Accessibility links

لماذا يتمسك خاشقجي ببيعته لـ'ولاة الأمر'؟


جمال خاشقجي

بقلم منصور الحاج/

في الـ 18 من سبتمبر الجاري، نشرت صحيفة "الواشنطن بوست" مقالا للكاتب السعودي جمال خاشقجي انتقد فيه حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت كتابا ومفكرين ودعاة ورجال دين أبرزهم الشيخ سلمان العودة وعوض القرني وحسن المالكي.

وعلى الرغم من وصف خاشقجي الوضع في بلاده بأنه "لا يطاق"، وإلقائه اللوم "ضمنا" على ولي العهد محمد بن سلمان إلا أنه أعلن بوضوح أنه لم يتحول إلى معارض سياسي، كما كرر في عدة لقاءات إذاعية وتلفزيونية بأنه لا يزال مواليا لآل سعود وملتزما ببيعته لولاة الأمر.

إصرار خاشقجي على التزامه ببيعته ونفيه معارضته لم يشفع له كثيرا لدى أنصار السلطة وأغلبهم من أصدقائه وزملائه وتلامذته الذين رأوا في كتابته ضد بلاده في صحيفة أجنبية وانتقاده للاعتقالات، خيانة لا تغتفر فكالوا له الشتائم البذيئة واتهموه بالنفاق والأنانية والعمالة لصالح جماعة الإخوان المسلمين وبتلقي أموال من دولة قطر.

لا أرى أي غرابة في مدى الفجور في الخصومة الذي أبداه معارضو خاشقجي في المقالات والتقارير المنشورة في الصحف السعودية، وفي تغريداتهم وردودهم فقد بات معلوما للجميع أن ولي العهد محمد بن سلمان الذي وصفه خاشقجي بأنه "يتمتع بكاريزما" يحاسب المواطنين على صمتهم ولا يقبل النقد إطلاقا، ولا يتوقع من الشعب سوى التأييد المطلق لكل سياساته ورؤاه وحروبه واعتقالاته. فمن غير المنطقي توقع أن يحظى مقال خاشقجي بهجوم أقل ضراوة من الذي يواجهه، فالاعتقالات مستمرة وحالة العداء مع قطر في تصاعد خطير بلغت حد الدعم الصريح لتغيير النظام في الدوحة، كل ذلك وسط أنباء عن صراع داخل العائلة الحاكمة بين مؤيدي ومعارضي تولي محمد بن سلمان مقاليد الحكم في البلاد.

وعودة إلى إصرار خاشقجي على التزامه ببيعته لولاة الأمر، ولكن ليس على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره كما تنص بنود البيعة ولكن على قول الحق وإسداء النصح للحاكم، فهو بهذا الطرح غير المعهود للبيعة يقدم تفسيرا جديدا يتماشى مع أدبيات الإخوان الذين يتبرأ منهم أحيانا ويغازلهم أحيانا أخرى. وحسب خاشقجي، فإن الفكرة الإخوانية فكرة "جيدة" إجمالا لكنها بحاجة إلى تجديد بعيدا عن تراث حسن البنا وأن الدفاع عن معتقلي الرأي "عمل نبيل" ولا يحتاج المرء أن يكون إخوانيا للقيام به.

أما تهم انتمائه للإخوان كتنظيم، فإن فيها مبالغة وصدقا في آن واحد. فالرجل في اعتقادي واقعي يؤمن بالمعنى العام للفكر الإخواني الذي يرى أن غالبية المجتمعات الإسلامية تميل إلى المحافظة وأقرب إلى الإخوان منها إلى العلمانيين والليبراليين. كما لا يخفي الرجل إعجابه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتجربة حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي في الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها والارتقاء بالبلاد اقتصاديا، بل إن خاشقجي برر الاعتقالات التي قام بها أردوغان وشملت آلاف الأشخاص بعد فشل المحاولة الانقلابية بحجة وجود تنظيم يخترق أجهزة الدولة ويعمل على إسقاطها.

إن هناك عدة أسباب تدفع السعودية والإمارات إلى التخوف من جماعة الإخوان وتبرر الهجوم الشرس على الفكر الإخواني ورموزه، أبرزها قدرة الجماعة على حشد الجماهير والوصول إلى السلطة عبر خطاب إسلامي شعبوي ساهمت قناة "الجزيرة" في الترويج له وترسيخه بحيث أصبح القاسم المشترك للسواد الأعظم من الشعوب العربية والإسلامية. بالإضافة إلى ذلك، تخشى السعودية من أي قوى تحاول المساس بزعامتها الدينية في العالم، فالخطاب الإخواني يخوّن آل سعود ورجال الدين التابعين لهم نسبة لسير السياسة السعودية في الفلك الأميركي واقترابها رويدا رويدا من التطبيع الكامل مع دولة إسرائيل وهذا يفسر اعتقال رجال دين ودعاة مشهورين ولديهم ملايين الأتباع لعدم تأييدهم الموقف السعودي والإماراتي ضد قطر، الأمر الذي رأت فيه السلطات السعودية تحريضا غير مباشر.

وكما أن الرجل لا يستحق كل تهم العمالة والخيانة فهو لا يستحق أيضا التبجيل والإطراء الذي أتحفه به معارضون سعوديون وكتاب غربيون، فلم يعرف عن خاشقجي يوما ولعه بالدفاع عن المعتقلين وما أكثر الذين تم اعتقالهم حين كان مهادنا للسلطة كما لم يعرف له غرام بالمطالبة بالحقوق والحريات.

وللأمانة، فإن الرجل لم يدعِ يوما أنه مناضل حقوقي فهو يعلم أنه كان أداة بيد السلطة ومؤيدا كبيرا لها طوال حياته، ولم نر له أي اعتراض على انتهاكاتها إلا بعد أن أبعده ولاة أمره وأخرسوه واستغنوا عن خدماته عندها فقط خشي الرجل على وظيفته ونفسه وعائلته ففر بجلده إلى واشنطن، وأطلق لقلمه العنان فكتب المقال المذكور وغرد بلا قيود في تويتر وتحدث للفضائيات بلا خوف.

ولم يكتف خاشقجي بلعب دور المهادن للسلطة فقط بل ساهم في تضليل الشعب السعودي وتبرير فشل السلطات السعودية في القضاء على البطالة، عبر تحميل الأجانب مسؤولية البطالة في البلاد محرضا بذلك ضد الشريحة الأضعف في المجتمع السعودي. فبدلا من أن يتوجه المواطن إلى لوم سلطات بلاده لفشلها في توفير الوظائف كما هو معتاد في دول العالم، ساهم خاشقجي في انتشار ظاهرة كراهية الأجانب في المجتمع السعودي فظهرت جماعات كـ"السعودية للسعوديين" وانتشرت الأوسمة المعادية للأجانب كـ"احتلال الأجانب للوظائف المهمة" و"الأجانب دمروا الوطن" و"ترحيل الأجانب مطلب وطني" على مواقع التواصل الاجتماعي.

أما نفي الرجل انضمامه للمعارضة على الرغم من معارضته الفعلية للنظام، فيعود في اعتقادي إلى علمه بشراسة آل سعود وخبثهم في استهداف المعارضين والتخلص منهم ولو كانوا أولي قربى نسبة لعمله في سفارتي بلاده في كل من لندن وواشطن حيث يتركز أغلب المعارضين، فيما ذهب بعض المحللين إلى أن خاشقجي يحظى بدعم أمراء يعارضون وصول بن سلمان إلى سدة الحكم ولذلك فهو يحرص على تأكيد ولائه لآل سعود وعدم معارضته لحكمهم ويطمح إلى العودة إلى البلاد في حال نجاح هذا التيار في إزاحة بن سلمان.

نفور خاشقجي من المعارضة يؤكد تشربه بفكرة "الخصوصية السعودية" التي ترى في معارضة ولاة الأمر رجسا من عمل الشيطان وخطا أحمر لا يجب الاقتراب منه الأمر الذي يرسخ فكرة الولاء المطلق للحاكم، ويشيطن فكرة المعارضة التي في أساسها ظاهرة صحية ومفيدة تساهم في تطور المجتمعات ورقيها في التعامل مع أصحاب الآراء المختلفة وتحد من العصبية والتطرف التي شابت غالبية التغريدات والمقالات التي هاجمت خاشقجي.

في اعتقادي، لا يستحق موقف خاشقجي بانتقاد سلطات بلاده لاعتقالها عشرات وتمسكه بالولاء لولاة أمره كل هذه الضجة التي أثارها، فقد ارتكب النظام السعودي انتهاكات حقوقية وفظائع أكبر من الاعتقالات الأخيرة، فقد قتل آلاف اليمنيين وتسبب في تشريدهم وتجويعهم وانتشار وباء الكوليرا في بلادهم وهذه انتهاكات تصنف كجرائم حرب لم يُدنها خاشقجي ولم يتطرق إليها إطلاقا.

خاشقجي ابن وفيّ لنظام آل سعود فهو الذي صنعه وفي خدمته أفنى الرجل جل عمره ولولا أنهم أخرسوه، ولولا خشيته على نفسه من الاعتقال لما سمعنا له صوتا ولاستمر في تأييد نظام قمعي طائفي ظالم يحتكر السلطة ويستغل الدين للبقاء في الحكم، ويشن حروبا عبثية بدد فيها مقدرات الشعب وتسبب في مقتل وتشريد ملايين الأشخاص. لا غرابة إذن في تمسك خاشقجي بولائه لآل سعود وببيعته لولاة أمره وبنفيه تحوله للمعارضة. فمن شب على شيء شاب عليه. هو يختار عبوديته ويتمسك بأسياده لأنه لا يعرف معنى أن يعيش المرء حرا ولأنه لم يذق يوما طعم الحرية.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG