Accessibility links

إسلام علماء الدين ليس كل الإسلام


مسجد الأزهر في مصر

بقلم حسن منيمنه/

الدعوات للإصلاح الديني تتكرر، ومن على هذا المنبر بالتحديد، وتختلف من حيث النبرة، ولكنها في الغالب تلتقي على ضرورة مراجعة الموروث العلمي الإسلامي لمواجهة المقزّز في محتواه. ولا شك أن بعض ما في هذا الموروث يتعارض بشكل صارخ مع القيم الإنسانية المعاصرة. ومع "سبي" الدولة الإسلامية للأيزيديات، أي أسرهن واغتصابهن والاتجار بهن، بناءً على فتوى مبنية بانتظام على هذا الموروث، ليست المسألة نظرية وحسب، بل يظهر جلياً أن هذا الموروث بحاجة جدية إلى المراجعة والتحصين. غير أن هذه الطروحات التي تريد أن تكون ناقضة للتكلس الفكري وداعية للإصلاح، تنضوي على وجه سلبي يعترض تحقيقها للنتائج المتوخاة.

أخطر ما يسجّل على هذه الطروحات أنها تسلّم بمعيارية دينية مستندة على النصّ وعلى من يتولى تفسيره واستنباط الأحكام منه. أي أنها تعتبر أن الإسلام هو إسلام العلماء. وليس هذا اعتبار بديهي أو تلقائي، بل هو وحسب موقف إيماني مبني على التسليم بتصور لماهية الدين يتفق مع توصيف معظم علماء الدين المسلمين له، وإن اختلف مع القراءات الموضوعية لواقع حال الناس على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم. فالمسألة هنا هي في تعريف الإسلام. هل الإسلام هو ما يقرره علماء الدين ويقرّ به عموم المسلمين، كله أو بعضه، دون اعتبار لالتزامهم به؟ أم هل الإسلام هو ما يعيشه المسلمون، وإن تعارض مع إقرارهم الصريح أو الضمني؟ فهذا ليس ذاك، بشهادة علماء الدين أنفسهم على مدى التاريخ الإسلامي، إذ وسموا إسلام العامة بالعصيان والنقصان والجهل والكفر. غير أن العامة في غالبيتهم بقوا على حالهم على مدى التاريخ الإسلامي، أي لا يمكن اعتبار إسلامهم "الناقص" حالة طارئة، بل هو دينهم وإن كان من هذا الدين في أحيان عدة أن يتهم ذاته بالنقصان. بل لا إسلام العلماء ولا إسلام العامة أحادي الصيغة والمضمون، وانقسام كل منهما وتفرّقه إلى أشكال وتعابير لا تحصى هو المتحقق.

ثمة صعوبة منهجية عند استعراض التاريخ في التمييز بين إسلام العلماء وإسلام العامة. وهذه الصعوبة عائدة إلى أن العلماء، على ضآلة أعدادهم في مختلف الحقب، هم من تولى في آن واحد مهمة الإخبار عن أحوال المسلمين ومهمة إصلاح أمور دينهم. أي أن الاطلاع على ماضي المسلمين عبر النصوص ملوّن في غالب الأحيان بما أراده لهم علماؤهم من سلوك. طبعاً، يمكن استشفاف ومضات في ثنايا الأخبار، ولكن جلّ تاريخ المجتمعات التي يطبع الإسلام صلب ثقافتها أما غائب ومغيّب أو لا يزال وديعة النقل الشفهي والآثار غير النصية، وكلها يحتاج إلى جهد تأريخي قلّ أن تحقق.

ورغم اتساع الاختلاف في الأشكال والصور، فإنه يمكن اختزال الفارق بين إسلام العلماء وإسلام العامة بتفصيل أساسي، وهو أن إسلام العلماء سعى ولا يزال إلى التجانس والتأصيل، فيما هذا السعي غائب عن إسلام العامة، حيث الدين تعبد وشعائر ومعاملات، تتبدل وتتعدد، تتقارب وتتباعد، تتوافق وتتعارض، دون حرج. بل أن إسلام العلماء نفسه، في العديد من تجلياته، أدرك التضاد بين التجانس والتأصيل، أي بين السعي إلى رسم منظومة متكاملة من جهة، والبناء على الرصيد النصي بما يحويه من مضامين متباينة من جهة أخرى، فَرَضِي بظاهر التناقض، مبقياً الراجح والمرجوح ضمن دائرة الاعتبار.

وما هزّ التوازنات الناتجة عن هذه الأحوال هو الحداثة الداعية إلى تحكيم العقل، والتي تلقف المفكرون الإسلاميون أجزاءها، فطالبوا بتحقيق التجانس في الفكر، وفي امتثال كليّ للفعل بالقول. وفي هذا المطلب نفي مزدوج لكامل إسلام العامة، على أنه أوهام وخرافات وتخلف، ولبعض إسلام العلماء، على أنه تقليد وانحطاط ورجعية. فما تبقى هو النهج السلفي الأثري، أقرب النظم إلى التكامل والتجانس في الموروث النصي الصرف.

وكما فعل الإسلاميون، كذلك يفعل الإصلاحيون. فالمطالبة بالإصلاح الديني تشبه بمقاربتها مطالب الإسلاميين إزاء كل من إسلام العامة وإسلام العلماء، وإن أرادت الخروج بنتائج مختلفة. هي تنفي إسلام العامة، وإن زعمت بأبوية تكاد أن تكون ظاهرة بأنها تقدّر مظاهره الجمالية، وتطالب إسلام العلماء بالتحول والاندراج في إطار فكري متجانس متوائم مع قراءتها للقيم الإنسانية المعاصرة، بما يقلّص الفضاء المتاح للدين، ويتناطح مع استيعاب الإسلاميين للحداثة، والذي يرى امتداد الدين شمولياً على كامل أوجه الحياة.

وما يتفق عليه الحداثيون، الإسلاميون منهم والإصلاحيون، هو إسقاط إسلام العامة. ومع خروج هذا الإسلام من الاعتبار، تغيب معظم سبل تلقي التجربة الدينية ليكاد مصدر الدين أن يقتصر على النص. فقلّ أن يرضى المثقفون الحداثيون، الإسلاميون منهم وغير الإسلاميين، بالعرف الديني المتوارث عن الآباء، أو ببركة الشيوخ وكرامات الأولياء، أو بالإلهام الذي يناله الفرد المتعبد، أو بالتجليات الإلهية في شعائر الآخرين، كأصول مشروعة للمعرفة الدينية. والإصرار على التجانس في تشكيل المنظومة الدينية، يصاحبه قبول، هو الآخر ابتدائي وإلزامي، بتشذيب تأريخي لصدر الإسلام، بما يتعامل مع السيرة النبوية بعيداً عن الخوارق وتوصيفات الشمائل، للتوصل إلى صيغة لتاريخ الرسول والخلفاء، يرضى بها العقل الحداثي وإن لم تستوفِ صياغتها الاعتبارات النقدية الكامنة في جعبة الحداثة.

هي انتصارات حققها إذن الحداثيون الإسلاميون، من قصر التجربة الدينية على النص، إلى التوضيب التأريخي لصدر الإسلام، وحلفائهم في انتصاراتهم هذه هم الحداثيون من غير الإسلاميين، إصلاحيين وعلمانيين وملحدين، بالإضافة إلى معظم العلماء الأكاديميين الغربيين، في اعتمادهم شبه الحصري على النص بما يسطّح الرصيد الحضاري الإسلامي ويحبذ مقولة أن الإسلام هو إسلام العلماء.

غير أن في هذه المقولة تجنيا على التجربة الدينية الإسلامية، والأجدى بالدعوات الإصلاحية أن تتخلى عن التسليم بها. إسلام العلماء ليس كل الإسلام، وإسلام العامة، المُعاش والمتحول، يضاهيه في الأصالة ويزيد عنه في الحجم وإن احتجب.

والمسألة هنا ليست الدعوة للدفاع عن أي من مظاهر إسلام العامة، فهذه المظاهر تُعتمد وتُبرز ثم تُهمل وتتبدد وفق تبدل الزمان والمكان. ليس المطلوب بالتالي مثلاً التأسف على أفول الطرق الصوفية حيث تلاشت، أو السعي الفوقي إلى إعادة إحيائها، بل الإقرار وحسب أن هذه الطرق، حيث كانت وحيث هي اليوم مستمرة، مظهر صادق للتجربة الدينية الإسلامية وصولاً إلى معارضة محاولة الحداثيين الحديثين الاستئثار بتاريخ الإسلام من خلال الزعم أنها دخيلة وطارئة. يذكر هنا أن ثمة قراءة صوفية للمرحلة التأسيسية للدين، تتجلى في السلاسل التي تربط مريد اليوم بالأقطاب والأئمة وصولاً إلى الرسول. فهذه القراءة، وإن توافق الحداثيون الإسلاميون وغير الإسلاميين والأكاديميون الغربيون، على الطعن بصحتها، تختلف كماً لا نوعاً عن الأخبار التي يعتمدها ناكروها في حال محّصت بالمنهجية النقدية. أي أن التجربة الدينية، الإسلامية كما غير الإسلامية، في نهاية المطاف، ذاتية.

إعادة الاعتبار للإسلام المُعاش بمجمله على أنه تعبير صادق عن التجربة الدينية الإسلامية يعفي المسلم المؤمن من خيار صعب: فهل عليه أن يرضى باغتصاب نساء الآخرين كجزء من دينه، أو هل عليه أن "يكفر" ببعض دينه؟ لا هذا ولا ذاك، فالإسلام المُعاش يرفض السبي طبعاً وفطرة، وإن اعترض رجال الدين وسعوا إلى التمييز. فالإسلام كما يعيشه معظم المسلمين هو دين ودنيا، وقيم وأخلاق يتشاطرها المسلم مع غير المسلم. والقيم الإنسانية المعاصرة، والتي تثمّن حياة الناس وكرامتهم مسلميهم وغير المسلمين منهم، سواء أصّلها علماء الدين أو لم يفعلوا، تتجلى بالإسلام المعاش في غالب أشكاله.

من حق المؤسسة العلمية الإسلامية، بل من واجبها، معالجة علاقتها بالنصوص. وفي المقابل، من واجب المجتمعات التي يشكل الإسلام جزءاً من صلبها الثقافي، ومن حقها، فك الارتباط بين الإصلاح الديني المؤسساتي وبين تأكيدها لقيمها المُعاشة. والإسلام، كدين، يقاس بأداء هذه وتلك. إدانة الاعتداء على الأيزيديات دون تحفظ، كما غيره من المواقف التي يقتضيها الحس السليم، ليست بحاجة أن تنتظر اكتمال عقد الإصلاح في المؤسسات الدينية. وإذا كان القائمون على هذه المؤسسات غير حاضرين للارتقاء إلى المواقف الواضحة، فإن من شأن العامة من المسلمين، ومعهم سائر مجتمعاتهم، التأكيد بأن أصحاب هذا القصور ليسوا سدنة على دينهم ولا أوصياء على قيمهم.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG