Accessibility links

تأكيدا لحقوق الفلسطينيين


لاجئون فلسطينيون في مخيم الوحدات في الأردن

بقلم حسن منيمنة/

التشديد على أن القضية الفلسطينية هي "القضية المركزية" في الشرق الأوسط ليس نابعاً من العدم، وإن جرى استغلال هذا القول وتوظيفه وتجييره لتعمية مظالم تفوق التي يرزح تحتها المجتمع الفلسطيني بأشواط. فالإنسان الفلسطيني يعيش إما تحت وطأة الاحتلال أو في واقع التشريد، وهو هنا وهنالك مغبون وحقوقه منتقصة. وإذا كان حل القضية الفلسطينية يتطلب تسويات سياسية وتنازلات واقعية، فإن من الواجب المعنوي أن يتضح الإطار الحقوقي فكرياً في الثقافة العربية، كي تكون المطالبة بإنصاف الإنسان الفلسطيني قائمة على معالم واضحة.

المنطلق هو طبعاً إثبات الحق بالحياة والحرية والكرامة، مع الإقرار بأن هذه للأسف ليست من المسلمات في الإطار الداخلي الفلسطيني، بفعل الاقتتال والتعسف، أو في سائر المحيط العربي. وبغضّ النظر عن هذا الإقرار فإن من المعيب على من يلتزم بأعلوية حقوق الإنسان ضمن الأسرة الدولية، وإسرائيل ابتداءً، أن يبقى الإنسان الفلسطيني محروماً من أوجه أساسية من حقوقه غير القابلة للتصرف هذه. وعلى رغم خطورة هذا التقصير، فإن الشأن الأكثر دقة، بل الذي يشكل عقبة أمام تحقيق حقوق من هو تحت الاحتلال، هو الإبهام حول حقوق الإنسان الفلسطيني في المنفى.

فلهذا الإنسان الفلسطيني الحق الطبيعي والتلقائي بالعودة إلى داره مهما طال تعذر تحقيق هذا الحق، وحقه هذا لا يزول بالتقادم، أي أن له أن ينقل حق العودة إلى ذريته. (إلا أن لهذا الإجمال قيودا في التفاصيل، نستعرضها بعد قليل).

ولكن للإنسان الفلسطيني كذلك الحق بأن يختار ألا يعود بل أن يجعل من البلاد التي لجأ إليها، هو أو آباؤه (على الراجح) أو أجداده (على الأرجح)، وطناً له، وإن حكمت بقاءه فيها اعتبارات تختلف بين بلاد وأخرى. فالأردن قد اختار منح الجنسية للفلسطينيين المقيمين فيه، فيما لبنان مثلاً، حفاظاً على التوازن الطائفي الدقيق، منعها عمّن لجأ إليه من الفلسطينيين، رغم تواجدهم فيه لأجيال متعاقبة، بل جعل من رفض "التوطين" أساساً ميثاقياً من أسس الجمهورية الثانية مع انتهاء الحرب الأهلية قبل ربع قرن. والتوطين، بمعناه القسري الجماعي، كما التشريد، هو ممارسة فوقية قهرية مرفوضة حتماً، أما التوطّن، بمعناه الفردي الاختياري، فحقّ فطري لهذا الإنسان الفلسطيني الذي لم يعرف من الأوطان إلا لبنان حيث ولد وعاش، وإن لم يرتقِ النص اللبناني إلى تأصيله.

ولكن هذا الحق ليس حقاً قائماً بذاته في فضاء خالٍ ممّا عداه. أي أنه يأتي بمواجهة حقّ آخر، هو حق الإنسان اللبناني باستمرار الاستقرار في حياته ومجتمعه، انطلاقاً من أن لبنان بيئة تعددية من شأن الاستيعاب غير المضبوط للفلسطينيين الراغبين بالجنسية اللبنانية أن يؤدي إلى الإطاحة بانتظامها. تصبح المسألة هنا الموازنة بين حقّين وليس تغليب أحدهما على الآخر، وذلك من خلال التدرج وإيجاد السبل العملية على أساس الحالات الفردية.

وللإنسان الفلسطيني، سواء عاد أو بقي، الحق بأراضيه ومنازله وممتلكاته التي تخلّى عنها، أو بالتعويض الصادق عنها، مهما اختلفت ظروف تخليه عنها، سواءً هجرها خوفاً أو تلبية لدعوة ممّن أوهمه بأن العودة إليها قريبة، أو التي تنازل عنها لمقابلٍ زهيد غبناً واضطراراً. ولا بد من مراعاة الظروف التي أدت إلى افتقاد الصكوك والسجلات، والشروع بإعادة تشكيل حالة الملكية على أساس المعطيات المتوفرة، وذلك إما للاسترداد أو للتعويض المنصف.

فبعيداً عن الإجمال الجماعي في توصيف الحقوق ومصادرتها للطروحات السياسية، وبالإضافة إلى الحقوق غير القابلة للتصرف بالحياة والحرية والكرامة، فإن القضية الفلسطينية هي قضية حقوق جلية للإنسان الفلسطيني، بالعودة والبقاء واستعادة الملكية، وإن كان لهذه الحقوق قيود ناجمة عن حقوق مقابلة للآخرين في المجتمعات المتأثرة بالقضية الفلسطينية.

والمقصود بهؤلاء الآخرين ليس فقط اللبنانيين والأردنيين وغيرهم في الجوار والمحيط العربي، بل الإسرائيليين كذلك.

فكما أن اعتبارات الاستقرار تقلق الفرد اللبناني عند الحديث عن استيعاب الفلسطينيين، فمن البديهي أن هذه الاعتبارات تشكل حقاً للإنسان الإسرائيلي عند الإشارة إلى موضوع العودة. لا يمكن، لا بالعقل ولا بالفطرة السليمة ولا وفق الأعراف والنصوص الحقوقية الدولية، أن يطالب أي أنسان بالرضوخ لما فيه تصفية وجوده والقضاء على مجتمعه. ولا يمكن بالتالي توقع انصياع الإسرائيليين للمطلب الأقصى، والذي لا يأخذ حقوقهم بعين الاعتبار، بعودة غير مشروطة للفلسطينيين. هذا لا ينفي حقّ العودة، ولكنه يضعه في مقابل حق إسرائيلي بالاستمرار والاستقرار. والمسألة، كما في الحالة اللبنانية، هي إذن الموازنة بين الحقين.

وإذا كان يمكن جدلاً مقاضاة المسؤولين عن مأساة فلسطين، من العرب واليهود الذين اتخذوا قرارات مسيئة قبل سبعين عاماً، فإن تعاقب الأجيال لا يلغي هذه الإمكانية وحسب، بل يُبرز في هذا المشرق إسرائيليين لا يعرفون إلا إسرائيل موطناً لهم ولآبائهم وأجدادهم. وتصويرهم على أنهم دخلاء، والتشنيع في هذا التوصيف، لا يبدّل هذه الحقيقة بشيء. ومن يعتبر أن تدمير المجتمع الفلسطيني عام ١٩٤٨ كانت مأساة وجريمة لا يستقيم أن يطالب، لا في السرّ ولا في العلن، بتكرار المأساة والجريمة بحق المجتمع الإسرائيلي.

فما للإنسان الفلسطيني من الحقوق ينطبق بالكامل على الإنسان الإسرائيلي، بغضّ النظر عن أي تصوير لإسرائيل ككيان ظالم، وفي مقابل هذا التصوير تصويرات للعالم العربي والشعب الفلسطيني وللأمة الإسلامية ككليات ظالمة. أي أن للإنسان الإسرائيلي الحق بالعودة، وإن اختار ألّا يطالب به، والبقاء حيث هو، أي في إسرائيل، وصون الملكية، بما في ذلك ما تخلّى عنه اليهود في المحيط العربي.

والقضية الفلسطينية، وإن كان الأمر لا يذكر كذلك في معظم الخطاب السياسي العربي، قد ابتدأت قضية تهجير وتهجير مقابل، وتضييق وحرمان من جهة وتضييق وحرمان مقابلين من جهة أخرى. فكما أن الفلسطينيين قد روّعوا وأوهموا وأخرجوا من ديارهم، فإن مئات الآلاف من اليهود من دول المنطقة قد خضعوا للإساءة والإهانة والغبن والترويع.

وفي حين أن السردية السائدة في الثقافة العربية اليوم تريد أن تعارض بين خروج الفلسطينيين من ديارهم مكرهين مشردين، وبين رحيل اليهود طوعاً بل طمعاً، بل تلقي اللوم على الحركة الصهيونية لاستدراج اليهود من الحواضر العربية، فإن الاعتداء الكلامي والجسدي على اليهود في المحيط العربي في دفاع مفترض عن العرب في فلسطين كان ظاهرة متصاعدة. لا شك أن التبادل القسري الذي حصل لم يكن متكافئاً من حيث الاحتضان السياسي، وإن كانت الأرقام متقاربة. فمئات الآلاف من الفلسطينيين إذ خرجوا من ديارهم أسكنوا المخيمات مع الإصرار على حتمية إعادتهم، فيما مئات الآلاف من اليهود، من العراق والمغرب واليمن وسورية ومصر وليبيا وتونس والجزائر ولبنان، في مراحل متتالية، إذ خرجوا مطرودين أو راغبين أو مكرهين أو خائفين، استقبلوا في إسرائيل الناشئة على أنهم مادتها السكانية المطلوبة، فكان استيعابهم، وإن ببعض التخبط.

غير أن الاختلاف في التعبئة ثم في الاستيعاب لا ينفي حقيقة أن اليهودي البغدادي، إذ باع ممتلكاته بأبخس الأثمان، كان مرتاعاً مضطراً، وأن اليهودي المغربي، حين ركب زوارق الهروب إلى المهجر ثم إلى إسرائيل كان يترك دياره ليس سعياً للهجرة إلى صهيون وحسب بل خشية على حياته من وعيد خطاب قومي وديني يهدده ويشيطنه. ولهذا وذاك، كما أن للفلسطيني، في منفاه وفي مستقرّه، حقوقا لا بد من أن تصبح جزءاً من الحوار حول مستقبل الصلح في المنطقة.

ووضع الحق الفلسطيني في سياقه الإنساني الطبيعي، من خلال الإقرار بالحق الإسرائيلي كما هو حق المواطنين في دول المنفى الفلسطيني كافة، عرباً ويهوداً وغيرهم، لا يبدده بل يزيده صدقية وينزّهه عن التوظيف السياسي، ليصبح الهدف منه صالح الإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال وفي الشتات.

المثل المشرقي يقول إن المطلوب هو أكل العنب لا قتل الناطور (أي حارس الحقل)، والمطلوب في المرحلة المقبلة، صوناً لكل الحقوق الإنسانية، الإقرار بأنها تشمل الجميع، كما الإقرار بأن الحقوق قد تتعارض وتتضارب، ولكنها لا تنتفي، ما يفرض على الجميع الحاجة إلى موازنتها والتوفيق بينها.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG