفناني سيركه بالمشاركة في حفل الاستقبال، فيقتحمون المكان مؤدين أغنية "هذا أنا"، (هذه الأغنية الرائعة التي فازت بجائزة غولدن غلوب عن جدارة).

ربما ترى عين الناقد عيوباً مستترة، لكن المشاهدين لفيلم "أعظم رجل استعراض" لا شك سينسون كل هذا أمام المتعة السمعية-البصرية الفائضة التي تهيمن على مشاعرهم طيلة زمن الفيلم. يحكى أن الممثلة الشابة زيندايا أدت مشاهد الترابيز الخطرة بنفسها دون بديلة. أما الممثلة السويدية ريبيكا فرغسون، فرغم كونها دارسة للغناء، إلا أن المخرج دبلج أغنياتها بصوت لورين ألفريد البديع، وإن أصرت ريبيكا على أداء الأغاني بنفسها أمام الكاميرا لتحقق أداءاً تمثيلياً متألقاً. قام بتصوير الفيلم المصور المخضرم شيموس ماكغريفي، وقام بمونتاجه ستة أشخاص، بينما ألف له الألحان أربعة ملحنين.

يبعث فيلم "أعظم رجل استعراض" نشوة عميقة في الروح، ويعيش طويلاً في الوجدان. قاد طاقم التمثيل مثل مايسترو متمكن هيو جاكمان في دور بارنوم المحوري، وإلى جانبه الممثلة الموهوبة ميشيل وليامز، الممثل-المغني زاك إيفرون، الممثلة السويدية ريبيكا فرغسون، والممثلة الشابة زيندايا. إحدى عشرة أغنية بديعة وشديدة التنوع، رافقتها رقصات واستعراضات ولا أجمل، وصلت إلى ذروتها بانتقال السيرك بعد إحراق بنائه إلى خيمة ضخمة مع أفيال عملاقة وأسود مدربة، حيث يؤدي فريقه المتكامل الاستعراض الختامي المبهر.

ربما لخصت جملة الناقد القاسي في سياق الفيلم هجمة النقاد عليه في مقابل إعجاب الجمهور الفائق به. قبيل النهاية، يجلس ذلك الناقد متواضعاً لأول مرةإلى جانب بارنوم على درج بناء، ويصارحه قائلاً إنه شخصياً لا يعتبر ما يقدمه فناً، لكن ناقداً آخر ربما يجد في جمعه لكل هؤلاء الأشخاص المتفردين بألوان البشرة وبالأحجام المتفاوتة وبغرابة أشكالٍ غير مألوفة في استعراض واحد "احتفالاً بالإنسانية".

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG