Accessibility links

القدس، حشو التاريخ المختلف عليه في جغرافيا متفق عليها


منظر شامل لمدينة القدس

بقلم مالك العثامنة/

في أحد أهم المشاهد التي تلخص رؤية صانعي الفيلم السينمائي الشهير (Kingdom of Heaven) الذي أخرجه برادلي سكوت ومن إنتاج عام 2005، فإن مشهد اللقاء النهائي بين بيليان، القائد الصليبي الفرنسي، وصلاح الدين القائد الأيوبي المسلم، كان بلا شك مكثفا في آخر مجريات الحوار الذي اعتمد رواية تاريخية لا نجدها في كتب التاريخ الإسلامي التقليدية، وفي الحوار حسب الرواية التاريخية والفيلم، فإن بيليان بعد أن سلم القدس لصلاح الدين وقد اطمأن إلى أن الأيوبي لن يبطش بسكانها المسيحيين وقد حكمها الصليبيون تسعين سنة، قد سأل صلاح الدين وهو يهم بمغادرة خيمة المفاوضات: ما هي قيمة القدس؟ فأجابه صلاح الدين (حسب الرواية والفيلم): لا شيء.. وكل شيء.

إذا جردنا صلاح الدين من كل الأساطير التي راكمها الخيال الشعبي العربي على شخصيته طوال قرون، وصدقنا بالروايات المعاصرة عنه أنه كان رجلا سياسيا وبراغماتيا واقعيا، فإن الرجل قد أنصف بالوصف.

والفيلم الذي عنون نفسه باسم "مملكة السماء" كان منصفا في العنوان وهو يسرد جزءا من سيرة حياة تلك المدينة التي اختلف عليها كل ممثلي السماء.

تلك الرؤية "العلمانية" البحتة للمدينة الأقدم في التاريخ البشري، كثفها الشاعر الفلسطيني محمود درويش برؤية وجودية فريدة وقد كتب عن القدس التي "في السور القديم" كما يقول فيسير "من زمن إلى زمن بلا ذكرى تصوبني" وهذا تشويش يشبه أعراض (دوار بحر) تاريخي ملائم لكل ما يمكن أن يقرأه المرء عن تاريخ القدس منذ كانت في كل الروايات المكتوبة والمنقولة والمتواترة، وحسب درويش فإن "الأنبياء هناك يقتسمون تاريخ المقدس"، لكنه يقترب من جواب صلاح الدين لبيليان الفرنسي حين يقول برمزية لا تحتاج إلى كثير جهد لفك رموزها " .. كنت أَمشي فوق مُنْحَدَرٍ وأَهْجِسُ: كيف يختلف الرُّواةُ على كلام الضوء في حَجَرٍ؟ أَمِنْ حَجَر ٍشحيحِ الضوء تندلعُ الحروبُ؟".

القصة كلها تكمن في الإجابة على سؤال من أي زاوية ترى الرواية، وأي رواية تريد؟

من أدبيات مفاوضات كامب ديفيد 2 المشهورة وغير الموثقة حتى اللحظة وقد بحثت عنها في الوثائق، فلم أجد إلا الروايات عن لقاء قمة كلنتون – باراك- عرفات في المنتجع الرئاسي الأمريكي الشهير عام 2000، في محاولة ماراثونية سيطرت حمى الوصول إلى حل فيها على هواجس الرئيس الأمريكي الأسبق قبل نهاية فترة إدارته الأخيرة، وانتهت بعد أسبوعين بتحميل الزعيم الفلسطيني الراحل تبعات فشل المحادثات، وهي تهمة سهلة في موقف أصعب ما يكون فيه أن تحمل إرث آلاف السنوات لتواجه في خرائط الواقع.

في تلك الأدبيات غير الموثقة كما أسلفت، تداول الكثير رواية مفادها أن الرئيس كلنتون عرض على ياسر عرفات عرضا "أمريكيا" سخيا، وهو القبول بمنطقة أبوديس بدلا عن القدس، بل وأن تعمل الولايات المتحدة على مساعدته ببناء مدينة قدس كاملة هناك! عرفات اتصل هاتفيا من المنتجع الرئاسي بالرئيس المصري آنذاك محمد حسني مبارك، واستمزجه طالبا تغطية ودعما سياسيا إن اتخذ قرار أبوديس بديلا عن المدينة القديمة، فكان رد مبارك سلبيا، وهو رد مفهوم لما عرف عن الرئيس الأسبق خشيته من خوض مغامرات غير محسوبة أو لا تعنيه مباشرة، ثم اتصل الزعيم الفلسطيني الراحل أيضا بالملك حسين، الذي رفض بالمطلق دعم عرفات بالعرض المقدم، وأسباب الملك واضحة حتى لعرفات نفسه، فالملك لا يريد أن يكون داعما للمنظمة في أي قرار يمس الضفة الغربية التي خسرها تحت سيادته لها.

حسب الرواية المنقولة وغير الموثقة فإن عرفات حينها ثار وغضب مما جعل الرئيس كلنتون ينفعل بدوره فيقول: وماذا في ذلك؟ لدي في أمريكا عشر مدن تحت اسم "جيروسالم"!!

هذا بالضبط، الفرق بين الرؤية العملية البراغماتية، لسياسي أمريكي لا يهمه التاريخ كثيرا بحكم أن التاريخ بمعناه المعنوي وإرثه الثقيل لا يشكل جزءا حيويا في العقل السياسي الأمريكي، والعقل السياسي لسياسي عربي مثل ياسر عرفات، يحمل إرثا تاريخيا ثقيلا، يحمل معه مجلدات التاريخ ليلقيها على طاولة مفاوضات، كما يفعل أيضا وبنفس القدر خصمه الإسرائيلي الذي ينظر للصراع وكل معطياته بذات النظرة التاريخية المحملة بالروايات ثقيلة الحجم.

أنت لا تملك أن تحاكم الأمريكي على فهمه للتاريخ، فالتاريخ في العقل الجمعي الأمريكي لا يشكل عبئا، وهذا سر قوة أمريكا، وفلسفة الفرد فيها، أنه يمكن أن تبدأ الآن، في كل لحظة. وكما وصفها الراحل محمد حسنين هيكل في دراسة له لمفاتيح فهم أمريكا، فأمريكا كثير من الجغرافيا وقليل من التاريخ.

سر قوة أمريكا هذا، هو ذاته نقطة ضعفها أمام الغير في محاولات التقارب والفهم، وهذا يتجلى أكثر في نزاع الشرق الأوسط، وهو نزاع عنقودي لا يمكن لأحد أن يحدد بالضبط بدايته التاريخية والتي لو تم تحديدها أو الاتفاق بالإجماع على نسيان تلك البداية التاريخية لتمكن الأطراف من الوصول إلى نهاية ما.

عمليا، فإن قرار ترامب تماما هو رمية الحجر المنتظر من أي كان في مياه السلام الراكدة في بحر الشرق الأوسط الهائج بكل أنواع الموج والعواصف.

أنت أمام عملية سلام مشلولة، فيها وقائع متحركة كل يوم، من جهة هناك قيادة فلسطينية برأسين ( السلطة "فتح" مقابل حماس)، كلاهما لا مفعول له سياسيا على أرض الواقع، استنزف الصراع بينهما كل طاقة وكل شعبية فتآكلت الشرعية بفعل عوامل التجوية الأيدولوجية، وأنت أمام يمين إسرائيلي يستثمر الوقت الضائع بتغييرات على الأرض تأكل الجغرافيا وتضع بينها وبين الاتفاقات فجوة تجعل الاتفاقات فيما بعد مجرد ورق فارغ.

الكل أمام بركة الماء الراكدة، ينظر إليها بذهول وهو يراها تتحول مستنبتا لكل شيء ممكن. الكل ينظر إلى البركة الراكدة حتى يأتي رجل أعمال بوظيفة رئيس منتخب، وبكل عناد يجعله في مواجهة مع العالم يلتقط حجرا فيلقيه في المياه – تلك المياه الراكدة - لتتحرك.

فعليا، اتفق مع ما ذهب إليه الصحفي الأردني منصور معلا في قوله ".. هزم ترامب حماس وفتح أي النظام الفلسطيني القديم، وفتح الأفق للشعب الفلسطيني لاشتقاق خياراته الوطنية لمواجهة التحديات الجاثمة على صدره وطنيا وعربيا وإقليميا وهذا شي إيجابي".

تلك ضربة ربما لم يقصدها الرئيس الأمريكي نفسه، لكنها فرصة للحديث عما بعد قرار ترامب، وخيارات السلام المتاحة والفرص التي يمكن البناء عليها في القادم من الأيام.

وفي المحصلة فإن قرار نقل السفارة قرار أمريكي لا قرار دولي، وتنفيذه حسب وزير خارجية الولايات المتحدة نفسه يحتاج عامين على الأقل، وهذا يعني كما أقرأه رسالة ضمنية للجميع بضرورة التحرك خلال فترة عامين للوصول إلى مفاوضات الحل النهائي وإنجازها وقفل ملف الصراع إلى الأبد.

لكن، أمام أزمة الشلل السلمي في القضية الأساس والجوهرية للشرق الأوسط، القضية الفلسطينية التي تحولت بفعل التشرذم العربي وانفراد "أوسلو" إلى قضية للفلسطينيين فقط، فأي سيناريوهات حل يمكن لها أن تكون مطروحة على أي طاولة كانت في هذا الشرق المأزوم؟

سيناريوهات الحل كما أراها، تنحصر في:

  • حل الدولتين، وهو حل عقيم استطاعت إسرائيل في الوقت الضائع كله، أن تغير وقائعه وتجعل منه ضربا من خيال، والحديث عنه الآن صار نكتة سمجة.
  • حل الدولة الواحدة، وهي مقاربة لمفهوم العدالة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، لكن هل تقبل إسرائيل بلغم الديموغرافيا في ثنايا الحل المنصف؟
  • حل الوحدة بين الضفتين، وهو حل منطقي يعيدنا إلى ما قبل فك الارتباط، بل إلى ما قبل قرارات قمة الرباط عام 1974 والتي خلقت من منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وهو القرار الذي وقعه الملك حسين على مضض في تلك القمة متشرفا بخبرته مآلاته التي وصلنا إليها وعاش هو جزءا منها، ثم ثبته الزعيم الراحل ياسر عرفات في الجزائر وقد أعلن الدولة وكذلك أعلن نهاية الكفاح المسلح مستعيرا اللفظة الفرنسية " caduc" بمعنى أن الميثاق الوطني الفلسطيني الذي قامت عليه المنظمة ممثلا شرعيا صار قديما ومتساقطا.

الملك الراحل في لحظة غضب ومزاج انفعالي أعلن من طرفه فك الارتباط بالضفة الغربية، لكن وقائع الأمور تثبت أن الارتباط الأردني بالضفة الغربية والقدس نفسها لم يكن قد تفكك بعد، وتفكيكه ليس رغبة أردنية حقيقية ولا حتى فلسطينية ولا إسرائيلية، كان الكل مستفيدا من الإدارة المحدودة للأردن في القدس وهي الإدارة التي لم تلق شكوى من أحد طوال تلك العقود، وهو واقع حال يمكن البناء عليه لأي حل قادم من أجل السلام العادل والشامل للجميع.

وفي المحصلة،

وبرؤية سياسية شخصية أراها واقعية يشاركني بها كثيرون ممن أعرف من نخب أردنية وفلسطينية أن أمام الأردن حركتين مفترضتين:

  • إعلان رسمي وعلني بالتراجع عن قرار فك الارتباط عام 88، وهذا يضع الأردن في موقع الكرسي الثالث في المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية، فلا يتم أي حل بدون مشاركة الدولة الأردنية فيه مع كل تبعات ومسؤوليات الدولة الأردنية السياسية والقانونية والأخلاقية.
  • التوافق مع منظمة التحرير الفلسطينية بالعودة إلى نقطة مدريد، ما قبل مفاجأة أوسلو، وقد سقطت المفاجأة واتفاقيتها في غياهب الأمر الواقع، والدخول في عملية سلمية مع إسرائيل مرة أخرى تحت مظلة أردنية- فلسطينية مشتركة، على أساس أن الضفة الغربية تم احتلالها وقد كانت تحت السيادة الأردنية.

    -------------

    الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG