Accessibility links

عن البغدادي ودون كوروليوني.. العراب المحكوم بالأمل والخلاص


بقلم مالك العثامنة/

كلما واجهت سؤالا حول أكثر الأفلام تأثيرا مما شاهدته من أفلام سينمائية أميركية، أجدني بلا تردد أجيب أنه فيلم العراب، للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، ومؤلفه ماريو بوزو.

ولا أزال حتى اليوم، أشاهد الفيلم كمغامر يبحث في تلك الرائعة البصرية عن ألغام كوبولا الذهنية التي زرعها في كل مشاهد الفيلم وخلفيات تلك المشاهد، وفي الحوارات و الإيماءات والاكسسوارات والتفاصيل المدهشة.

شاهدت الفيلم، ولا أزال كلما سنحت لي فرصة بأجزائه الثلاثة، وتابعت كل ما يتيسر لي من قراءات تلفزيونية وتوثيقية عن صناعة الفيلم والتي لم يبخل كوبولا في المشاركة والحديث في غالبيتها، كأنه يرغب حتى اليوم بأن يقول الكثير مما لم يقله في فيلمه الشهير.

وطبعا، ككاتب مغرم بالتقاط التفاصيل، كنت دوما أرغب أن أحيط بها كي أكتب عن أحد أكثر أفلامي تفضيلا، و في كل مرة أواجه نفسي بالعجز عن الإحاطة التي أبحث عنها إلى أن تذكرت فيلم العراب، و"ثيمة" الجريمة المنظمة فيه أمام وصف سمعته من صديق، يصف فيها جماعات الإسلام المتطرف و تحديدا عصابة داعش، بتنظيم الجريمة المنظمة، لأجد المفارقة في التشبيه بعد تفكير مبني على أبعاد ميثولوجية ولاهوتية ودينية كثيرة مع حجم الفروقات الضخم.

فكرة فيلم العراب كلها مبنية على عائلات إيطالية كاثوليكية بدأت في الاستقرار و"التموضع" الاجتماعي في العالم الجديد "البروتستانتي" المحكوم بفكرة "الفردية" والبراغماتية المبنية على فلسفة المنفعة الفردية، وأمام لحظة صعود تاريخية للشركات الأميركية العملاقة وبداية نشوء فكرة عالم "البيزنس" الليبرالي المتوحش إن جاز التعبير.

كانت تلك العائلات الإيطالية لا تزال محكومة بفكرة "العائلة" وبأبعاد كاثوليكية كانت تؤمن بالانضباط الأخلاقي في العائلة، وبقيم محافظة لا يمكن لها الذوبان في مجتمعها الجديد، وأخطر ما تحمله تلك العائلات في ضميرها الجمعي هو فكرة "العدالة" وهو ما وضعها أمام مفترق طرق القانون: تطبيقه حرفيا أم استعادة روح العدالة فيه!!

في كل مشهد وفي كل تفصيلة بصرية في الفيلم، كان كوبولا المشارك الرئيس في وضع السيناريو مع المؤلف ماريو بوزو، حريصا على أن يكون هناك ضجيج في كل التفاصيل تعكس الروح الدينية الكاثوليكية بتفسيرات تتجاوز فكرة الفيلم حول عصابات منظمة تمارس الجريمة الدموية، فالضمير هو الحاضر الغائب في كل مشاهد الفيلم، والدين هو الخلفية الصامتة وأحيانا ينطق في مشاهد جبارة ومشغولة بإبداع.

المشاهد الأساسية للحضور الديني الطاغي كانت موزعة على الأجزاء الثلاثة تباعا، ففي الجزء الأول كان مشهد العمودية حيث ذروة الفيلم حين قرر مايكل كوروليوني أن يكون عراب ابنة أخته وفي نفس الوقت ينفذ كرئيس للعائلة مجزرة إبادة باقي رؤساء العائلات في دموية تتناقض ظاهريا مع مشهد السر المقدس في العمودية لكنها تقرأ في العمق فكرة تطبيق العدالة التي لا مفر من تطبيقها أمام قواعد اللعبة الإجرامية التي تحكم تلك العائلات.

في الجزء الثاني، كان مقتل فريدو (شقيق مايكل) في خلفية دينية واضحة، وهو الذي يشكل العقدة الأساس للمشهد الثالث عند مايكل نفسه في الجزء الثالث حين يؤدي ببراعة مدهشة مشهد الاعتراف أمام الكاردينال الذي التقط فرصة انهيار إنساني نادرة عند زعيم العائلة ذي التاريخ الدموي والذي لم يخف أمام الكاردينال شكه بأن يحصل على الخلاص باعتراف كنسي عابر.

كل مشاهد الفيلم مبنية على فكرة "الخطيئة"، والخط الدرامي كله حكايات خطايا وبين كل مشهد ومشهد كانت الخلفية تضج بالحضور الديني إما عبر أيقونة أو شعار أو جملة في حوار كأن كوبولا يحاول فيها تفسير هذا الانضباط الأخلاقي في عالم الجريمة المنظمة تلك تحديدا.

كوبولا، في مقابلة شهيرة له، كان يردد فيها أن الإيقاع الأساسي لفيلم العراب بكل أجزائه كان يتكثف بمفهوم واحد وهو "الأمل"، وهو ما يذكرني بجملة عبقري المسرح العربي المعاصر الراحل سعد الله ونوس "نحن محكومون بالأمل"، فحماية العائلة عبر منهجية الخطايا المستمرة كانت دوما محكومة بالأمل سواء لدى الأب فيتو كوروليوني وقد جسده الأسطورة مارلون براندو في أداء لا يتكرر، أو عبر وريثه في الزعامة ابنه الأصغر مايكل كوروليوني الذي كان في كل ثنايا الفيلم يعكس حجم هاجسه الوحيد المتمحور حول "الأمل"، وسعيه في الحكاية الدرامية إلى دخول العالم الشرعي للأعمال لكن هذا العالم الشرعي نفسه يحكمه مجرمون بربطات عنق أيضا.

الأمل، بمفهومه المطلق، وثنائيات التضاد بين العدالة والرحمة أو العائلة بكل قيمها الراسخة أمام المجتمع والوطن الجديد بكل متطلباته، أو حتى في مفهوم تحقيق العدالة أمام تطبيق القانون القاصر عن تحقيقها.

في المحصلة، كانت الجريمة المنظمة لتلك العائلة الكاثوليكية محكومة بانضباط أخلاقي عنوانه الاحترام أولا، ثم روح العدالة بتفسير قد يكون مشوها لكنه يواجه تشوهات الواقع الذي واجهته، و من أول جزء حتى آخر جزء، كانت هناك ثيمة الصراع بين الخطيئة كخطيئة، والله كمخلص.

ولم تنقطع الجدلية في الفيلم بنهاية وردية، بل بتضحية دموية تمثلت في ابنة مايكل في المشهد الأسطوري لآل باتشينو وصرخته الصامتة التي وضعت كل من شاهدها في احتراقات الوجع نفسه، وانتهى مايكل عجوزا غارقا في قلق البحث عن خلاصه.. هذا على الأقل ما قرأته في رؤية كوبولا!

وعودا على بدء..

فإن الجريمة المنظمة بباقي أشكالها وأي صيغة "عائلية" أخرى في العالم، كانت دوما منفلتة بلا ضوابط تحكمها، فسيرة الجريمة المنظمة الروسية مثلا، برزت كأكثر تنظيم إجرامي دموي لا قواعد تحكمه ومثير للرعب والإرهاب، وكذلك الجريمة المنظمة ذات الهويات العرقية الأخرى، أما عصابة داعش، و هي تنظيم إجرامي "عائلي" اختطف ميثولوجيا دينية لإضفاء شرعية على انفلات مطلق بلا أي ضوابط، كانت في غالبيتها قد بدأت كعصابات "زعران" ومنبوذين في أحياء مدن عربية يحكمهم القهر بلا أي أمل، فانتهوا إلى اختطاف الدين كفكرة راعية تحقق لهم الخلاص عبر القتل و ممارسة الجريمة باسم الله نفسه. لا قلق يحكمهم فالنتيجة محسومة بتوليفة "أفيونية" ثقيلة التخدير للوعي والضمير، والخلاص يكمن في القتل والإبادة فقط لا غير والمفارقة أن "الشرف" كان قيمة أساسية في مافيا العائلات الإيطالية ومن منصة انطلاق كاثوليكية محافظة لكن مع تقدير واحترام للمرأة في العائلة، بينما في عصابات الزعران التي أنتجت مافيا داعش فإن المرأة محتقرة ومضطهدة و يجب أن تغيب باسم الدين نفسه، وهذا ما جعل مفهوم "الشرف" نفسه ممسوخا و يتسق مع غيبوبة الوعي وغياب الإنسانية وحضور الدم الطاغي في ذلك التنظيم الإرهابي.

لقد كان دون كوروليوني "الأب والإبن" مرتبطين بالروح القدس وأخلاقياته حتى في ارتكاب الخطيئة، بينما كان الله نفسه (جل شأنه) شماعة الأخطاء والخطايا لأبي مصعب الزرقاوي والبغدادي والظواهري وباقي مشتقات زعماء التطرف الديني، وقد أصبح كل واحد منهم، عرابا مطلقا لعصابته باسم المقدس.. لا بحثا عن خلاص ولا محكوما بأمل، بل للخلاص من كل أمل.

ــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG