Accessibility links

بقلم نيرفانا محمود/

قبل مئة عام، وبالتحديد في الثاني من تشرين الثاني 1917، أرسل وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور خطابا إلى القيادي اليهودي لورد روتشيلد يعبر فيه عن تأييده لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. إحدى النتائج غير المقصودة لبادرة الدعم التي قدمها بلفور أنها أدت إلى ظهور حالة من الهوس لدى الكثيرين في العالم العربي، وعلى الأخص أنصار الإسلام السياسي، بموضوع الصهيونية. وبالرغم من كراهيتهم الشديدة للصهيونية، درس هؤلاء الإسلاميون منذ الأيام الأولى لظهورهم الحركة بحماسة مثيرة للدهشة وأظهروا رغبة شديدة في استنساخ نجاحها.

وهناك سبب بسيط وراء ذلك وهو أن الإسلامويين اعتبروا الصهيونية نموذجا يمكن تكراره، وآمنوا بأنه طالما تمكن الصهيونيون من توحيد اليهود، بغض النظر عن جنسياتهم، وأوجدوا لهم وطنا، فبإمكان الإسلامويين توحيد معظم إن لم يكن كل المسلمين في "أمة" واحدة.

أوريا شافيت وأوفير ونتر كتبا حول الكيفية التي ينظر من خلالها الإسلامويون إلى جوانب في الصهيونية باعتبارها مثلا يجب أن يحتذى. ولاشك إذا تفحصنا مشروع الإسلامويين للنهضة، فيمكننا بسهولة أن نجد العديد من العناصر المستعارة من الصهيونية. وحسب شافيت وونتر، يعتقد بعض الإسلامويين بأن إسرائيل هزمت العرب لأنها طبقت مبادئ أرادوا هم (الإسلامويون) أن يطبقوها في المجتمعات العربية مثل الالتزام الديني والحراك والروابط القوية بالشتات.

الجوانب الأخرى التي لاحظها الإسلامويون في الصهيونية، بمزيج من الحسد والإعجاب، هي قيام القومية اليهودية بإحياء اللغة العبرية وكيف بدأ اليهود في استخدامها كلغة حديثة. هذه المهمة لم تكن بهذه السهولة بالنسبة للإسلامويين. فبعيدا عن مجرد إحياء أو تفعيل العربية الكلاسيكية الموجودة أصلا، حاول الباحثون الإسلاميون المعاصرون إعادة الحياة إلى اللغة العربية القروسطية، التي كانت تستخدم أيام الخلافة. ولسوء الحظ، فإن استخدام هذه العربية الغابرة كان مقصورا على الكتب الدينية والتأريخية وبالرغم من قلة هذه النصوص فإن بعض الباحثين الإسلاميين سعوا إلى إدراج مصطلحات قروسطية في المحادثات اليومية لتمييز أتباعهم عن غيرهم من المسلمين.

والأهم من ذلك، حاول الإسلامويون استنساخ النجاح الذي حققته الصهيونية في العواصم الغربية. أحد أهم الهواجس في العالم العربي كان ولا يزال هو قدرات اللوبي الصهيوني، وهو أمر بالغ فيه كثير من الإسلامويين. كان هدف هؤلاء الإسلامويين إقناع الغرب لتقبل الإسلاميوية بوصفها مزيجا من الدين ونمط حياة وهوية سياسية.

هذا المزيج في الواقع هو مجموعة من الخواص التي تمثلها الصهيونية في العالم اليوم.

حاول الإسلامويون كذلك إقناع الغربيين بأن جماعاتهم المتناثرة في العالم الإسلامي هي الدواء لأمراض الشرق الأوسط من قبلية وطغيان، وأن هذه الجماعات، على بؤسها، يمكنها أن تكون قوة توحد الشرق الأوسط لكي يمكن للمنطقة وشعوبها المسلمة من التواصل على نحو أوثق مع الغرب. نجحت جماعات مثل الإخوان المسلمين في مصر والنهضة في تونس، قبل وأثناء الربيع العربي، إلى حد ما في كسب تعاطف كثير من الأكاديميين الغربيين، ولكن هذا النجاح لم يدم طويلا إذ فشل الإسلام السياسي في إثبات شعبيته المزعومة في كثير من الدول المسلمة. وساهمت عوامل كثيرة في هذا الفشل ومنها فشل الإسلاموية في استنساخ نموذج النجاح الصهيوني.

لقد بُنيت تصورات الإسلامويين عن الصهيونية عبر التاريخ على حقائق قليلة وكثير من الأساطير والأوهام. افترض كثير منهم بسذاجة أن استعارة بعض الأدوات من الصهيونية، كجماعات الضغط والحراك، كافية لضمان نجاح مماثل. وكان هذا الافتراض منقوصا إذ إن التكتيكات بمفردها من دون رؤية واضحة لا تكفي لمساعدة أي حركة في تحقيق النجاح.

نجاح الصهيونية لا يكمن في أيديولوجيتها ولا في قدرتها على الضغط، بل في تمكنها من تحديث العلاقة بين الدين والدولة. في مقال لـ "الحرة" كتب الباحث صامويل تادروس عن كيفية تعامل مؤسسي الصهيونية مع أزمة الحداثة. بالتأكيد، فقد تمكن الصهيونيون في مسعاهم لتأسيس وطن لليهود، من إعادة إحياء اليهودية، ولكن أثناء ذلك تمكنوا أيضا من فصل التفسير الحرفي عن الدين ليمكنوا الدولة من تبني قيم ليبرالية حديثة.

في المقابل، فشل الإسلامويون في ذلك. عجزهم عن صياغة رؤية واضحة وحديثة لدولة مسلمة حول مشروعهم النهضوي إلى صاروخ من دون مسار لم يرقَ إلى مستوى توقعات جمهور أوسع من دائرة الأتباع المنتظمين في الجماعات الإسلاموية.

لا شك في أن نجاح الصهيونية كان ضربة قاصمة للعالمين العربي والإسلامي، ولا يزال الجرح العاطفي بوعد بلفور ينزف غضبا ونقمة، وهيمن هذا الغضب العربي على الذكرى المئوية لوعد بلفور. إلا أن هذا الغضب ليس جديدا، بل هو في الحقيقة غضب عقيم. في عام 1925، احتج العرب على زيارة بلفور لدمشق بنفس الغضب والعدائية، ولكن هذا الغضب فشل في تغيير الخطاب الصهيوني قبل نحو مئة عام ومن غير المرجح أن يكون له تأثير الآن.

الأفضل للعرب أو للإسلامويين أن يحولوا إحباطهم من وعد بلفور إلى حوار صادق مع النفس. التعلم من التجربة الصهيونية ليس خطأ، ولكن عليهم أن يتعلموا الدروس الصحيحة. لقد نجحت الصهيونية لأنها حدَّثت اليهودية، في حين أن الإسلاموية بكل أطيافها وأشكالها، أعادت الإسلام إلى العصور الوسطى وفشلت في تبني قيم الحداثة الأساسية: المساواة والتنوع والحرية.

مئة عام مضت على وعد بلفور، ولم يتعلم أحد بعد من دروس الصهيونية أو يطبقها.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG