Accessibility links

استيراد مفاهيم معاداة السامية من الخارج (3-4)


صورة من الكتاب

بقلم نبراس الكاظمي/

أصابني الذهول عندما تناولت كتابا باللغة العربية — مطبوع في عقد العشرينات من القرن الماضي بمصر— "يداعي" بالصهيونية ويدافع عنها. قد يظنه المرء في بادئ الأمر على أنه من نتاج أحد الكتاب اليهود الشرقيين، ولكن اسم المؤلف الموسوم على الغلاف يوحي بأنه ليس يهوديا، وعلى الأرجح كان مسيحيا مارونيا من أسرة سركيس والتي هاجر قسم من أبنائها من لبنان إلى نواحي مصر في نهايات القرن التاسع عشر.

وكونه مسيحي الديانة ويكتب بصورة إيجابية عن اليهود، ففي ذلك أيضا معان كثيرة، إذ إن قسطا وفيرا من مفاهيم معاداة السامية كان قد انتقل من أوروبا إلى المشرق في مراحل محددة من خلال العلاقات ما بين التجار والمبشرّين الأوروبيين مع الأقليات المسيحية المتنوعة في بلاد الشام. فمثلا، أولى النصوص التي تم ترجمتها إلى العربية من لغات كالفرنسية والتي كانت معادية لليهود تمت على يد قساوسة وصحفيين مسيحيين في لبنان ومصر (في نهايات القرن التاسع عشر). ويرى بعض المؤرخين بأن الأمر، وإن كان نابعا من التراث المسيحي المعادي تقليديا لليهود، فإن مرده الحقيقي هو التنافس التجاري ما بين الأقليات اليهودية والمسيحية في الفترة العثمانية.

ويبدو أن ميشيل سركيس، مؤلف "كتاب النهضة الإسرائيلية وتاريخها الخالد" (مطبعة رعمسيس بالفجالة بمصر)، كان واعيا لهذه الحزازيات المتجذرة ما بين المسيحيين واليهود في المشرق، فيقول "لا يهمني أن يقال مسيحي يمدح اليهودية"، وفي موضع آخر يجيب على ما "قد يقول بعض الحاسدين وأعداء الخير والاتحاد غدا. هذا مسيحي. فما شأنه بنهضة إسرائيل؟ ولماذا اهتمامه بأمور الإسرائيليين؟" برده أن هذا هو عهد الإنسانية الجامعة للجميع، ويرى دوره لا كمسيحي وإنما هو يقدم خدمة إنسانية تساهم في اتحاد عناصر الشرق، وبأنه يستلهم هذا الهدف من النهضة المصرية حيث "تعانق الإمام والقس والحاخام في المساجد والكنائس" وانصرفوا إلى البناء، فيريد هذه الروحية أن تنتشر في ربوع فلسطين أيضا، لأن التغيير قادم لا محالة إليها، "وأن الناظر إلى ما حدث في العالم بعد وقوع الحرب العالمية العظمى. حيث سقطت ممالك وقامت أخرى. ونزعت تيجان من رؤوس ملوك. ولبس آخرون تيجانا. وتغيرت الخرائط الجغرافية القديمة. وعقدت المؤتمرات الصلح والسلام بين الشعوب المتخاصمة المتنازعة. إن الناظر إلى ذلك كله في الوقت القصير الذي نحن فيه. لا يستبعد إتمام النهضة القومية الإسرائيلية في وقت قريب جدا بعد أن تهيأت معداتها وأعلنت أسبابها. وعظمت حركتها. وامتدت الدعوة إليها في سائر الأنحاء". إذن، سيتذكر التاريخ، حسب استنتاج سركيس، بأن "حينئذ يحق لنا ان نفتخر بكتابنا هذا لانه يكون بمثابة أول صوت ارتفع في الشرق لتحية الناهضين في الشرق والغرب. وأول بشير بالسلام والاتحاد. لأنه في نوعه فريد. وفي أسلوبه كأنه موقظ جديد".

لا يمكن للمؤلف بأن يدعي بأن كتابه هذا فريد من نوعه، إذ كانت هناك أصوات ظهرت في الصحافة العربية، وإن قل عددها، تجد بأن لابد من استثمار همّة الصهاينة ونفوذهم العالمي (حسب الاعتقاد السائد) ورغبتهم في العودة إلى أحضان المشرق من أجل نهضة أوسع وأسمى لكافة الشعوب القاطنة فيه. ويبدو بأن هذه النظرة كانت سائدة لدى الجماعات التنويرية التي كانت ترى بأنها قد أعتقت نفسها من الهويات الجزئية، القومية منها والمذهبية، نحو مفاهيم "الوطنية" و"الاتحادية" وخصوصا الجماعات الماسونية منها. ويتضح الأمر جليا في قيام سركيس بإعادة نشر بلاغ المحفل الماسوني الوطني المصري الأكبر إلى أهالي فلسطين القائل "تذكروا أن اليهود هم أخوتكم وأبناء عمومتكم قد ركبوا متن الغربة فافلحوا ونجحوا"، وبأن "العربي والعبري صنوان من شجرة إبراهيم". فكان الطموح آنذاك هو التماهي ما بين النهضتين العربية والإسرائيلية.

وكتاب النهضة الإسرائيلية غير مؤرخ، ولكن لنا أن نستدل من الإهداء المعنون إلى "هربرت صموئيل المندوب السامي لجلالة ملك بريطانيا العظمى بفلسطين" بأن سركيس كتبه قبيل مغادرة صموئيل لهذا المنصب في منتصف عام 1925، أما كونه قد ذكر "مشروع روتمبرج" لمد الماء والكهرباء فذلك يعني بأننا نستطيع أن نؤرخ الكتاب إلى ما بعد عام 1923 حينما انطلق هذا المشروع في فلسطين.

قد يعتقد القارئ اليوم بأن سركيس كان غشيما أو مغفلا في حماسه للصهيونية، ولكن إن عدنا إلى زمنه سنجد بأنه كان يكتب هذه الكلمات وهو يعي تأثير خطابات معاداة السامية على المتلقي العربي والشرقي، والتي كانت تؤطر باللغات التركية والعربية منذ أربعين سنة مضت قبيل نشره لهذا الكتاب. أما قضية الاستيطان اليهودي في فلسطين فهي من الأمور التي أشغلت مثقفي ذلك الزمن بصورة كبيرة. بل هو يقول بأنه ذهب إلى فلسطين لتقصي الحيف الواقع على أهلها المظلومين هناك وكي يلمس الحقائق بصورة مباشرة، ولكنه تفاجأ عندما وجد الواقع مغايرا للدعاية القائلة آنذاك بأن "اليهود عاطلين كسالى متمردين بولشفيين يكرهون النظام يرغبون في الفوضى والعداء يبغضون عرب فلسطين وآلها ويسعون في الكيد لهم...". وحتى بعض الدعايات المتطرفة دعته ليراجع قناعاته، إذ انه تفاجأ، مثلا، بالطاقم الطبي اليهودي المتنقل الذي كان يجول على القرى العربية ويعالج مرضاها مجانا، وقول من يعادي اليهود بأنه هذه الأعمال تندرج ضمن "حيلة لاكتساب عطف ومحبة الأمة الفلسطينية رغم أنفها". وكان يدرك سركيس بأن"هنا يوجد حزب قوي لا يهمه أن يشهر بك في الصحف ويطعن في شخصيتك إذا ما رآك تميل مع اليهود وتقول فيهم طيبة ولو كانت حقه وأقل ما يقوله فيك أنك مأجور مرتش".

قد لا نعلم ما هي الدوافع الحقيقية التي أدت بسركيس إلى فتح هذه الجبهة على شخصه، وربما في الأمر أيضا منفعة مالية مرجوة كان يتأملها من أثرياء اليهود، إذ من يضع أدلة وتراجم للمشاهير عادة ما يسعى إلى استمالتهم لشراء نسخ كثيرة من كتبه كي يوزعوها على معارفهم. ولكن إن أراد ذلك فعلا، في زمن كزمانه مشحون بالعواطف والغضب، لربما كان من الأسهل عليه بأن يؤلف كتابا مناهضا للصهيونية ومن ثم يستميل يهود مصر والمشرق ليعبروا عن مشاعرهم الوطنية بالضد من الصهيونية أيضا، وهكذا سيكون المربح المادي أكبر من دون صداع الرأس المصاحب للمسائل الجدلية.

ولكن سركيس اختار المشاكسة، فنراه يمتدح ثيودور هرتزل، وحسب رأيه فإن الصهاينة "يريدون وطنا قوميا أقره لهم التاريخ وأثبتت حقوقهم فيه الكتب السماوية" ويعقّب بأن تصريح بلفور هو مجرد "تصريح بالحق وليس فيه ما يستوجب الاندهاش ... ". وأيضا قوله "لا يعتبر اليهود في فلسطين أجانب عنها وهي بلاد شرقية كانت لأجدادهم من قبل وعظام أولئك الأجداد مدفونة فيها"،ليعود دوما إلى دعوته في الاتحاد ما بين اليهود وغيرهم في المشرق فـ "إنهم قوة لكم على بلوغ آمالكم. قوة مالية وقوة علمية ستجدون منهم أعوانا على الخير". كما يشير سركيس بشيء من التفصيل عما أنجزه الصهاينة في فلسطين في غضون سنوات معدودة، فها هي تل أبيب التي كانت "أطلالا دارسة وصحراء قاحلة"، فحولها اليهود إلى "باريس الصغرى"، مضيفا "كان عدد بني إسرائيل في فلسطين سنة 1841 ستة آلاف نسمة فبلغ في سنة 1906 أربعين ألف نسمة. أما الآن فقد تضاعف إلى ما يزيد عن ضعفي هذا العدد".

ولكن أغرب ما في الكتاب هي النصائح التي يوجهها إلى يهود المشرق الذين يراهم متقاعسين عن دعم الصهيونية، في حين أن "إخوانهم الغربيين انفقوا الملايين من الجنيهات في أحيائها ...". ويحيل هذا الأمر إلى "الروح الفاترة" في الشرق وبأن الشرقيين "مهملون نائمون أنه جمود ظاهر فإذا كانت الحالة العلمية في الشرق لم تبلغ شأن أختها في الغرب فاللوم واقع على كل شرقي لا يصلح هذه الحالة...". وثم يدعو إلى انعقاد مؤتمر عام ليهود الشرق والغرب كي يتدارسوا كيفية التسريع بوتيرة الاستيطان في فلسطين و"ليت الغربيين من أبناء الأمة الكريمة يمدون أيديهم إلى إخوانهم الشرقيين فيساعدوهم على الرقي إلى مصاعد النجاح". وثم يذهب إلى جزئيات ومسائل فرعية مثل الدعوة إلى قيام اليهود بالتنقيبات عن آثار أجدادهم لأن "في الاراضي المقدسة كنوزا ثمينة وليست كنوزا مالية فحسب، بل كنوزا أثرية علمية إذا تم استكشافها، وأذيعت أسرارها، وانحلت رموزها، تقدم العلم والتاريخ بذلك تقدما تضاف به صفحات جديدة مجيدة إلى تاريخ الشرق كله...".

وفي النهاية ينوه لنا سركيس رغبته في السياحة ما بين اقوام اليهود حول العالم ومن ضمنها الزوايا البعيدة والمنعزلة في رحلة مشابهة لما قام بها قبيل تأليف الكتاب حينما تجوّل في اليمن وعدن وسلطنتي لحج ومسقط مستطلعاً أحوال يهودها وربما تُثمر هذه المشاهدات الجديدة بكتاب ثان حول الموضوع ذاته.

فائدة هذا الكتاب تكمن في إيضاح بأن الرغبة للتفاهم والانسجام ما بين العرب واليهود في فلسطين بقيت متوهجة حتى منتصف العشرينيات بالرغم من مرور عقود من انتشار خطابات معاداة السامية وتعالي الأصوات المنادية بالحرب. ومن يتتبع خطابات الحركة الصهيونية قد يجد فيها سردية مترادفة مع سردية سركيس، استمرت هي أيضا منذ أن وضع هرتزل تصوراته لهذا الانسجام مرورا بمنشورات ديفيد بن غوريون الداعية إلى العمل سوية مع العرب.

ولكن في نهاية الأمر لم تكن الغلبة لأفكار ونصائح ميشيل سركيس ولا لأقرانه الصهاينة، فمالت الكفة لدى التطرف من جانب الطرفين، والتنقيبات الأثرية الجارية في الأراضي المقدسة حاليا تماثل من يغوص في حقل مليء بالألغام، لتمسي عظام الأجداد مدعاة لإلغاء وجود "الآخر".

للإطلاع على كتاب "النهضة الاسرائيلية" اتبع الرابط التالي:

http://www.imarawatijara.com/nahdha_israeliya.pdf

ــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG